| 

ما إن يدخل المرء بهو "متحف إسرائيل" في القدس المحتلّة، حتى يلتمس عظمة مقتنياته التي تعود بالذهن إلى عصور ما قبل التاريخ. ممراتٌ مليئة برهبة المنظر ودهشة المعلومات. وبالرغم من أن المتحف يختصر مساعي إسرائيل لاحتلال تاريخ الفلسطينيين والأرض الكنعانية، إلا أن الاعتناء الواضح بالمتحف من قبل السلطات الإسرائيلية لدرجة أنه يعد أحد أهم المتاحف في الشرق الأوسط، هو أمرٌ يستحق الوقوف عنده.
في أول محطة للزائر قبل دخوله معرض التماثيل والآثار، يستقبل الزوار بلطفٍ موظفون من المسنّين المتقاعدين، كأنهم ينتظرونهم، يُطلعونهم على آخر نشاطات المتحف وندواته، ويحدثونهم عن أهمية المتحف وأقسامه وترتيبها. يروون عن متحفٍ لا يقتصر على احتضان المقتنيات والآثار، بل تتعدى نشاطاته ذلك إلى الجوانب الفنية والإبداعية والثقافية.

حياة الكنعايين في "أرض إسرائيل"
مجد زيادة هي فنانة مقدسية عملت سابقاً في متحف إسرائيل، فتشرح في حديث لـ "السفير" أن وراء وجود هؤلاء المسنّين كأول وجوه تستقبل الزوار هدفا كامنا، يقضي بإعطاء انطباع بأن الموجود في الداخل جذريّ ويعود إلى أجدادنا، كأنهم يضيفون عبقاً تاريخياً للمكان".
في ردهة المتحف الإسرائيلي الذي يقع أمام مبنى البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، حديقةٌ خلّابة للزوار، ومعارض مؤقتة ودائمة، ومساحة ثقافية للشبان والأطفال، بالإضافة إلى مساحة خاصة بالكتاب تسبق المحطة الأخيرة في المتحف، وهي عبارة عن مجسم ضخم للهيكل المزعوم.
ويحوي المتحف الذي يحتلّ بمبانيه كافة مساحةً تقارب 80 دونماً، مجموعةً مكوّنة من نحو 500 ألف قطعة، من ضمنها مخطوطات البحر الميت التي يقال إنها تحوي التوراة الأصلية، وتعود لأكثر من 2000 عام.
على جوانب الممرات المؤدية إلى المعارض التي تحوي التماثيل والآثار، تحضر لوحات فنيّة كأنها تحضيرية، وشاشات عرض تشرح تاريخ بعض المقتنيات. ثم تطالعك خمسة تماثيل كنعانية عثر عليها في دير البلح في غزة في القرن الثالث عشر.
هذه التماثيل ليست سوى نقطة في بحر احتضان المتحف لآثارٍ تعود بزواره إلى مئات آلاف السنين، بل بعضها يعود إلى ملايين السنين. أما داخل المعارض المقسمة بحسب العصر أو الديانة أو طبيعة الحياة فهناك عرض لتنوع أشكال الحياة عبر العصور والطقوس المتعلقة بالدفن والزراعة والصيد والصناعة وطريقة تحضير الطعام وما شابه.
كأن هذه المعروضات تساعد في إعادة بناء الفصول الأولى غير المكتوبة من حكايات السكان الأوائل في فلسطين، ونمو المجتمع وتطور الاقتصاد والحياة اليومية والروحانية.
ومن أبرز المقتنيات في المتحف الذي أنشئ في العام 1965، كنوز نحلا مشمار (من العصر النحاسيّ)، وخاصة الصولجان والتاج المرصّعين بالطيور والحيوانات المختلفة. وكذلك، يحضر تمثال الإمبراطور الروماني هادرين من العصر البرونزي الذي تم اكتشافه في منطقة بيسان (بيت شآن بالعبرية).
كما يضم المتحف مجموعة من اللوحات لفنانين من أوروبا وأميركا الشمالية، وفنانين من الدول الفلمنكية تعود إلى القرن السابع عشر ميلادي.
القائمون على المتحف حرصوا على تكرار مصطلح "أرض إسرائيل" عند عرض المناطق التي سكن فيها اليهود منذ العصور البيزنطية، كما خُصصت مساحة واسعة في أحد أقسام المتحف لسرد التسلسل التاريخي لظهور الأديان في فلسطين وخاصة الدين اليهودي، مرفقة بشكل شواهد تاريخية باللغة العبرية.
ما لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن معروضات المتحف، هو رفع الستار للزائرين عن كون أرض فلسطين (يسميها المتحف أرض إسرائيل) كانت محطة لرحلة على مرّ آلاف السنين تمثلت بخروج الإنسان من أفريقيا، وانتقاله من مهنة الصيد إلى السكن الدائم، حيث أقيمت القرى الأولى والممالك القبلية، وذلك في أعقاب "الثورة الزراعية". الآثار تتحدث عن جوانب من حياة الكنعانيين وحضارتهم: كيف عاشوا، وماذا لبسوا، وبماذا تميزوا، تتضمن تفاصيل مبهرة، حول سبل عيشهم وسعيهم وغذائهم، وما هي تقاليدهم.
