| 

الجلسة مع مروان الدجاني ليست عادية. فالرجل عاصر الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها، وكان نضاله دائماً محورياً ولكن من خلف الكواليس، شأنه في ذلك شأن كثيرين ممن اختاروا لأنفسهم أدوراً أمنيّة.
من المؤكد أن قصة مروان الدجاني مع النضال من أجل فلسطين لا يمكن اختصارها في مقابلةٍ واحدة. ففي ذكراته ما يتسع لكتاب أو أكثر. وعلى الرغم من تقدّمه في السن، تراه ما زال يحفظ الأسماء والأحداث والوجوه والانفعالات. وكذلك، يحدّد لنفسه دوراً يؤديه الآن في خدمة القضية الفلسطينية.
اسمه مروان حسين دجاني، من مواليد القدس في 14 نيسان 1940. حاز إجازة في إدارة الأعمال من "الجامعة الأميركية في بيروت". زوجته هي غزوة حلاوي، وله منها عامر، حسين، وريما. تنقل في عدّة مواقع في "حركة فتح"، كان أبرزها: عمله في جهاز الرصد، وكان المسؤول المالي في هذا الجهاز.
على المستوى الخاص، تنقّل في عدّة وظائف واستمر فيها إلى جانب عمله الثوري. فقد عمل في "مكتبة بول وسمير خياط"، ومديراً عاماً لـ "شركة ستراند الفندقية"، ومالكاً لفندق "فينر هاوس" في الحمراء. لقبه الحركي هو أبو الحكم، وقد كان لملحق "فلسطين" معه هذا اللقاء الكريم.

• أين ولدت، وما هي أبرز ذكريات الطفولة؟
ولدت في القدس في 14 نيسان 1940، وكانت المنطقة التي نسكن فيها تدعى "البقعة التحتى". كان والدي يعمل في التجارة. وأذكر مما أذكره من تلك المرحلة، لما أتتنا والدتي وأبلغتنا أنا وأخوتي بأننا سنذهب إلى لبنان لقضاء فصل الصيف. كان ذلك في العام 1948، وفي أعقاب مجزرة دير ياسين. طلبت منا مساعدتها في توضيب الأواني الفضية التي قررت ألا تحملها معها على اعتبار أن إقامتنا في لبنان لن تطول. بدوره، كان والدي يشاركها الاعتقاد ذاته. والدتي وهو أكدا لنا أكثر من مرة أننا عائدون بعد تحرير فلسطين من قبل الجيوش العربية التي كانت تستعد للزحف نحو القدس. وقد رفض نصيحة بعض الأصدقاء والأقارب له بأن يحمل معه إلى بيروت بعض أثاث منزله.
في لبنان، استأجر والدي منزلاً في مدينة عاليه، وراح ينتظر بفارغ الصبر عودته إلى فلسطين. ولكن مع مرور الوقت، بدأ يشعر بأزمة نتيجة خسارته لأمواله. ففي فلسطين، كان يتعاطى في تعاملاته المالية مع بنك "باركليز" الإنكليزي الذي استولى على أموال المودعين لديه من الفلسطينيين الذين خرجوا من فلسطين عام 1948، ورفض إعادتها اليهم بعكس "البنك العربي" في القدس الذي حفظ لهم إيداعاتهم ودفعها إليهم حيثما لجأوا. وقعنا في أزمة مالية حادّة. وعندما حاول والدي إعادة إحياء تجارته في لبنان، اكتشف أن السوق الللبناني عامة يختلف تماما عن السوق الفلسطيني. ما فاقم أزمته المالية. وقد زاد الطين بلة تعرضه لطعنة في الظهر من قبل مساعدته التي كانت تعمل معه في فلسطين. فبعدما نزحت إلى لبنان، سلّمت جميع أسرار عملها إلى زوج خالتي، الذي قام باستثمار هذه المعلومات في تجارته في لبنان.
ولكن، رغم ذلك، لم يستسلم والدي وقرّر أن يستمر في عمله، معانداً كلّ الصعوبات، واضعاً نصب عينيه إيصال أولاده إلى أعلى مراتب العلم. كان يقول لنا دائماً: "العلم هو السلاح الأمضى لعودة الفلسطينيين إلى ديارهم". على هذا الأساس، دخلنا أنا وإخوتي جميعا إلى "الجامعة الأميركية في بيروت"، وتخرجنا منها باختصاصات مختلفة.

