| 

بعد الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزّة والضفّة الغربيّة في العام 1967، بدأت إسرائيل بإصدار بطاقات هويّة للسكّان الفلسطينيّين في المناطق المُحتلّة، من قبل إدارة كانت تُعرف بـ "الإدارة المدنيّة ليهودا والسامرة"، أي الضفّة وغزّة. وكانت تلك البطاقات التعريفيّة تماثل بشكلٍ كبير قالب الهويّة الصادرة للإسرائيليّين، فيما يكمن جوهر الاختلاف في لون محفظة البطاقة. كان لون محفظة سكّان الضفّة الغربيّة برتقاليّاً، بينما أتى أحمر لسكّان قطاع غزّة، مع نقش شعار "قوات الدفاع الإسرائيلي" على الغلاف الخارجي، فيما لون المحفظة البلاستيكيّة لبطاقة الهوية للمواطنين الإسرائيليين والمقيمين الدائمين هو الأزرق. أمّا الفلسطينيّون من سكّان الضفّة الغربيّة الممنوعون من دخول إسرائيل فخُصّصوا بغلافٍ أخضر بدلاً من البرتقاليّ وقت إصدار هويّاتهم لتمييزهم.
مع قيام السلطة الفلسطينيّة في العام 1994، بدأت الحكومة تُصدر للسكان الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة بطاقات هويّة بناءً على الموافقة الإسرائيليّة. وهي مُطابقة للبطاقات التي كانت تصدرها الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة، باستثناء تبديل الكتابة لتصبح بالعربيّة، وتوحيد لون المحفظة بالأخضر، واستبدال النقش الخارجي الإسرائيلي بنقش "السلطة الفلسطينيّة"، مع احتفاظ إسرائيل بحق التحكّم بسجلات السكان لديها، وتحديد أرقام الهويّات التي تصدرها السلطة.

النازحون إلى غزّة:
قصّة الهويّة التعريفيّة الزرقاء
ترفض السلطات الإسرائيليّة إصدار هويّات للفلسطينيّين الذين نزحوا من فلسطين عام 1948 إلى دول الجوار، أو الذين خرجوا من فلسطين قبل العام 1967 عموماً، بحجّة أنهم غير مُقيّدين في السجلات المدنيّة التي تحتفظ بها إسرائيل للمواطنين الفلسطينيين المُقيمين، سواء في الضفّة الغربيّة أو قطاع غزّة. وبرزت قضيّة هؤلاء النازحين بعد عودة المئات منهم إلى قطاع غزّة وقت نسف الفلسطينيّون الجدار الفاصل بين قطاع غزّة ومصر في العام 2008، بفعل اشتداد الحصار المفروض على قطاع غزّة، وحاجة السكّان للتزوّد بحاجيّاتهم الأساسيّة.
طريقة الدخول التي اختارها هؤلاء النازحين إلى غزّة تعتبر غير شرعيّة وفق اللوائح والقوانين، لأنهم لم يدخلوا من خلال المعابر الرسميّة للقطاع، لكنهم دخلوا مصر بطريقة رسميّة، ومن ثم دخلوا إلى غزّة لما نُسف فيه الجدار الحدودي. وسمح آنذاك الرئيس المصري السابق محمد حسني مُبارك للغزّيين بالتنقّل ما بين القطاع ومصر، تحديداً مدينة العريش، وشراء حاجيّاتهم الضروريّة منها، من دون إبراز بطاقات هويّة أو جوازات سفر. ما شجّع الكثير من النازحين الفلسطينيين في الدول العربيّة ممّن كانوا يرغبون بالعودة على الدخول إلى قطاع غزّة، إذ كانوا ممنوعين قبلها لعدم امتلاكهم بطاقات هويّة تخوّلهم عبور الحاجز الإسرائيليّ.
