| 

قرار فتح المعبر
كان بحر غزّة يضرب خاصرتها الجنوبية بجنون، وكانت الزنّانة كما العادة لا تغادر سماءها. الناس يبحثون عن خبز الصباح، الأطفال في مدارسهم، والباعة ينادون على الحليب والسكر والزيت، وكان عبّود يجلس حينها عند شاطئ خانيونس، ينتظر فرجاً من السماء بعدما ضاقت أحواله كما غالبية الفلسطينيين في القطاع.
يومها، جاء خبر فتح المعبر ليطرد رتابة العيش من أزقة غزّة، ويصبح كما في كلّ مرة، حديث الصباح والمساء. في كلّ بيتٍ، مسافرٌ/ة على الأقل سيحاول غداً أن يأخذ دوره، ستحاول أن تأخذ رقمها، على المعبر.
عبّود لم يكن يحلم كثيراً. كلّ ما كان يتمناه هو أن يترك غزّة بمآسيها خلف ظهره، ويرى شيئاً من هذا العالم. كان عليه أن ينتظر سنة ونصف السنة، يحزم خلالها أغراضه، ويتابع أخبار المعبر، يذهب يوم إعلان فتحه، ويعود بعد إغلاقه ثانية من دون أن يعبر.
هذه المرة، كان الوضع مختلفاً. جهّز أغراضه، واشترى رقماً من مسافر اختار أن يذهب عبر بيت حانون إلى الداخل، فالأردن. لكنه، ورغم ذلك، لم يكن كثير التفاؤل. ودّع أهله في الصباح وداعاً خفيفاً عابراً، لم يذهب إلى زملائه وأصدقائه، كان يقول لنفسه بعد يومين سيغلق المعبر وأعود إليهم وقد يشمتون. فلأوفر على نفسي الشماتة وأذهب سرّاً.

في الجهة الفلسطينية
في قاعة الانتظار على الجانب الفلسطيني، تكدّس الناس، تماماً كما هي الحال في مدارس "الوكالة" أيام الحرب. نساء ورجال، شيوخ وأطفال، جميعهم ينتظرون دورهم في العبور إلى الناحية الأخرى من الدنيا.
يتأفف البعض من طول وقت الانتظار، لكن أحداً لا يتجرأ على المغادرة، قبل أن تنتقل آخر حافلة إلى الجانب المصري، ويقفل المعبر مجدداً. غالبية المنتظرين كانوا من فئة المرضى، يقصدون السفر من أجل العلاج، وطلاب يقصدون العلم خارج أبواب غزة، ونساء أُبعدن عن رجالهن لسنين بسبب المعبر.
لم يكن عبود وحده هناك، كانت معه زوجة أخيه وبناتها، الكبيرة منهن في السادسة من عمرها. أما ابنة السنتين تلك فلم تكن تعرف والدها، إلا عبر سماعة الهاتف. انتظروا اليوم الأول بطوله داخل الجانب الفلسطينيّ، تمكّنوا بعدها من العبور إلى الصالة الأخرى.