المدرسة، الجامعة، ورأس بيروت
• في المدرسة البيروتية، تعرّضت لعدد من المواقف اللافتة. أخبرنا عن بعضها.
في بيروت، دخلت الى "مدرسة الإنكليز"، وكان مقرّها في محلة المصيطبة. كان لي من العمر ثماني سنوات. أذكر تماماً في اليوم الاول لدخولي المدرسة، لما سألتني المعلمة عن مذهبي فارتبكت ولم أعرف بماذا أجيب، فاكتفيت بالقول بأنني مسلم. وعند المساء، أخبرت والدتي بما حصل معي، فأجابتني بالتالي: "قل لمعلمتك أننا كلنا مسلمون لرب العالمين، منا من أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم لله بالإنجيل". وفأجاني في المدرسة أيضا أن التلاميذ يتبادلون الشتائم في ما بينهم بشكل عاديّ، في حين أن هذا الامر كان ممنوعاً في مدرستنا في فلسطين. وعانيت في مدرستنا في بيروت من الانقسامات الحزبية التي كانت تسود الساحة السياسية في لبنان، والتي وجدت لها مكانا في مدرستنا، خاصة خلال أحداث العام 1958. ففي تلك الفترة، كان أستاذنا في مادة الرياضيات هو المربي المعروف قيصر حداد، وهو شقيق المناضل الدكتور وديع حداد، وكان من مؤيدي القومية العربية. وعلى الرغم من تفوقي في هذه المادة، فإن قيصر حداد كان دائماً يعطيني علامات أقل بكثير مما استحق، والسبب أنه كان يظن أنني عضو في "الحزب السوري القومي الاجتماعي" على غرار شقيقي الأكبر نبيل. حاولت عدة مرات أن أبيّن له أنني لست عضواً في هذا الحزب، وأنني فقط من المعجبين بأفكار أنطون سعادة، ولكنه لم يقتنع.
في المقابل، كان أستاذ مادة اللغة الفرنسية فكتور حداد يمنحني دائما علامات أكثر مما أستحق لاعتقاده أنني مثله عضو في "الحزب القومي".

• هل لك أن تخبرنا عن أيامك في "الجامعة الأميركية"؟
في العام 1958، دخلت الى الجامعة الاميركية في بيروت لدراسة الهندسة، ولكن ما لبثت ان تحولت عنها واتجهت الى التخصص في ادارة الاعمال. كانت "الاميركية" في ذلك الوقت تضم طلابا من مختلف الجنسيات العربية والاجنبية، فكوّنت صداقات مع الكثيرين منهم ما زالت مستمرة حتى اليوم. كما عملت في الجامعة بخمس وظائف دفعة واحدة، حتى تمكنت من توفير القسط. فوالدي كان حينها يمر بظروف مادية سيئة. كان عملي الاساسي في مكتبة "الجامعة" وتقاضيت عليه ليرتين في الساعة. وعملت في طباعة الأوراق لأساتذة الجامعة، وكذلك اشتغلت في تنظيم الحفلات التي كانت تقام في قاعة "وست هول". كما اشتغلت أيضاً كدليل لزوار الجامعة. أما العمل الذي أعانني في تأمين قسط الجامعة فقد كان في مجلة "outlook" التي يصدرها طلاب الجامعة، إذ اشتغلت فيها كمندوب إعلانات. فقد كان عدد صفحاتها لا يتجاوز الثماني صفحات، وبفضل نشاطي ازاداد عدد الصفحات لتصبح 34 صفحة، 30 منها مخصّصةٌ للإعلانات.
ورغم دراستي وعملي، لم أتخلف عن المشاركة في كل النشاطات والتظاهرات التي نظمها طلاب الجامعة دعما للقضية الفلسطينية والقضايا العربية الاخرى، وكنت من أنشط طلاب الجامعة في توزيع مجلة "الثأر" التي أصدرتها "حركة القوميين العرب".