لاحقاً، شجّعت ظاهرة الأنفاق الحدوديّة التي حفرها الغزيّون بين مدينة رفح الفلسطينيّة ونظيرتها المصريّة الكثير من الفلسطينيين في الدول العربيّة التي شهدت اضطرابات أمنيّة، واضطروا لمغادرتها، على الانتقال إلى قطاع غزّة عن طريق الأنفاق، بعدما يدخلون مصر بطريقة شرعيّة. عدد كبير منهم دخل غزة عن طريق الأنفاق، وغادرها بالطريقة ذاتها، في ظلّ تساهل الجهات الأمنيّة في غزّة مع هؤلاء النازحين نظراً لعدم امتلاكهم بطاقات هويّة.
لكنّ ازدياد أعداد النازحين في قطاع غزة من جهة، وإغلاق الأنفاق الحدوديّة من جهة أخرى، دفعا بالسلطة الفلسطينيّة إلى العمل على إصدار "بطاقات تعريفيّة" لهؤلاء النازحين، بعدما رفضت إسرائيل إصدار بطاقات هويّات لهم. فأتت تشبه الهويّات التي يحملها الفلسطينيّون المُقيمون إلى حدّ كبير، عدا عن وجود عبارة "بطاقة تعريفيّة" أعلى البطاقة، بالإضافة إلى أن لون محفظة البطاقة أزرق، وليس أخضر كالهويّات التي تصدر للفلسطينيين المُقيمين بعد موافقة السلطات الإسرائيليّة.
لتمييز هويّات النازحين عن غيرهم، ارتأت الجهات الحكوميّة أن يبدأ رقم هويّة النازح بالرقم 7، خاصة أنّ الهويّات التي تصدر من الجانب الإسرائيلي تبدأ بالأرقام (9،8،4)، لذا تم التوافق على أن يبدأ الرقم الوطني لهويّة النازح بـ 7، سواء دخل للأراضي الفلسطينيّة عن طريق تصاريح زيارة رسميّة، أو عن طريق الحدود، أو عن طريق التهريب. المهم هو أن يكون الشخص موجوداً في قطاع غزّة.
بحسب إفادة أحد المسؤولين في الشؤون المدنيّة الفلسطينيّة لـ "السفير"، فإنّ الارتباط المدني الفلسطيني ما زال يفاوض السلطات الإسرائيليّة على الاعتراف بهويّات النازحين الموجودين في قطاع غزّة، وضمها للسجل المدني الموجود لدى الجانب الإسرائيلي، واستبدال البطاقات التعريفيّة الزرقاء التي يحملونها ببطاقات هويّة خضراء، كباقي سكّان القطاع. وهناك مطلب من إسرائيل لجهة معرفة العدد الحقيقي للنازحين الموجودين في قطاع غزّة والمعلومات الكاملة عنهم، حتّى يتم الاعتراف بهويّاتهم. إسرائيل تقول إن أرقام وتسلسل الهويّات الفلسطينيّة مرتبط بشكل أساسي بالهيئة المدنيّة لديها.

عجزٌ مضاعف عن الحركة
على الرغم من إصدار الحكومة الفلسطينيّة هذه البطاقات التعريفيّة للنازحين، وكذلك للنساء الأجنبيّات المتزوجات من فلسطينيين واللاتي يُقمنّ مع أزواجهنّ في غزّة، إلّا أنّ أصحاب الهويّة الزرقاء في قطاع غزّة يعانون الأمرّين في ظل عدم الاعتراف بهم من قبل دولة الاحتلال والجهات الرسمية. هم لا يستطيعون السفر لعدم امتلاكهم جوازات سفر فلسطينيّة، ولا يستطيع أي فلسطيني لا يحمل بطاقة شخصيّة أن يُصدر جواز سفر. حتّى أنّ غالبيّة هؤلاء النازحين امتلكوا إقامات سارية المفعول في بعض البلدان العربيّة التي قدموا منها، لكنهم لم يتمكّنوا من السفر إليها للأسباب ذاتها.