وتكشف جماجم محنّطة لزعماء الكنعانيين وجدت في أريحا وتعرض في هذا المتحف، كيف كانوا يدفنون موتاهم، بينما تظهر قبور تعود للكنعانيين، عثر عليها في الجليل الأعلى، وتعرض في المكان ذاته بعضاً من أدوات وطقوس العبادة التي ارتبطت بخصوبة الارض والإنسان والحيوانات عند الكنعانيين، فضلاً عن مئات القطع الأثرية التي تروي جوانب اخرى من الحكاية.

إنكار تاريخ أهل المكان
بالرغم من اهتمام المتحف المحدود بتاريخ الديانتين الإسلامية والمسيحية وتاريخ المكان، وعلى الرغم من استخدامه لمصطلحات تمثل خطاباً سياسياً موجهاً، إلا أن الحضور الفلسطيني في المتحف واضح، لم يبدّده إطلاق أسماءٍ غامضة على السكّان الفلسطينيّين مثل "شعوب البلاد القديمة" أو "سكان أرض إسرائيل القدماء".
ويوثّق "متحف إسرائيل" أدوات كان يستخدمها أهل القرى المهجّرة. ورغم وجود توثيق لطابع القرية وسكانها وتاريخهم، ينعدم أيّ وجودٍ لبعدٍ واقعيّ أو شخوصٍ إنسانيّة تعكس حقيقة المكان والترهيب الذي تعرّض أهله له، حقيقة المكان الذي كان حياً قبل الهجرة الصهيونية، المكان الذي كان يعج بالممارسات اليومية لسنوات طويلة، حتى لحظة التهجير.
وحول ذلك، يقول المؤرخ د. نظمي الجعبة لـ "السفير": "الآثار وحدها لا تصنع التاريخ في مكان ما. ومع ذلك، نجح المتحف، نوعاً ما في إهمال عددٍ من الحقائق، أهمها عملية تشريد الفلسطينيين الأصليين، ثم الثقافة المحلية والعادات والتقاليد عند الفلسطينيين أبناء هذه الأرض".
يشرح الجعبة: "إسرائيل تسعى من خلال المتاحف إلى إبراز هوية يهودية صهيونية، من خلال عرض شيق للتاريخ اليهودي، وتهميش المرور الإسلامي والمسيحي وغيرهما. تعرضه بشكلٍ جميل، وتربط المقتنيات بالتاريخ اليهودي".
يركز القائمون على متحف إسرائيل، الذي يعتبر أكبر مؤسسة ثقافية في إسرائيل وأكبر متحف في الأراضي المحتلة، على "الفن اليهودي" و "الحياة اليهودية"، لإعطاء المتحف انطباعاً قومياً حسبما يقول الجعبة، بمعنى جعله يخص كل يهود العالم، وليس فقط الإسرائيليين الذين يعيشون في إسرائيل.
الأهم من المقتنيات الموجودة في المتحف، هي الرواية التي تقدم للزائر. هناك رواية فلسطينية، ولكن لم توجد أي جهود لبلورتها وتبيان أهمية هذه الآثار بالنسبة إلى تاريخنا كفلسطينيين. الإسرائيليون لم ينكروا أيّ حقبة تاريخية، ولكن همّشوها حتى بانت كأنها "تحصيل حاصل".
ويرى المؤرخ الجعبة أن الإسرائيليين يقومون بمحاولات مستميتة لخلق تاريخٍ لهم في هذه البلاد، إلى جانب محاولاتهم التي لا تتوقف بهدف خلق التجانس بين الإسرائيليين المقيمين في أنحاء الأراضي المحتلة، وإن كان ذلك على حساب تغيير الحقائق التاريخية، وإعادة إنتاج المواد، وخاصة المواد الأثرية.
وتقول زيادة (الموظفة السابقة في المتحف): "كنت أشعر باهتمام القائمين على المتحف بزيارة الإسرائيليين أنفسهم له، فكانوا يركزون على جلب مجموعات من الجنود الصغار للمتحف وإطلاعهم على أقسامه ومقتنياته، والحديث عن ارتباط الشعب اليهودي بهذه الأرض، وكيف أن لهم كل الحق بالتواجد في هذه الأرض".
وتضيف زيادة: "المتحف مقسم بشكل ذكي للغاية حسب العصور والحقبات التاريخية، بطريقة تجعل هذه الآثار مرتبطة بشكل أو بآخر بروايتهم. هم لا يستطيعون إلغاء التاريخ، لكن يمكنهم تهميش فترات معينة، وإبراز فترات أخرى، بما يتناسب والسياق التاريخي الذي يدعم وجودهم في فلسطين".
وحول العاملين الفلسطينيين بالمتحف، تشير زيادة إلى أن بعضهم، قدر المستطاع، يحاول تأكيد الرواية الفلسطينية للمكان ومقتنياته، وتفنيد الرواية اليهودية. لكن العمل في ذلك المكان يأتي ضمن إطار تدريب موجه ومراقبة للعاملين فيه، ما يشكّل ضغطاً حيال تغيير أسس الرواية التي يسعى الإسرائيليون إلى ترسيخها في عقول الناس.