• كيف كانت أجواء راس بيروت في ذلك الوقت؟
كانت أجواء راس بيروت حيث سكنّا في غاية الروعة. ففي راس بيروت، لم تكن تعرف المسيحي من المسلم. ومن أجمل الاشياء التي أذكرها جلساتنا في "مطعم فيصل" حيث كنا نلتقي بعدد كبير من الشعراء والمثقفين. وأذكر منه حادثة طريفة وقعت مع أحد أساتذة الجامعة، ويدعى الدكتور "ابش". كان رجلاً ظريفاً، ويقصد "مطعم فيصل" بين الحين والآخر لتناول كأس ويسكي. وكان متفقاً مع النادل أمين على أن يضع له الويسكي في فنجان من الشاي خلال شهر رمضان. وفي يوم من شهر رمضان، كان أمين غير موجود، فنادى أبش على نادل آخر يعمل هناك، ويدعى عاطف: "اجلب لي كأس ويسكي في فنجان شاي كما يفعل أمين". لم يستوعب عاطف طلب الدكتور، فنادى بأعلى صوته لعامل البار: "كاس ويسكي للدكتور ابش بفنجان شاي".

• هناك أكثر من قصة في بداية حياتك العملية أخبرنا عن بعضها؟
بدأت حياتي العملية بالعمل في شركة "كات" للمقاولات ولكن لم استمر فيها اكثر من شهرين، بعد ذلك انتقلت للعمل في مكتبة خياط في راس بيروت والتي كان يملكها الأخوان بول وسمير خياط. وكان من ضمن مهامي في العمل القيام بجولات على الاسواق العربية التي اكتشفت خلالها ان السوق الكويتي هو سوق واعد فأقنعت صاحبي المكتبة بافتتاح فرع لمكتبتهما في هذا البلد. وافق بول وسمير خياط على اقتراحي وكلفاني بإدارة الفرع هناك، ولكن بسب الطقس الحار والذي لا يلائم صحتي تقدمت باستقالتي من العمل بعد خمسة ايام على وصولي الى الكويت.
حاول أصحاب المكتبة إقناعي بالاستمرار في العمل ولكنني اعتذرت بسب تلقي عرض مغر من شركة اخرى واقترحت على صاحبي المكتبة اسم زميل لي في الجامعة الاميركية ليحل محلي في الكويت، وكان هذا الزميل والذي أصبح اليوم من كبار رجال الاعمال ويملك محطة تلفزيونية كبرى في لبنان في حالة مادية سيئة للغاية وكان يرجوني دائما مساعدته في الحصول على عمل.
كان بول وسمير خياط على درجة عالية من الأخلاق والطيبة وهما وثقا بهذا الشخص وسلماه كل شيء في الكويت ولكنهما بعد فترة فوجئا بأنه قد خان الامانة وأقنع الكفيل الكويتي بأنه هو صاحب المكتبة وقام بتسجليها باسمه. يومها أذكر تماما اتصل بي سمير خياط "ونشر عرضي".

منح الصلح، أبو جهاد، و "رصد" روما
• في حياتك تحول هام كان وراءه منح الصلح. أخبرنا عنه؟
تخرّجت من "الجامعة الاميركية" في العام 1962 في حال من الإعجاب الشديد بالعيش على الطريقة الاميركية، لدرجة أنني لم أعد أهتم بكلّ ما له علاقة بالقضية بالفلسطينية، وصرت أعتبرها مجرد ذكريات، بينما انصبّ اهتمامي على مصادقة أكبر عدد من الفتيات، وخاصة الاميركيات والاوروبيات. وكان ذلك يزعج صديقي في الجامعة منح الصلح الذي راح يحثني على ترك هذه الأجواء والانتقال الى النضال من أجل فلسطين. أقنعني منح الصلح بكلامه، وكان أول ما فكرت به هو إنشاء منظمة تعمل من أجل استرداد فلسطين، وتكون على درجة عالية من التنظيم، مستفيداً في ذلك من تجربة الحركة الصهيونية التي استطاعت بفضل دقتها في العمل والتنظيم احتلال أرضنا. بدأت اتصالاتي في هذا المجال واستطعت أن أجمع حوالي 22 شخصاً أيدوا الفكرة. كان ذلك قبل حرب حزيران 1967 بفترة قصيرة، وكان أول عمل نفذته هذه المجموعة هو جمع مبلغ قيمته 50 الف ليرة لبنانية. ورحنا نفكر بما يجب فعله بهذا المال، فاقترحت ان نتبرع به للفصيل الفلسطيني الاكثر عملا من أجل القضية الفلسطينية. فقمنا بزيارات لعدد من مقارّ الفصائل الفلسطينية في الأردن وسوريا، ومن ضمنها زيارة قمت بها برفقة حسن الشريف إلى معسكر الهامة حيث التقينا بالقائد أبو علي إياد. كان أبو علي قائداً فعلياً، وهو اقترح علينا أن نذهب إلى دمشق للاجتماع بخليل الوزير (أبو جهاد). بعد انتهاء اجتماعنا مع أبي جهاد، تكونت لدي قناعة أنا وحسن بأن "حركة فتح" هي التنظيم الأنشط فتبرعنا لها بالمال. لم يعجب ذلك بعض أعضاء مجموعتنا الذين كانوا يعتبرون "حركة فتح" فصيلاً تابعاً لحركة "الإخوان المسلمين".