في الجهة المصرية
الوصول إلى القاعة الجديدة لا يعني السفر، فقد يجور الزمان للحظة، ويقرّر الضابط المسؤول كسر ما بناه الخيال الخصب من أحلام، فيعود مسافرٌ أو مسافرة مخذولين إلى الحصار الأول في غزة، بسبب أو من دون سبب.
لا يُسمح هنا للصحافيين بالدخول، ولا يسمح حتى التصوير عبر الهاتف المحمول. القاعة صغيرة، الناس يتكدّسون. الرائحة القذرة آتية من بيت الخلاء المهمل، تجعل وقت الانتظار أطول. بعد ساعتين من الجلوس بهذه الظروف، تجرّأ الناس على طلب تنظيف الحمام، وقبلت الشرطة المصرية بأن ينظفه المسافرون، من دون أن يعطوهم أيّاً من أدوات التنظيف اللازمة. فكان التنظيف مُحالاً، وكان على الناس أن يصبروا.
يدخل الضابط المصريّ، ينادي باسم عبود. ترتسم الابتسامة على وجهه، يُمنّي نفسه بأن الفرج قد آتى. يذهب إلى مصدر الصوت، يقول له الضابط: انتظرني هنا لحظات.
ينتظر عبود نصف ساعةٍ حيث أشار له الضابط بالوقوف، وتمرّ نصف ساعة أخرى، والرجل لا يمرّ. يقرر عبود الانتظار أكثر، من دون أن يملك مجالاً لقرارٍ آخر. يمرّ الضابط من أمامه، ينادي عبود عليه، يردّ بلطفٍ: انتظر دقيقتين. وكانت الدقيقتان أطول من الدقيقة الأولى بساعة، أتى بعدها الضابط بابتسامةٍ واسعة، وأمره بالعودة إلى داخل الصالة.
هل يثور عليه؟ هل يشتمه، يشتكيه؟ كان ذلك ممكناً لو أنه لم ير مصير غيره في أثناء وقوفه هناك: فريقٌ كامل من الفنيين قرّر أن يتظاهر بعد يومٍ من الانتظار، فنزل المسؤولون عند رغبتهم، وأمروهم بحزم أمتعتهم، وعادوا بهم إلى غزة، حتى أن أحدهم كاد يبتلع لسانه من هول الصدمة، وراح أخرٌ ينادي بأعلى صوته: "طخّني يا باشا بس ما ترجعني!".
كان عبود يراقب ذلك من مكانه، لا يستطيع أن يحتجّ على أوامر الضابط، فيحلّ به مصير هؤلاء، ليس لديه إلا الصبر إذاً وطول الانتظار.
حان دور المرأة وبناتها الصغيرات لركوب الحافلة، والعبور بسيناء إلى القاهرة، فمطارها حيث الطائرة المتجهة إلى تركيا. أما عبود فكان عليه أن ينتظر أكثر على المعبر، من مساء السبت حتى صباح الاثنين. حصل أنه ورفاقه بلغوا مرتبة متقدمة وركبوا الحافلة مساء الأحد بحسب دورهم، إلا أن الضابط عاد وأنزلهم من جديد، بذريعة بدء حظر التجوال في سيناء.
كان عليهم أن ينتظروا حتى صباح اليوم التالي ليعاد تفتيش أمتعتهم مرة أخرى ويصعدون الباص، ولم تكن تلك نهاية العذاب. في الطريق من رفح إلى سيناء، يُمنع المسافرون من التقاط أي صورة. يفتشون عند كلّ كمينٍ للشرطة، بحسب أهواء المسؤولين. يتلقون أوامر النزول من الباص، فينزلون، ويفتحون أمتعتهم، تُلقى على الأرض، يوضّبونها مجدداً على وجه السرعة، ويعودون إلى أماكنهم، يكملون الطريق. كلّ من يخالف أمراً من الأوامر مهدّد بالعودة إلى غزّة، فيمتثلون حتى يصلوا إلى مطار القاهرة، ويجدّدوا حجز تذاكرهم التي قطعت مواعيدها بفعل التأخير، وينتظرون مواعيد إقلاعهم الجديدة.
دخل عبود إلى الطائرة منهكاً، رحّبت به المضيفة كما بجميع المسافرين. جلس في مكانه، ولم ينتبه إلى شيء إلا لمّا أيقظه رجلٌ بجانبه، بعد ساعتين، ليعلمه بوصول الطائرة إلى مطار أتاتورك في اسطنبول.

الجديد جداً في تركيا
هنا الحياة التي قصدها عبود، تاركاً تلك الغزّة التي أكلت من عمره الكثير. لديه شقيقه هنا، سيساعده على ترتيب أموره، ريثما يحصل على فرصة عمل تُمكّنه من البقاء في تركيا.
كانت أبسط الأشياء في اسطنبول غريبة على إبن غزّة. لم يكن قد رأى مثلاً درجاً كهربائياً في متاجر القطاع، أو حتى في أكثر أماكنه فخامة. نظام المترو، زهور على جنبات الطرق، حتى ألواح الإعلانات الضخمة وإشارات الوصول إلى المناطق. كان ذلك بالنسبة إليه جديداً جداً!
يعيش عبود اليوم في تركيا. يفتح صفحةً جديدة من حياته، ولا ينسى معاناة أهل غزّة. يهاتفهم لساعاتٍ طويلة، يتابعهم على "فايسبوك" و "تويتر". يسأله أحدهم: متى ستعود يا عبود؟ فيردّ: "لما نصير قادرين نحرّر فلسطين خيّا". وتلتمع على شاشة هاتفه علامات تعجّب واستفهامٍ كثيرة.