| 

تعود الجوازات الأجنبية لتكون حديث القنوات والجرائد الإخبارية في إسرائيل بين الفينة والأخرى، بعدما تشكّلت حولها في السنوات الأخيرة سوقٌ تجاريّة تلبّي رغبة المزيد من الإسرائيليين بالحصول على جواز سفرٍ أجنبيّ، لا سيما من الدول الغربية التي تمنح اليهود المتحدّرين منها حقّ الحصول على جنسيتها من دون شرط العيش فيها.
وفي كلّ مرة تفتح فيها دولة من هذا النوع الأبواب أمام اليهود للحصول على جواز سفر إضافيّ، يتهافت الإسرائيليون على تقديم الطلبات والاستعانة بمحامين مختصين وصرف آلاف الشواقل في سبيل إنجاز ذلك. هكذا كانت الحال مؤخراً عندما انتظر إسرائيليون كثر مصادقة البرلمان الإسباني على القانون الذي يجيز لسلالة اليهود الذين طردوا من إسبانيا بموجب "مرسوم الحمراء" الحصول على جواز سفر إسبانيّ بعد إثبات أصولهم هناك. وهكذا أيضاً كانت الحال في سنوات الألفين، عندما انضمت مجموعة من الدول الشرق - أوروبية، كبولندا وهنغاريا ورومانيا وبلغاريا، إلى الاتحاد الأوروبيّ، وسرعان ما وقعت سفاراتها في إسرائيل تحت وابلٍ من طلبات الإسرائيليين الذين يتوقون للحصول على الجواز الأوروبي المرموق. وينضم الإسرائيليون ذوو الأصول الإسبانية، المدعوين "سفراديم" نسبةً إلى "سفراد" أي إسبانيا بالعبرية، إلى ما لا يقل عن مليون إسرائيليّ /ة يحق لهم /نّ الحصول على جواز سفر أوروبيّ من دول مركز أوروبا وشرقها التي أتوا منها هم أو أسلافهم.

"بوليصة تأمين" فقط؟
على الرغم من إقبال الإسرائيليين على استصدار الجوازات الأجنبية، إلا ان الحديث حولها عادةً ما يصوّرها كـ "بوليصة تأمين" لا تعبّر بالضرورة عن رغبةٍ بالهجرة، إنما تأتي لضمان إمكانية الرحيل، إذا "وقعت الواقعة"(!). ويظهر استطلاع أجرته صحيفة "هآرتس" في العام 2012 أن نسبة 37 في المئة من الإسرائيليين تصرّح بأنها ستدرس إمكانية الانتقال إلى دولة أخرى في المستقبل، بيد أن نسبة 2 في المئة من المستطلعين فقط كانت على يقين من أنها ستهاجر، وبأن المسألة هي مسألة وقت لا أكثر. وقد علّق مدير معهد الاستطلاعات في حينه على هذه الظاهرة واصفاً إياها بـ"الفنتازيا"، معلّلاً: "نحن نريد أن نفكر بأن لدينا طريقاً للخروج من هنا، لكن 2% منا فقط ينوون القيام والرحيل (حقاً)".
وبينما يزداد الطلب على الجوازات كلما تدهورت الاوضاع الأمنية في إسرائيل، كالحال في الأشهر الأخيرة أو خلال حرب لبنان الثانية ومن قبلها الانتفاضة الثانية، يوضح الباحث الإسرائيلي يوسي هارباز أن هذا التوجه ينبع من سيناريوهات "نهاية العالم"، وهو يعكس قلقاً وجوديّاً لدى الإسرائيليين وتخوّفاً من هلاك الدولة. وفي ظل غياب معطيات واضحة عن كمّ الإسرائيليين الذي يحملون جوازاً إضافياً، يظهر البحث الذي أعده هارباز أن الطلب على الجوازات الأوروبية ارتفع بين الأعوام 2000 ـ 2007 بنسبة 450 في المئة بالمقارنة مع سنوات 1992-1997. لكن هارباز يعود ويوضح أنه حتى بعدما أصبح هناك عشرات الآلاف من حاملي الجوازات الأوروبية، أوروبا لم تتحوّل هدفاً لهجرة الإسرائيليين، وقلائل هم الذين انتقلوا للعيش هناك. وينفي هارباز وجود ارتباط بين الطلب على الجوازات والهجرة من إسرائيل، مثله بذلك مثل غالبية باحثي الهجرة وخبراء الديموغرافيا الإسرائيليين الذين يؤكدون منذ سنوات أن إسرائيل لا تعاني من مشكلة هجرة حقاً وأن وضعها، إذا ما قورنت بدول غربيّة متطورة، جيد، لا بل هو أفضل من وضع سويسرا حتى (!).