• شكل تعرفك بأبي جهاد بداية انخراطك في النضال. كيف حدث ذلك؟
بعدما تعرّفت إلى أبي جهاد، أصبح يتصل بي اتصالاً شبه يوميّ، ويطلب مني تأمين بعض الحاجات اللوجستية للمقاتلين الفلسطينيين، كالثياب والأحذية وغيرها. وكنت أؤمن ثمنها من تبرعات بعض الاشخاص الفلسطينيين واللبنانيين.
كانت "حركة فتح" حينها محظورة في لبنان متى؟ أي سنين تقريباً؟ فأدخلنا ياسر عرفات سراً الى لبنان أكثر من مرة، كما قمت بإدخال منشورات وكتب تخص "حركة فتح" لتوزيعها على الفلسطينيين في المخيمات. وكان ذلك بالسر طبعاً. كنت أعمل حينها مديراً لشركة "ستراند" الفندقية، وكانت تملك عدداً من المطاعم والفنادق في بيروت، وكنا نشتري الخضار من مزارع البقاع. فاستدعيت أحد مناضلي "فتح"، ويدعى "روبين"، واشتريت له عدداً من البغال، وطلبت منه تهريب المنشورات من سوريا إلى لبنان في صناديق الخضار. ومن البقاع، نهربها إلى بيروت.
وفي تلك الفترة أيضاً زارني أبو جهاد، وأخبرني بإنشاء "لجنة حركة فتح في لبنان"، وطلب مني أن أكون من بين أعضائها. كانت مؤلفة من: إميل خوري، وطلال أبو غزالة، وربحي عوض، وجيهان الحلو، ويحيى عاشور، وتوفيق الصفدي، ومروان دجاني.

• أخبرنا عن عملك في جهاز الرصد.
اتصل بي أبو إياد وكانت "حركة فتح" لا تزال في الأردن، وأبلغني أنه يعمل على إنشاء جهاز أمني في الحركة اسمه جهاز "الرصد"، ومهمته حماية الثورة من أعدائها، وطلب مني الالتحاق بدورة تدريبية أمنية. وافقت وخضعت لدورتين أمنيتين في كلّ من مصر والأردن، وكان من رفاقي في هاتين الدورتين الشهيد ابو حسن سلامة، والمرحوم ابو علي مهدي بسيسو، ومريد الدجاني، وابو نضال. وبعد ذلك، جرى تعييني المسؤول المالي لجهاز الرصد.
ومع بدء عملي في الجهاز، أحسست بأن ياسر عرفات بدأ بالابتعاد عني بعدما كنا أصدقاء. سألته عن السبب، فقال: "من يعمل في هذا الجهاز، يصبح لدي خوف منه".
مرة، أبلغنا أبو حسن سلامة أن أحد أصدقائه أخبره عن شركة ايطالية تدعى "ترانزتيل" معروضة للبيع، وكانت هذه الشركة متخصصة ببيع ما تحتاجه السفارت لوجستياً، وكان من ضمن زبائنها السفارة الإسرائيلية في روما، وكان مندوبوها يدخلون السفارة من دون عوائق ويقيمون علاقات مع موظفيها. وبناء على هذه المعلومات، قررنا شراء الشركة واختراق السفارة الإسرائيلية عبرها. وبالفعل، كلفت أنا بإتمام الصفقة، فذهبت إلى روما بجواز سفر ليبي، وكنت في ذلك الوقت أحمل ثمانية جوزات سفر. قمت بمفاوضات شراء الشركة، وانتهى دوري مع إتمام الصفقة. أتى بعد ذلك دور الشهيد ابو حسن سلامة، الذي عرفت منه لاحقاً أن الهدف قد تحقق، وأننا نجحنا في اختراق السفارة الاسرائيلية في روما.