ولا يعكس ما أطلق عليه في المتحف بالفن الإسلامي، حسب زيادة، الفن الإسلامي الحقيقي الذي وُجد في فلسطين، إذ أن معظم مقتنيات هذا القسم تم جلبها كتبرع من أثرياء يهود في اليمن وإيران وتركيا وغيرها.

موقع الفلسطينيين من تاريخهم
في ظل الجهود الإسرائيلية لتكريس الرواية الصهيونية، تنعدم الجهود الفلسطينية لتبيان أهمية هذه المقتنيات بالنسبة إلينا كفلسطينيين. وحول ذلك، يقول د. الجعبة: "ألوم السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير لعدم تسخير إمكانيات لتحديث الرؤى الصحيحة في ما يتعلق بتاريخ هذا المكان". وأكد: "نحن لا نحتاج إلى ملايين الدولارات وإمكانيات هائلة حتى نتمكن من إنشاء متحف شبيه بمتحف إسرائيل. لكن ليست لدينا الإمكانات ولسنا جاهزين لخطوة مثل هذه. فامتلاك التاريخ يحتاج إلى فريق ضخم من الباحثين والمعدات والمتخصصين. إسرائيل من أكثر الدول التي فيها دارسون وخبراء بالآثار والتاريخ والمتاحف بالنسبة لعدد سكانها".
وتطرق د. الجعبة في حديثه إلى وجود متاحف فلسطينية تعكس التراث الشعبي الفلسطيني، لكنها تقتصر على القرن العشرين أو التاريخ المعاصر، مثل متحف الفلكلور العربي الفلسطيني - دار الطفل، ومتحف محمود درويش، وغيرهما: "وهي متاحف رائعة تعرض الأدوات التراثية الفلسطينية بشكل جميل ومرتب".
ولا بد عند الحديث عن متحف إسرائيل، التطرق إلى المتحف الفلسطيني المزمع افتتاحه في شهر أيار المقبل، والذي رفع شعار "منبر للتأمل والحوار وتبادل الآراء في أمور الثقافة والتاريخ الفلسطيني مجتمعاً وشعباً".
لمقاربته، يجب التأكيد على أنه لا تمكن المقارنة بين متحف إسرائيل والمتحف الفلسطيني. فالأول تعتبره إسرائيل مخزناً لتراثها وآثارها وحضارتها، فيما المتحف الفلسطيني مؤسسة ليست مرتبطة بالسلطة الفلسطينية ولا بأية مؤسسة رسمية. لذا، فإن القائمين عليه لا يستطيعون خوض أيّ صراعٍ قانونيّ في ما يتعلق بالمقتنيات التي تستولي عليها السلطات الإسرائيلية، أو المطالبة باسترجاعها.
ويقول عمر القطان، رئيس فريق عمل المتحف الفلسطيني، في حديث لـ "السفير": "إن المقارنة بين المتحفين ليست صائبة، ونحن لا نملك الصلاحيات القانونية والمالية لخوض مثل هذا الصراع، لأننا متحف مستقل وغير تابع للسلطة الوطنية . نحن كمتحف فلسطيني هدفنا الأساسي النظر في أجزاء من التاريخ الفلسطيني الحديث أي منذ منتصف القرن التاسع عشر بشكل أساسي ، من خلال المقتنيات المتوفرة الأثرية والشخصية والفنية".
ويضيف: "المقتنيات الأثرية الموجودة في متحف إسرائيل، والتي تعود إلى آلاف وملايين السنين، إرث إنساني لا يجب ربطه بدين أو شعب معين كما تفعل إسرائيل في سرديتها الصهيونية".
وأشار القطان إلى أن المعضلة الأساسية بالنسبة إلى المتحف الفلسطيني تكمن في عدم تمكنه من جلب مقتنيات تاريخية من خارج البلاد، وذلك لأن إسرائيل لم توقع على اتفاقية اليونسكو التي تنص على حماية المقتنيات الأثرية ونقلها. وبذلك، "فإننا لا نضمن عدم استيلاء إسرائيل على هذه المقتنيات في حال تم نقلها من مناطق خارج فلسطين إلى داخل فلسطين".
ويضيف القطان: "نسعى لأن نربط بشكل عميق بين خانات الفن والآثار والمجتمع المختلفة، لتحقيق تواصل جغرافي حاضر فيه كل الفلسطينيين، سواء في الداخل أو في المنفى".
وحول المقتنيات المفترض أن يحويها المتحف الفلسطيني، قال القطان: "في الوقت الحالي، لا نملك مجموعة كبيرة مثل التي في المتاحف الإسرائيلية، لذا سنعتمد في البداية على المقتنيات المتوفرة وربطها بالثقافة والمجتمع الفلسطيني العصري. لكننا نأمل أن نجمع في المستقبل القريب مجموعة قيمة، وذلك بالتأكيد يجب أن يحصل بعد ضمان حمايتها وعدم استيلاء سلطات الاحتلال عليها".