| 

لطالما شكّلت الثقافة خطابًا نقديًا ذاتيًا - إذا كانت ناضجة بالقدر الكافي -، وذلك من خلال استشراف المستقبل وتأمل الواقع وتفكيكه. ولعلّ أحد أهم الشروط لتحقيق ذلك هو عنصر المواجهة: المواجهة مع الذات والآخر، فكلّ ثقافةٍ ألغت الآخر من الوجود، تقوقعت داخل ذاتها وانبرت تتآكل. ولعلّ لهذا الإلغاء منطلقات مختلفة، أحدها: استحواذ الحقيقة والقيمة.
إذا تأملنا الثقافة الفلسطينية، فهي دائمًا في حالة مواجهة في النسق الكولونيالي، وهو لا يقل خطورة عن استحواذ الحقيقة. هي الحاجة للآخر في تعريف الذات، ولعل هذا ما يتبدى لنا إذا تأملنا الفلسطيني الذي بات لا يعرف ذاته من دون الإسرائيلي/الاحتلال، فيما يُعرف بالتعريف السلبي للذات بالآخر. هذا البحث الشاق عن الإسرائيلي في الذات الفلسطينية قد يُلغي الهوية الفلسطينية، ويجعلها امتدادًا للظلّ الإسرائيلي، ولو تمّ ذلك بدعوى التحرر والمقاومة والتحرير، كما سنرى.
للسينما خطاب ثقافي هام يخدم في تكوين ذاتها الجمعية السردية وصقل متخيلها الاجتماعي الهوياتي. وفي الحالة الفلسطينية، لطالما كان للسينما كسردٍ ذاتيّ الدور الهام في تعريف العالم بالفلسطينيين، ولكن منطلق حديثنا هاهنا هو تعريف الفلسطيني بالفلسطيني، أي تعريف الذات للذات.
في فيلم "عمر" (2013) للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، ثمّة طرح هام وأساسي لإشكاليات الذات والهوية الفلسطينية الآن وهنا وفي السياق الكولونيالي المواجهاتي. هذا الطرح لا يمكن أن يسقط بنهاية الفيلم، فهو ممتد إلى الخطاب الفلسطيني – الفلسطيني، وليس الخطاب الفلسطيني – الإسرائيلي (فقط). ولعل حادثة اغتيال "نشأت ملحم" على يد قوات الاحتلال الإسرائيليّ، هي حالة مرآوية يتناولها "عمر" بالحفر والتفكيك والتأمل، فلسطينيًا، أو هكذا يجب أن تكون.

سؤال الشهادة
الجغرافيا العربيّة لمفهوم الشهادة تمتدّ من "فجر الإسلام" حتى فترات الاستعمار الأوروبيّ، ومن ثم الدولة القومية وصولًا إلى الاحتلال الأميركي للعراق، والحرب في سوريا الآن، على ما مرّ به المفهوم من امتحانات قيمّية وتحويرات تارّة باسم الوطن وأخرى بالدين وثالثة بالطائفة، بينما الموت واحد، والفقد واحد. ويمكن للمرء أن يتفهم ما لهذا المفهوم وتجلياته من ثبات ـ نوعًا ما - في الثقافة الفلسطينية، إذا ما قورن بتنويعاته العربية (المتضادة أحيانًا داخل الدم والدين والعرق الواحد، كما في سوريا). ولكن هذا الثبات ـ للمفهوم - في مواجهة الاحتلال/الآخر، ليس نفسه في مواجهة الفلسطيني/الذات، ولعلّ هذا ما يطرحه "عمر" ونشأت ملحم معًا.
في "عمر"، حيث يشارك "البطل"/الشخصية الرئيسية (أتحفظ على مسمى "بطل" في السينما والأدب، وأميل للقول: "الشخصية الرئيسية")، عمر (آدم بكري) مع صديقه أمجد (سامر بشارات)، في عملية قنص مجنّد إسرائيليّ تحت قيادة وإشراف القائد الميداني وصديقهما طارق (إياد حوراني). يُلقى القبض على عمر، ويتعرّض لابتزاز المخابرات الإسرائيلية من أجل تجنيده لمصلحتها، ويُقتل طارق بالخطأ على يد أمجد في نقاشٍ محتدم عن "الشرف" (هذا المفهوم الذكوريّ المتغوّل في العقل الجمعيّ الفلسطينيّ حتى "الدم"!). يستطيع عمر وأمجد التحايل على ضغط الموقف، وتقديم حادث القتل بالخطأ باعتباره مواجهة مع الاحتلال أدّت إلى "استشهاد" طارق. وهنا، يتم تقديم طارق للـ "جماعة الفلسطينية" على أنه "شهيد"، ويتم تشييعه على هذا الأساس، بل أتوقع تعليق صوره في الذاكرة الجماعية الفلسطينية وفي المكان الفلسطيني (المخيم، الحارة، القرية، المدينة..) باعتباره كذلك، تعبيرًا عن تلك الذاكرة. الذاكرة التي يعتبرها المفكّر هومي بابا آليةً من آليات المقاومة، إذ يقول في كتابه "موقع الثقافة": "التذكّر ليس مجرد عملية بحث حالي أو سابق، بل هو عملية أليمة من إعادة المشهد، وربط أجزاء ماضية لمَنطَقَة وجع الحاضر". وهو ما دفع بأخت طارق نادية (ليم لوباني) إلى أن تسمي وليدها من أمجد "طارق"، وهي التي كانت على علاقة حب مع عمر، الذي آثر أن يبارك زواجها من أمجد على أن تصبح نادية ضحية "جريمة شرف".