عملية حيفا تُطهى في ليبيا، ولكن..
• ما هي قصة محاولة ضرب ميناء حيفا؟
إثر حرب الاستنزاف بين الجيشين المصريّ والاسرائيليّ بعد نكسة العام 1967، أعلن عن مشروع لوقف إطلاق النار عرف باسم "مشروع روجرز"، كان يتضمن بالاضافة الى وقف إطلاق النار، وقف جميع العمليات العسكرية بما فيها التي كانت تقوم بها المقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل انطلاقاً من الأراضي المصرية. فصرنا نفكّر بإسقاط المشروع. في تلك الأثناء، كنت قد تعرّفت إلى السفير المصري في بريطانيا عبر صديق مشترك، وكان هذا السفير من مجموعة "الضبّاط الأحرار" الذين شاركوا في ثورة 1952. من خلاله، تعرّفت إلى ضابطٍ سابق في الجيش البريطاني يدعى ألكسندر هيستوك، الذي أخبرني أن شقيقه قد قتل في تفجير "فندق داود" في القدس على يد الصهاينة في العام 1947. كما أخبرني أيضاً أنه في أثناء الحرب العالمية كان مكلفاً بضرب قافلة من 12 سفينة ألمانية كانت في طريقها إلى ليببا، تحمل الذخائر والأسلحة والتموين إلى قوات رومل. تم إغراق ثمان منها، ما منع رومل من الدخول إلى مصر. وقال إنه على استعداد لتنفيذ عملية مماثلة ضد البحرية الإسرائيلية في ميناء حيفا لحساب "منظمة التحرير الفلسطينية"، وعرض عليّ خطة تتضمن شراء غواصات صغيرة من نوع خاص ليستعملها الغطاسون المتسللون واستئجار باخرة تجارية تجوب المياه الاقليمية بين مصر وإيطاليا وقبرص وفلسطين المحتلة، وترفع علم "بناما". وكانت مهمة هذه الباخرة بعد إجراء التعديلات على قعرها، هي حمل الغطّاسين الذين سيقومون بهذه العملية مع غواصاتهم الصغيرة إلى مكان قريب من ميناء حيفا، حيث ينزلون لضرب السفن العسكرية الإسرائيلية الموجودة في الميناء. وكان ميناء حيفا في ذلك الوقت يعتبر أكبر مركز لتصليح البواخر على شاطئ المتوسط. وعرض علينا هيستوك تأمين المدربين للمجموعة التي ستقوم بالعملية.
ذهب هيستوك إلى فلسطين، وصوّر لنا ميناء حيفا والبوارج العسكرية الراسية فيه. فحملت الصور والتفاصيل المتعلقة بالعملية وذهبت بها الى ياسر عرفات الذي رفض في البداية أن نقوم بالعملية لسببين: الأول، كلفتها العالية التي بلغت حينها مليون دولار، والثاني، عدم رغبته بتوتير علاقته بجمال عبد الناصر. ولكنه، بعد تفكير، عاد وقبل بتنفيذ العملية، مشترطاً عليّ تأمين كلفة تمويل العملية. في ذلك الوقت، كان ابو اياد على علاقة جيدة جدا بوزير الداخلية الليبي عبد المنعم الهوني، وقام بتأمين مقابلة لي معه، تحضيراً لمقابلة الرئيس الليبي معمر القذافي، الذي أعلن استعداده لتمويل العملية. سلّمني "شيك" باسمي بقيمة مليون دولار مسحوب على "البنك العربي" في جنيف، كما أعلن عن استعداه لتأمين مركز على الأراضي الليبية لتدريب العناصر الذين سيقومون بالعملية.
بعد تأمين المبلغ، استأجرت الباخرة من هولندا، واشتريت الأسلحة من ايطاليا. أصبحنا جاهزين للعملية، فطلبت من ياسر عرفات تأمين العناصر التي ستتدرب وتنفذ العملية، لكنه رفض وأجابني: "دبّر حالك". فذهبت الى مسؤول البحرية الفلسطينية في ميناء اللاذقية، ويدعى ابو جابر، ثم رحت وإياه وابو علي بسيسو نجوب المخيمات بحثاً عن العناصر المؤهلة لتنفيذ العملية. استطعنا تأمين 54 شاباً لم أكن مقتنعاً بمعظمهم. وقد أثبت الأحداث صدق توقعاتي لما اتصل بيهيستوك وأخبرني أن المدربين تشاجروا مع أحد المتدربين وقاموا بسجنه، ولكنه استطاع الهروب والذهاب إلى طرابلس الغرب، حيث أخبر مسؤول "حركة فتح" في ليبيا ابو طارق بما حصل معه. فما كان من الأخير إلا أن تصرّف بحماقة وأبلغ الأمن الليبي بوجود جواسيس إنكليز على الأراضي الليبية، وتوجّه إلى القاعدة بهدف اعتقال المدربين. فحارب الإنكليز واستطاعوا انتزاع أسلحة الأمن الليبي، وأخذوا الباخرة، وأبحروا بها إلى مالطا. وبعدما علمت بالموضوع، سافرت فوراً إلى مالطا لإقناع المدربين بالعودة، ولكنهم رفضوا. ما سبب لي بصدمة تلاها عارض صحي نقلت على إثره إلى المستشفى، حيث بقيت ثلاثة أيام غائباً عن الوعي. بعد ذلك، حاول هيستوك إقناعي بأن ينفذ الانكليز وحدهم العملية مقابل مبلغ عشرة آلاف جينيه استرليني لكلّ واحد منهم. ولكن "أبو عمار" رفض وقال لي بغضب شديد: "نحنا ثورة ولا يمكن أن نقبل أن يقوم مرتزقة بعملنا نيابة عنا". وهكذا، توقّف كلّ شيء، ولم نكمل المشروع حتى نهايته.