"الجميع يتنكّر لنا، ولا نحظى بأي حقوق كباقي المواطنين في غزّة"، يقول مصطفى أبو سالم، أحد الفلسطينيين الذين عادوا إلى قطاع غزّة برفقة عائلاتهم عن طريق التهريب من الأنفاق الحدوديّة التي كانت قائمة بين قطاع غزّة ومصر، وحُرموا من الحصول على بطاقة الهوية الفلسطينية ذات اللون الأخضر، ليحصلوا بدلاً منها على بطاقة تعريف زرقاء اللون لا تحظى بالصفة الرسمية. ويلفت إلى أنّ البطاقة التعريفيّة التي يحملها لا تصلح للاستخدام إلّا في حدود قطاع غزّة، وعلى نطاق ضيّق جداً.
أبو سالم البالغ من العمرِ 76 عاماً، نزح مع والده في العام 1949 من فلسطين إلى الجزائر، وعاش في الأخيرة مُعظم سنوات حياته. ولأنّه لا يحمل بطاقة هويّة فلسطينيّة، أو جواز سفر، لم يتمكّن من العودة إلى قطاع غزّة للزيارة طوال فترة إقامته في الجزائر، حتّى وقت قرّر الزواج من فلسطينيّة في قطاع غزّة. لم يرها أو تره إلا بعد سفرها إلى الجزائر، عاش وعمل هناك، حتّى قرر في العام 2009 أن يصطحب زوجته ويعود إلى غزّة عن طريق الأنفاق الحدوديّة، فيما دخلت زوجته القطاع بطريقة رسميّة من خلال معبر رفح الحدودي.
على وجنتيه، حفرت الغربة تضاريسها بأريحيّة. وعند عودته إلى القطاع، لم يجد الحياة التي توقّعها. يقول لـ "السفير" إنّ مُعاناته بسبب عدم امتلاكه بطاقة هويّة رسميّة تتفاقم يوماً بعد الآخر، خاصة وقت احتياجه مُعاملة رسميّة في إحدى الدوائر الحكوميّة. ويذكر أنّ بطاقة التعريف التي يحملها وضعته في دائرة تجاهل لكافة حقوقه كمواطن فلسطيني، سواء في الحصول على المساعدات التي تقدّمها "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين - الأونروا"، أو الحصول على تأمين صحّي. علاوة على ذلك، فقد تضرر بيته بشكل بالغ إبان العدوان على قطاع غزّة صيف العام 2014، ولم يحصل على أي تعويضات أو مواد بناء أسوة بباقي المتضررين كونه لا يحمل بطاقة شخصيّة تعترف بها إسرائيل!
أما شيماء حسين (38 عاماً) فهي ابنة لزوجين فلسطينيين غادرا قطاع غزّة في العام 1963 إلى مصر، واستقرا فيها، وحصلا على الإقامة فيها. لكنهما بقيا في عداد النازحين لأنهما لم يُصدرا بطاقات هويّة بعد 1967 من الجانب الإسرائيلي. شيماء تزوّجت من فلسطيني من سكّان قطاع غزّة عام 2006، وقد استطاع زيارتها في مصر أكثر من مرّة. لكنّ حياتهما لم تكن مُستقرة، كون محل إقامة الزوج الرئيسي هو قطاع غزّة، وكذلك مكان عمله. لما هُدم الجدار الفاصل بين قطاع غزّة ومصر مطلع كانون الثاني /يناير 2008، لم تتردد بالانتقال إلى قطاع غزّة عبر الحدود للاستقرار مع زوجها.
بعد انتقالها إلى القطاع بأربع سنوات تقريباً، لم تشعر شيماء بمرارة أن تكون مواطنة بلا هويّة. والمُفارقة العجيبة تظهر هنا، إذ كان زوجها يؤمّن لها طريقاً عبر الأنفاق الحدوديّة كل ستّة أشهر لتذهب لزيارة عائلتها في القاهرة. وبقيت الحال على ذلك حتّى أواخر العام 2012، ومع تلاشي ظاهرة الأنفاق تدريجيّاً. لم تتمكّن من السفر إلى مصر مرة أخرى، كونها لا تحمل بطاقة شخصيّة.