إحصائيات إشكالية
إلا ان تداول الموضوع باستمرار وحضوره الملحوظ في النقاش العام خلال السنوات الأخيرة، يشيان بأن الهجرة من إسرائيل لم تعد ظاهرة هامشية بالإمكان تجاهلها. لكن الباحثين الإسرائيليين، بطبيعة الحال، يعتمدون على المعطيات الرسمية، لا سيما تلك الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية، حول هجرة الإسرائيليين من البلاد، رغم اللغط والتباين الكبير بين هذه المعطيات بما لا يؤهلها لأن تكون مصدراً موثوقاً لأيّ بحث. ويؤكد "مركز البحث والمعلومات" في الكنيست على هذه الحقيقة عندما يشير إلى عدم وجود معطى موثق حول حجم الإسرائيليين الذين يعيشون في الخارج، وإلى اعتماد المعلومات القائمة على تقديراتٍ تمّ تشكيلها بناءً على تعريفات وطرق مختلفة لجمع البيانات.
وتتراوح هذه التقديرات الرسمية من سنة 2011 بين 226.980 مهاجرا بحسب وزارة الداخلية الإسرائيلية و750.000 مهاجر بحسب وزارة الهجرة والاستيعاب، بينما تقدّر "دائرة الإحصاء المركزية" و "مؤسسة التأمين الوطني" حجم هؤلاء بأكثر من نصف مليون. ومع أن معدّل هذه التقديرات ليس ببسيط نسبياً لدولةٍ صغيرة مثل إسرائيل، إلا أنه يمكننا الجزم بأن الأرقام في الحقيقة هي أكبر من ذلك، لا سيما أن الكثير من الإسرائيليين الذين ينتقلون للعيش في الخارج لا يعرّفون عن أنفسهم كمهاجرين، ويواصلون زيارة البلاد مرة وخمس وعشر مرات بالسنة، خاصة أن جزءاً من عائلاتهم يبقى هنا. وقد يكون المعطى الذي كشف عنه في العام 2002، خلال مناقشة لجنة الدستور البرلمانية لاقتراح قانون يجيز للإسرائيليين الذين يمكثون في الخارج المشاركة بالانتخابات، هو الأقرب إلى الحقيقة، إذ يبيّن أن هناك ما يقارب المليون إسرائيلي في الخارج. ويتوافق ذلك مع معطى آخر من العام 2007 اعتمد على بيانات وزارة الخارجية الإسرائيلية وأشار إلى وجود ما يقارب 700 ألف إسرائيلي في الولايات المتحدة وحدها، وهي تعتبر القبلة الأولى لهجرة الإسرائيليين. ويكتب أيال نيف صاحب مدونة "حقائق من أرض إسرائيل" الذي توصل هو الآخر إلى تقدير مقارب، بأن هناك حوالي المليون إسرائيلي في الخارج، شارحاً في هذا السياق: "دائرة الإحصاء المركزية اعترفت بنفسها بأن الارقام التي تستخدمها لعدّ المواطنين لا تعكس كمّ المواطنين الذين يعيشون في الدولة عملياً. في العام 2009، ادعت الدائرة أنها لاحتساب نسبة التصويت في الانتخابات تحتاج إلى الاعتماد على عدد المصوّتين الذين يعيشون في البلاد، واختزال هؤلاء الذين يعيشون بالخارج. وقالت إن هناك فارقاً نسبته 11 في المئة بين أصحاب حق الاقتراع بالمجمل وأصحاب حق الاقتراع الذين يعيشون في البلاد. إذا كانت هذه هي الحال، فعلينا أن نختزل هؤلاء ليس فقط باحتساب نسبة التصويت عندما يطيب ذلك لإسرائيل لتُظهر أننا نشارك سياسياً، إنما ايضاً في كلّ الحسابات الأخرى، لا سيما باحتساب عدد اليهود الذين يعيشون في البلاد عملياً. إلا أنهم يختزلون المهاجرين عندما يحلو لهم ذلك، ولمّا يسبب ذلك لهم الحرج فهم لا يأخذونهم بعين الاعتبار. يمكننا الافتراض أن هناك فارقاً نسبته 11 في المئة بين عدد اليهود الذي يظهر في سجلات دائرة الإحصاء المركزية وعدد اليهود الذين يعيشون هنا فعلياً. ورغم الادعاء المستعلي الذي يقول بأن العرب يشوّهون الارقام ونحن لا، ورغم اللغة الحذرة التي تتخذها دائرة الاحصاء المركزية، يتضح أن اسرائيل أيضاً تتلاعب بالأرقام لأهداف البروباغندا".