• لك أكثر من حكاية في تأمين الأسلحة للثورة الفلسطينية، أخبرنا عنها.
هذه قصة طريفة، اسمع. كان تربطتي علاقة ممتازة بالشهيد أبو يوسف النجار الذي جاء إليّ مرة وأخبرني أن مدير مصرف في بيروت كان يعمل في تجارة الأسلحة، استلم من "حركة فتح" مبلغ مليون ليرة لبنانية لقاء تأمين أسلحة مضادة للطيران، عديمة الارتداد، تطلق من على الكتف، من إحدى المافيات الاسبانية. ولكنه لم يف بتعهداته، وطلب مني معالجة الموضوع معه باعتباره صديقاً لي. توجهت إلى مدير المصرف وبرفقتي ابو حسن سلامة، وخاطبته بلهجة مهذبة ولكن حازمة، طالباً إليه تأمين الأسلحة أو إعادة المال إلى "فتح". فطلب مهلة شهر لمعالجة الموضوع مع رجال المافيا الاسبانية الذين نكثوا بوعدهم له. بعد 3 أسابيع، حضر مدير المصرف المذكور إلى مكتبي في بناية "ستراند" في الحمرا، وطلب مني تكليف بعض العمّال بإحضار صندوق حديدي من سيارته. كان الصندوق مصنوعاً من الرصاص، كتب عليه "اشعاعات "ذرية". وعندما سألته عن قصته، أخبرني أن المافيا عثرت عليه بعدما كان على متن طائرة حربية أميركية سقطت في البحر قبالة الشواطئ الاسبانية، فأتته به كضمانة لحين تأمين الأسلحة المطلوبة. أصررت على فتح الصندوق رغم المخاطر التي يمكن أن تنتج من ذلك، وأخذت عيّنة من المواد على سطحه، وذهبت بها إلى صديق يدعى ألكس يعمل في مختبر "الاميركية". فحصها وأكد لي أنها تحتوي على إشعاعات ذرية. فحملتها إلى ياسر عرفات وأخبرته بالقصة كاملة، فبادر على الفور بالاتصال بمسؤول "حركة فتح" في دمشق حينها الأخ ابو عمار سعد، وطلب منه الاتصال بالسفير الصيني، وتأمين موعد لي معه. كان أبو عمار عائد حديثاً من زيارة إلى الصين، وقدم فيها الصينيون للثورة كميات كبيرة من الأسلحة. وجد في موضوع الصندوق فرصة لردّ الجميل، وتقديمه كهدية لهم.
بالفعل، ذهبت لمقابلة السفير الصيني الذي اهتم جداً بالموضوع، واتصل بحكومته التي أرسلت طائرة خاصة الى دمشق نقلت الصندوق الى بكين. وبعد عدة أيام، قال لي أبو عمار غاضباً: "لقد سودت وجهي مع الحكومة الصينية! تبين أن محتويات الصندوق هي نوع الاشعاعات الذرية التي تستخدم لأغراض علمية وصحية، وليست قنبلة نووية".