تقول شيماء لـ "السفير" إنها باتت تشعر وكأنها في سجنٍ كبير، لا تستطيع الانسلال من خلاله لزيارة عائلتها التي تشتاق إليها، ولم يعد أمامها سوى رؤية والديها وأخوتها عن طريق الانترنت: "بطاقة التعريف التي أصدرتها السلطة لنا لا تُسمن ولا تُغني عن جوع، حتّى أنّي لا أذكر أنّي احتجتها مرّة في مُعاملة ما. أصبحت حبيسة المنزل، في انتظار حلّ مُشكلة النازحين في قطاع غزّة، لنتمكّن من العمل والسفر والحصول على حقوقنا أسوة بباقي المواطنين".

الأجانب يمتلكون مخرجاً:
المطلب هو جواز فلسطينيّ
لعلّ حال النساء الأجنبيّات المتزوجات من فلسطينيين مُقيمين في قطاع غزّة أوفر حظّاً من الفلسطينيين النازحين أنفسهم. نتاليا فيكتور، وهي تحمل الجنسيّة الروسيّة، مُتزوجة من طبيب فلسطيني يُقيم في قطاع غزّة، وتحمل بطاقة تعريفيّة زرقاء كالتي يحملها النازحون الفلسطينيّون. لكنها حظيت في وقت سابق على وظيفة حكوميّة من دون تعقيدات الهوية أو ازدواجيّة المواطنة التي يُعاني منها كل النازحين في قطاع غزّة.
تقول لـ "السفير" إنها تشعر وكأنها مواطنة فلسطينيّة، وهي سعيدة ببطاقة الهويّة التعريفيّة التي تحملها، وكذلك بوظيفتها كممرضة في قسم المواليد في مستشفى غزّة الأوروبي. وهي لا تُعاني من أي صعوبات في السفر والتنقّل خارج حدود قطاع غزّة، خاصة أنّها تستطيع السفر من خلال معبر "بيت حانون/ إيرز" في شمال القطاع في أي وقت تريد السفر فيه، باستخدام جواز سفرها الروسي.
مجموعة من أصحاب البطاقات الزرقاء في قطاع غزّة كانوا قد شكّلوا في وقت سابق تجمعاً غير رسميّ للضغط على الجهات المسؤولة عن حلّ مشاكلهم، تحت اسم "هيئة التنسيق المشتركة للاجئين من الدول العربية". ويقول ممثلهم عاطف العماوي لـ "السفير" إن أبرز المشاكل التي يعانيها حملة بطاقات التعريف الزرقاء ترتبط بلمّ الشمل، والعمل، وعدم الحرية في التنقل والحركة، والعلاج بالخارج، والسفر إلى الخارج.
يُضيف أنّ نحو 30-40 أسرة منهم تعرّضت منازلها للتدمير خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة، ولم تتمكن من الحصول على مواد بناء بسبب حمل افرادها البطاقة الزرقاء، وعدم وجود أسماء لهم في كشوف وكالة الغوث ولا وزارة الأشغال، مضيفاً أن الهيئة بصدد إعداد ملف للتقدم بشكوى قانونية لدى القضاء.
بحسب بعض الإحصائيّات التي نشرتها حكومة "حماس" في غزّة، أصدرت الإدارة العامة للأحوال المدنيّة في القطاع قُرابة 23 ألف بطاقة تعريفيّة زرقاء للمواطنين الفلسطينيين غير الحاملين للبطاقات الشخصية الخضراء، حتّى أواخر عام 2013. في المقابل، يذكر العماوي أنّ عدد الأسر التي تحمل بطاقات تعريف زرقاء يبلغ حوالي ألف أسرة في قطاع غزّة، مؤكداً أن أبرز المشاكل الأخرى التي يعانونها هي عدم الحصول على جواز السفر الفلسطيني.