| 

آخر البرجوازيين في حارتنا المتواضعة. تراه ليل نهار يجمع المال من الزبائن الكرام، ويمضي ساعات في عدّ المبلغ مرّات ومرّات.
يطمح لأن يصبح في يومٍ من الأيام صاحب أكبر سوبر ماركت في المخيم، على اعتبار أن برج البراجنة لا يقاس بمساحته، إنما بناسه الطيبين.
يظن أبو عايد أنه، لولا النكبة، لكان يمكن له أن يصبح تاجراً من العيار الثقيل، يسكن القدس، ويصطاف في حيفا، كأمراء الزمن القديم، رغم أنه لم ير القدس يوماً. فهو ابن المخيم منذ الأزل، لم يسبق أن كانت له عاصمة، لقد أمضى حياته لاجئاً، لكنه ظلّ يظن ذلك.
كان كلامه دائما عن المال الكثير، ولا يتردّد بأن يقول في كلّ جلسةٍ ومناسبة، إنه أكبر من أن يسكن المخيم، لكن الظروف أجبرته على ذلك. والآن هو لا يريد أن يترك حارتنا لأننا بتنا مصدر رزقه الوحيد.
غالباً ما يعيد أبو عايد أسطوانته تلك خلال سهراته المخيماتيّة مع أقرانه في حارتنا، وهم تسعة عجائز يتبادلون حكاياهم حول إبريقٍ من الشاي وطاولة الشطرنج.
أبو محمد أكبرهم سنّاً، يدير جلسة أصدقاء طفولته، حيث تتزاحم حكاياهم، وهم في غالبيتهم مناضلون قدامى. لكنهم في تلك السهرة الأسبوعية، يعودون بالعمر خمسين سنة إلى الوراء أو أكثر، فيسمع كلّ الأهالي صراخهم.
وبين كلّ لعبةٍ ولعبة، يبعثرون دفاتر ذاكرتهم. يقول أبو محمد إنه جاء إلى مخيم الرشيدية مع عائلته، لمّا كان المخيم عبارة عن ثلاث خيمات فقط. كان مجرد كابوسٍ في بادئ الأمر، قبل أن يصبح المخيم عمراً كاملاً من النضال الفلسطينيّ.
يقول أبو محمد، وهو يحاول رفع كتفيه بعدما ثبّت الزمن انحناءة ظهره، إنه كان في تلك الأيام، صغيراً يرافق والده في الصباح للبحث عن الرزق في فلاحة الأرض.
بأسى، كان يصف حال والده بعد النكبة، رفض أن يترك الجنوب، كان وطنياً كما الزيتون في أعالي الجليل، يبحث عن مشروع خلودٍ يعيده إلى أرض فلسطين من دون جدوى. تدمع عيناه وهو يقول: والدي، رحمه الله، كان يحب البرد ويعشق صوت الرعد. يسكت برهةً ثم يثور دونما خجل من حزنه المستمر على أبيه، فقيرٌ هو كالشتاء الذي جاء من بعده.
يحاول أن يواصل حديثه، ليخبر أنه جاء إلى برج البراجنة، بعدما تطوّع في صفوف الثورة الفلسطينية، وحمل بندقيته، تلبيةً لطموح والده في العودة إلى الأرض. فهو سيعيد رفات والده معه، كما آلاف اللاجئين إلى أرض عكا الغائبة وراء رأس الناقورة.
أبو عايد يخطف الحديث مجدداً، لا يسمح لأبو محمد بأن يكمل ما بدأه من شجن. يصيح به ممازحاً: "يا زعيم، حسابك وصل مئة ألف ليرة ما تنساهم! قرّب آخر الشهر ويمكن أسكّر الدكان وأترك المخيم".
لكن الحقيقة التي سمع أبو عايد يبربر بها لنفسه ذات يوم، تفيد بأنه هو في هذه الحارة الغنيّ الوحيد، وبالتالي، يستطيع بسهولة أن يؤدي دور الوجيه والوسيط والمرجع. لكن الناس خارج المخيم يختلفون كثيراً من حيث الوضع الاجتماعي الذي يعيشونه، وثروته التي جعلته برجوازياً داخل حارتنا الصغيرة، قد لا تكفيه لأن يكون كذلك خارجها.
على العموم، أبو عايد يضع المشكلة دائماً في دفتر الدين، ويقول لنا ولباقي الجيران: "أوفوا ديونكم، أريد أن أهجركم، وأتوب عن هذه المصلحة". لكننا جميعنا نعلم أن أبو عايد إنسانٌ طيّب، ولن يترك حارتنا بلا دكان!