3 محاولات اغتيال
• تعرضت لثلاث محاولات اغتيال. أخبرنا عنها.
أتت المحاولة الأولى لاغتيالي بواسطة ظرفٍ مفخّخ وصل إلى مقرّ عملي في بناية ستراند في الحمرا. الكتابة الظاهرة عليه من الخارج كانت "بنك سوريا ولبنان". لم يكن لي أي تعامل مالي معه والعنوان على الظرف مكتوب بلغة عربية ركيكة. اتصلت بالمصرف وتأكدت أنه لم يُرسل ظرفا باسمي. وكان أبو اياد قد طلب مني قبلها الانتباه من الطرود المفخخة إذ انفجر بعضها بعدد من المسؤولين الفلسطينيين، وأدى إلى استشهادهم. اتصلت بقائد مخفر حبيش النقيب سمير شعراني وأخبرته بالأمر وأبلغني أنه سيحضر على الفور برفقة خبير متفجرات، وطلب مني عدم لمس الظرف. طال انتظاري ولم يحضر سمير شعراني فاتصلت بأبو إياد الذي أبلغني بأن طرداً مفخخاً انفجر قبل دقائق بأنيس الصايغ وأصابه بجراح بليغة، وآخر وصل إلى ابو حسن سلامة ولكنه كشفه وذهب به الى الملعب البلدي لتفجيره. وأرسل أبو إياد شابين أخذا الظرف وتوجهنا به إلى الملعب البلدي لتفجيره، فوجدت ابو حسن سلامة الذي طلب من أحد الشبان أن يلقي بالظرف في برميل مشتعل، فانفجر محدثاً دويا هائلاً.
في المحاولة الثانية، وضعوا متفجرة على مدخل منزل ذوي في العام 1971، وكنت في ذلك العام قد تزوجت من غزوة حلاوي ورزقت منها في ما بعد بثلاثة أبناء هم عامر وحسين وريما، وما عدت أقيم في منزل والدي. في مساء ذلك اليوم، كنت مدعواً مع زوجتي لقضاء السهرة في منزل صديقي نزار العظم القريب من منزل ذوي. فاقترحت على شقيقي نبيل أن يأتي معنا، لكنه اعتذر بحجة أنه يود النوم باكراً. وكان نبيل وحده في المنزل فوالدتي كانت قد ذهبت منذ الصباح لزيارة والدتها في صيدا وقضاء يومين عندها، أما والدي فقد كان مسافراً في مصر. سمعنا دوي انفجار كبير. كان أول من فكرت به شقيقي نبيل، فهرعت إلى المنزل وأخذت أبحث عنه بين الركام لكنه كان قد خرج قبل الانفجار بقليل.
أما ثالث المحاولات فتمت في العام 1973. كنت في زيارة للشهيد كمال عدوان في منزله في فردان، وغادرت بيته قبل ربع ساعة من استشهاده مع أبو يوسف النجار وكمال ناصر على يد الإسرائيليين. وبعد حوالي النصف الساعة على وصولي إلى المنزل، اتصل بي شخص وأخبرني باستشهاد القادة الثلاثة وطلب مني مغادرة المنزل لأن هناك احتمالا لأن أكون الشخص الرابع المستهدف.