من يغادر إسرائيل؟ وإلى أين؟
بالعودة إلى الجوازات الأوروبية، يأتي تسليط الأضواء على الإسرائيليين "المحظوظين" بأصولهم الأوروبية وبإمكانية الحصول على "بوليصة تأمين" ليصرف الأنظار عن الأعداد الكبيرة من الإسرائيليين التي تختار نقل مركز حياتها، ليس إلى أوروبا، بل إلى الولايات المتحدة وكندا واستراليا وبريطانيا، والتي تعتبر أهدافاً مطلوبة وجذابة أكثر، خاصة أن عمليات الاستيعاب فيها أسهل، وإنها تعتمد اللغة الإنكليزية. كذلك هو الأمر بخصوص قصص الهجرة التي تنجح بقطف عناوين جذابة مثل "حراك الميلكي"، الذي أصبح بمثابة ماركة ضمن الخطاب العام تصوّر الإسرائيليين المهاجرين على أنهم شبابٌ في مقتبل العمر يهربون من غلاء المعيشة وتكاليف السكن، بينما الهجرة في الواقع لم تعد حكراً على الشباب منذ عقد أو أكثر. وتكفي الإشارة هنا إلى وجود شوارع كاملة في تورنتو ملأى باليهود الروس - الإسرائيليين سابقاً، والتجمعات الإسرائيلية المستقرة في السيليكون فالي، والجرائد الصادرة باللغة العبرية في لوس أنجلس، والمطاعم التي تقدّم لائحة طعامها باللغة العبريّة. كما لم يعد بالإمكان تجاهل انتشار مواقع الإنترنت المخصّصة للإسرائيليين الموجودين بالخارج أينما كانوا، وظهور مكاتب تعنى بتقديم الخدمات للإسرائيليين الجدد الذين ينضمّون إلى التجمعات الكبرى.
وتروي عميت نيفو من شركة "Get it Done NY" التي تعنى بمساعدة الإسرائيليين الذين ينتقلون إلى نيويورك على التأقلم وإيجاد شقة ومدرسة وإلخ، عن التغيير الذي طرأ مع الوقت على هوية الوافدين: "بالماضي كان هؤلاء بجيل 18-30 ولم يكن لديهم الكثير، فقدموا إلى نيويورك ليجربوا حظهم. اليوم، هناك عائلات أكثر. حتى أن بعض العائلات ينتقل بعدما باشر أبناؤها الخدمة العسكرية". وتضيف نيفو: "هؤلاء أناس يشعرون بأنهم استنفذوا امكانياتهم في البلاد وبأنهم يستطيعون الحصول هنا على مدخولٍ أفضل، كما أن بعضهم ينتقلون لأنهم يستطيعون التطور أكاديمياً بشكلٍ ليس ممكنناً في البلاد".
ورغم أن "هروب الأدمغة" إلى الولايات المتحدة لا يقتصر على إسرائيل، إلا أن عدد الأكاديميين الإسرائيليين في الجامعات الأميركية لا ثاني له! ففي مقابل كلّ 100 محاضر في إسرائيل، هناك 25 محاضراً إسرائيلياً في الولايات المتحدة. والأعداد تبدو أكبر في الجامعات المرموقة كـ "ييل" و "ستانفورد" و "هارفرد". وبينما يستقر المزيد من هؤلاء في الولايات المتحدة، خلافاً لما كانت الحال عليه في الماضي، تشير المعطيات إلى أن إسرائيل وإيطاليا هما الدولتان المتطورتان الوحيدتان اللتان يفوق فيهما عددُ المتعلمين المغادرين عددَ المتعلمين الوافدين. وهو نمط الهجرة الذي عادةً ما يميّز الدول الفقيرة.