وإذا افترضنا أن العمالة والوطنية تتحددان - حصرًا - بالآخر/ الإسرائيلي، فأمجد الذي قنص الجندي الإسرائيلي ليس خائنًا، برغم أنه كذب على صديقه ليسرق حبيبته، وتخابر مع الاحتلال وأفشل كميناً نصبه عمر وطارق. وبالمعيار ذاته، عمر الذي يقتل المحقق الإسرائيلي في النهاية ليس إلا خائنًا، لأنه قبِل التعاون مع الاحتلال مقابل حريته. هذه الإشكالية الأساسية التي يطرحها السرد الخاص بالفيلم، خاصةً أن الشهادة التي أسبغها الجميع على طارق قد تحققت له من دون مواجهة فعلية مع الاحتلال. ما يعني هنا أن الشهادة والعمالة والخيانة لا يحسمها حصرًا الآخر/الاحتلال.
هل يكفي نشأت ملحم أن يكون قد قُتل على أيدي الصهاينة، ليكون شهيدًا؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف ينزع عنه البعض الشهادة، مع أن الاحتلال من قتله؟ بل وأكثر من ذلك: لو وضعنا أنفسنا في العقل الخطابي الإسرائيلي بشكلٍ تفكيكيّ (وليس بشكلٍ استسلاميّ استبطانيّ قيميّ كما هي الحال مع السلطة الفلسطينية)، فسنجد أن استخدام كلمة "تخريبية" و "عمليات ذات أهداف قومية" التي وصف/أدرك بها الاحتلال العملية التي نفّذها نشأت، كافيةٌ لجعله شهيدًا.
هذا من ناحية. ومن أخرى، يرتاب البعض ويتربص بالمزيد من التوضيحات بشأن نشأت وعمليه تصفيته، قبل إسباغ قيمة فلسطينية عليه (مختلفة عن تلك التي في الخطاب الصهيوني، وإن كانت لها علامات مشتركة) وكأن القيمة قيد الانتظار! إذ يُقال إن نشأت ابنٌ لأبٍ منضوٍ في مؤسسات الدولة الأمنيّة، إذ حكم الناس والمجتمع عليه بأنه متعامل. ولكن، أيكفي هذا؟ ألم تعتذر نادية لعمر عن أنها تخلت عنه في أحوج أوقاته لها؟ أليس من الظلم أن يؤخذ نشأت بجريرة أبيه وذويه؟ أليس من حقه، هو من قتل إسرائيليين، أن يُحتفى به، كما كان الأمر مع طارق الذي لم يقتل إسرائيليًا، ومع ذلك علق في الذاكرة الفلسطينية المقاومة شهيدًا، وضَمِن ذكره في نسل أخته من دون أن ينتظر أحدٌ توضيحات من أحدٍ؟!

البؤرة الأنثى
"التبئير" Focalization هو مصطلح استخدمه جيرار جينيت كبديلٍ لمصطلحات سرديّة كثيرة مثل "المنظور" و "وجهة النظر" و "الرؤية" و "الحقل"، ومعناه أن الوقائع والأحداث وحتى الشخصيات لا تقدم لنا في "ذاتها" وبصورةٍ مباشرة، بل من منظور شخصيّةٍ معيّنة أو أكثر. فالشخصية البؤرية هي التي يمرّ من خلالها كلّ شيء، وهي ليست ذاتًا مفردة وحسب، بل تكاد تكون ذاتًا جماعيّة.