إعدامٌ وتدريب "الكتائب" في الأردن!
• لماذا حُكمت بالإعدام في الأردن؟
إحدى قريباتي من عائلة الدجاني، وتدعى سلوى الدجاني، كانت تسكن في الأردن، وكانت من سيدات المجتمع الأردني. مرة، تلقيت منها دعوة على العشاء في منزلها وزوجها صبحي الدجاني في عمان، وكان من بين المدعوين عدد سفراء الدول الأجنبية، كما كان حاضراً أيضاً شقيقها رجائي الدجاني الذي كان مديراً للمخابرات الأردنية. وفي الحفل، تقدم السفير الأميركي من رجائي، وسأله: "ما هي آخر أخبار أصحابك في المقاومة الفلسطينة؟". فأجابه رجائي: "هودي ولاد ومش عارفين شو عم يعملوا". تملكني غضب شديد وصرخت بصوت عالٍ بوجه رجائي: "نحنا ولاد وله؟ مش عيب تحكي هيك؟". فوجم الجميع وتوتر الجو وغادرت بعدها الحفل.
بعد مضي عدّة سنوات، تعرّض رجائي لعملية خطف في بيروت. بعد إطلاق سراحه وعودته إلى الأردن، اتهمني أمام السلطات الأردنية بخطفه، ولم تكن لي أي علاقة بالموضوع بتاتاً. وبعد فترة من الزمن، صدر بحقي حكم بالإعدام في الأردن، فقد سبقتها حادثة اخرى عجلت في صدور الحكم. أحد أقربائي في الأردن سعيد الدجاني كان وزيراً سابقاً وكان يزور بيروت للاجتماع مع أبو اياد في منزلي. وفي مرة من المرات، طرح سعيد الدجاني على ابو اياد فكرة القيام بانقلاب ضد الملك حسين، فوافق الأخير وبدأ بالإعداد للعملية. ولكن المخابرات الاردنية استطاعت كشف العملية، واعتقلت سعيد الدجاني، وربطت بين زياراته إلى منزلي والإعداد لمحاولة الانقلاب. في الحقيقة، لم تكن لي علاقة بالعملية، ولم أكن مطلعاً على ما كان يدور بين سعيد وابو اياد.

• أنت كنت وراء ذهاب مجموعة من "حزب الكتائب" للتدرّب في معسكرات المقاومة في أغوار الأردن. كيف حدث ذلك؟
حدث ذلك في فترة السبعينيات. فبعد لقاءات عدة بيني وبين النائب موريس الجميل، تولّدت لدي قناعة بأن موريس الجميل هو عدو حقيقي لإسرائيل. عرضت عليه تدريب مجموعات من "حزب الكتائب" في معسكراتنا في أغوار الأردن، لتكون إلى جانبنا في قتال اسرائيل. رحّب موريس الجميل بالفكرة، ولكن ياسر عرفات عارضها. فكان أن ذهبت إلى خليل الوزير (ابو جهاد) وعرضت عليه المشروع فاقتنع به، وتم استقبال 60 عنصراً من "الكتائب" في معسكر للمقاومة الفلسطينية. ولكن سياسة الانفتاح لم تدم.

• أنت أيضاً كتبت الشعر، وقد اكتشفت موهبتك الشعرية في عمر متقدّم..
اكتشفت موهبتي الشعرية في أعقاب أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة، عندما قرأت عن جائزة مخصصة لأفضل قصيدة تصف الحدث. لا أعرف ما الذي دفعني إلى كتابة قصيدة حول هذا الموضوع، وكانت أول محاولة شعرية لي في حياتي. بعد حوالي أسبوعين، وصلتني رسالة تقول انه تم اختياري من بين الفائرين في المسابقة، وأنني حصلت على مبلغ عشرة آلاف دولار من اللجنة المنظمة للمهرجان، وانه ينبغي علي الذهاب إلى الولايات المتحدة لتسلّم المبلغ مع الجائرة التقديرية. ولكن ذلك كان صعباً عليّ كوني مدرجاً على قائمة الممنوعين من الدخول الى الولايات المتحدة. تابعت كتابة الشعر، وقد أصبح في جعبتي حتى اليوم قصائد مكتوبة باللغة الانكليزية، بالاضافة الى 4 جوائز تقديرية. وأعتبر أن أفضل قصائدي على الاطلاق هي تلك التي كتبتها عن المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي، وتلك التي أصف فيها استشهاد أنطون سعادة.