لو نظرنا إلى موقع "نادية" في الفيلم، نجدها هي "الشخصية البؤرية" التي تتكثف فيها كلّ منظومات المعنى والقيمة التي حرّكت الشخوص. فهي من أحبها عمر، والتي احتلت كلّ تفكيره منذ البداية، وهي قَوَّته في السجن وصبرته، وكانت أيضًا سلاح الاستخبارات لكسر شوكته، إلى أن نصب عمر الكمين لقوات الاحتلال مع طارق. ففي حين اعتبر طارق هذا الكمين امتحان ولاء، كان لعمر عتبة إلى حبيبته من خلال قبول أخيها طارق.
نادية التي أحبها أيضًا أمجد، وإن سلك إليها الكذب والعمالة والخيانة طريقًا، وما منعه عن العمالة، كونه قاتل المجند. نادية في مشهدٍ عبقري قبل نهاية الفيلم تجلس إلى مقعدٍ أبيض وثير يملأ الخلفية، بكلّ ما في البياض من معانٍ وانفتاحٍ على الحياد والممكن، يقابلها مشهدٌ مشابه لعمر يجلس وخلفه يملأ الصبار المشهد في نوعٍ من الترادف بين متقابلين، البياض من ناحية والصبار من أخرى بكلّ رمزيته في المخيال الفلسطيني الجمعي. كان ذلك بعدما اعتذرت نادية لعمر عن ظنها به كظن الجميع به. ولولا أننا عينٌ ثالثة على السرد، لظننا مثلها أنه متعاونٌ مع الاحتلال، وكان حكمنا عليه بالعمالة ليأتي حاسمًا بقدر ما كان ليكون حكمنا على أمجد بالوطنية حاسمًا أيضاً، وطارق طبعاً شهيدٌ بلا مساءلة.

تشكيل متصهين للهوية
منذ أيام، تسرّبت إلى فضاء الافتراضي مقولاتٌ بشأن مواد قيل إنها من هاتف نشأت ملحم، توضح ميوله الداعشية، وكأن "داعش" دخيل على تاريخنا العنفيّ المعاصر كعرب ومسلمين، أو كأنه أشد قسوة من مذابح الحرب اللبنانية (والتي لم تكن أقل دموية)، أو أن قطع الرؤوس والأيدي والرجم والجلد بدعٌ عند بعض الأنظمة. "داعش" ليست إلا تطورًا منطقيًا، وإن كان ذا صورة أعلى صوتًا لترسبات خطابٍ دينيّ رجعيّ ومتقوقع داخل ذاته المستحوذة على الحقيقة، والتي يقويها البترودولار. فمثلاً، ماذا تراه يكون المشهد لو أعلن سلمان رشدي عن حفل توقيع روايته "آيات شيطانية" في القاهرة مثلًا أو تونس (من منا ينسى امتلاء أحد ملاعب الكرة بتونس بالحضور لرؤية أحد شيوخ التكفير والسباب المقدس منذ شهور)؟
تناول هوى نشأت الداعشي، إن كان كذلك، هو امتداد لموضوعتين تُشكل الذات:
1. النمط الاستهلاكي: في تناول الأخبار بشكلٍ اختزالي، يُجيِّر الإنسان لموقفٍ وعبارة، يتم استهلاكها دونما فحصٍ أو تمحيص لا للفرد ولا للفكرة ولا تاريخانيتها ولا السياق الحاوي لها، كالكثير من مقولات الإعلام وأيقوناته.
2. المركزية الغربية: موضعة الداعشية في سياقٍ استشراقيّ حاكم وصلب، أنبتته المركزية الغربية وتقاعس العقل النقدي الإسلامي والعربي عن تفكيك تلك النماذج ومواجهة سلطتها والأنظمة الراعية لها، بالفصل بين الدين والتدين، فيصبح الدفاع عن الدين هو محاولة لغربنته، وهو ما يصب في سياقنا هذا بالقول وإن استبطانًا: "نشأت ملحم كان داعشيًا يستحق". وكأن الخلاص من داعش هو فقط من خلال المركزية الغربية الفوقية، ونموذجها الاستيطاني الإسرائيلي.
المعضلة أو العقدة في السرد والحبكة لا تحدث دومًا في المشهد الأكثر كثافةً دراميًا، وهو ما يفتح الرؤية والمعنى على ممكنات أكثر ثراءً، وإلا كان قتل عمر لأمجد هو الحلّ، ببساطة، خاصةً أنه متنفس لشحنة عاطفية هائلة (طمست الوطن قبلًا، لدى كليهما). لكن عمر ذهب لقتل المحقق، في إخبارٍ مهم عن أن ما يعطب الوطن والحب والصداقة والأخوة و الشهادة، هو الاحتلال.
في النهاية، فلننظُر إلى الرصاصات في قميص نشأت، وقد قُدَّ من قُبلٍ وليس من دُبر.