أشكنازية، ولا يختصرها الاقتصاد
أمام ارتفاع كمّ المحاضرين والأطباء والمهندسين والعلماء الذين يختارون العيش خارج إسرائيل، بالإمكان القول بأن المهاجرين الإسرائيليين الجدد هم عامّةً من أبناء الطبقة الوسطى، وبأن البروفايل الشائع عنهم هو لأشخاصٍ متعلمين ومتمكّنين اجتماعياً واقتصادياً. وبالمقارنة مع موجة الهجرة التي شهدتها إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي والتي كانت بمعظمها "شرقية"، أي ليهود من أصولٍ عربية وصلوا إلى الولايات المتحدة ليعملوا كسائقي تاكسي او ليتاجروا بالأدوات الكهربائية، فإن الهجرة في العقدين الأخيرين هي أشكنازية بوضوح، ولا تحرّكها الدوافع الاقتصادية فحسب، رغم شيوع هذا الادعاء بين الباحثين والمتحدثين الإسرائيليين بشكل كبير.
ويكتب الباحث الإسرائيلي ران بورات في هذا السياق لموقع الإسرائيليين بأستراليا "ausraelim": "بين الباحثين، يدور نقاش حول دوافع الهجرة من البلاد، حيث يضع باحث الديموغرافيا الإسرائيلي الهام سرجيو ديلا-برجولا مركز الثقل على المسألة الاقتصادية، بينما يؤكد اختصاصي العلوم السياسية ايان لوستيك على ازدياد عدد المهاجرين ومعدل الهجرة في أوقات عدم الاستقرار الأمنيّ في إسرائيل. باعتقادي الشخصي، لا يمكن الفصل بين الاثنين. ومما لا شك فيه (على الاقل في ما يتعلق بالإسرائيليين في أستراليا، وأنا أحدهم) أن الحرب أو القتال أو فترات الإرهاب تؤثر على الاقتصاد، وتترجم خلال وقت قصير بارتفاع عدد المهاجرين من إسرائيل". ويسترسل: "أقل ما يمكن أن يقال في التناول الحالي لموضوع الهجرة وتعليق الأسباب على غلاء المعيشة هو أنه سطحي ومخيب للآمال. الإسرائيليون لا يغادرون البلاد فقط بسبب الصعوبات الاقتصادية، حتى أن المعطيات تثبت أن ذلك ليس بصحيح. فلم يعد من السهل شراء بيت في الدول التي يميل الإسرائيليون إلى الهجرة نحوها، كما أن غلاء المعيشة في العالم الغربي ارتفع ارتفاعا ملحوظا خلال العقد الأخير عامةً. لا أعني أن الجانب الاقتصادي ليس هاماً للهجرة، فمن الواضح أنه هام. ولكن، من جهة المهاجرين الذين يأتون للعيش والاستقرار في دولة أخرى، وهؤلاء هم الأغلبية منذ عقد على الأقل، فالواقع مركّب أكثر من ذلك. بحسب رسالة الدكتوراه التي كتبتها والتي بحثت في التجمعات الإسرائيلية في أستراليا، فإن لمسألة مستقبل الاولاد والوضع الأمني أهمية كبيرة على قرار الهجرة لمن فعلوا ذلك منذ العام 2000. وقد ارتفع في حينه عدد الإسرائيليين في استراليا إلى الضعف (!). الجانب الأمني حاضر لا سيما في ظل الحروب والشعور بفقدان الأمن الشخصي وقدرة الدولة على حماية (المواطنين) من تهديدات كبيرة. أما مستقبل الأولاد فهو ليس سؤالاً اقتصادياً فقط كما أراه، وإنما مرتبط أيضاً بالنظر الى المجتمع في إسرائيل كمجتمع منقسم على نفسه، ينعدم فيه الاحترام المتبادل واحترام المساحة الشخصية وما إلى ذلك".

"رحيل المتمكّنين"
يظهر استطلاع "هآرتس" المذكور آنفاً أن الفارق المركزيّ بين بروفايل مهاجري الثمانينيات وبين المهاجرين الجدد يرتبط بعلاقتهم بدولة إسرائيل والتغييرات التي طرأت على مصطلح "الصهيونية" خلال العقود الأخيرة: "النتائج تبيّن بوضوح أن مصوّتي اليمين والتقليديين والمتدينين يميلون إلى القول بأن دولة إسرائيل هي المكان المركزيّ للشعب اليهودي، لهذا فهم لن يغادروا البلاد. هذا الادعاء الذي احتلّ في الماضي مركز الحركة الصهيونية ككل، لم يعد يسري على كل الإسرائيليين، لا سيما هؤلاء الذين يعرّفون عن أنفسهم كوسط أو يسار. ومن اللحظة التي يكفّ فيها قرار العيش في الدولة عن كونه قراراً مبدئياً، تدخل العوامل الاقتصادية للصورة لتظهر بأن جزءاً ليس قليلاً من الإسرائيليين يعتقد أن مستقبله بأماكن أخرى سيكون أكثر ورديّة".
ويوافق المبادر الاجتماعي تومر طربس على ذلك، حين يقول: "الناس يغادرون إسرائيل بسبب ما حدث للفكرة الصهيونيّة. عندما تضعف العلاقة بإسرائيل، تصير دوافع البقاء (في البلاد) تقاس وفق جودة الحياة. وإسرائيل ليست بمكانٍ جيد من هذه الناحية". ويوضح طربس: "ما يحدث اليوم في الدولة يذكّر بما حدث في القدس. القدس تعيش كلّ يوم كلّ الصراعات الممكنة. من تركوها على مرّ السنوات هم هؤلاء القادرون على الإعالة. لهذا، فالمدينة أصبحت فقيرة". ويعبر طربس عن القلق من خسارة أبناء الطبقة الوسطى "التي تشكّل عماد الاقتصاد السليم والنظام الديموقراطي" عندما يصف الهجرة الحالية بـ "رحيل المتمكّنين"، مشدداً على أن الحديث يطال طبقةً لديها قدرات تمكّنها من إعالة نفسها في البلاد، ولكنها تختار فعل ذلك في مكانٍ آخر.

"المعركة النهائية":
هجرة العلمانيين من الدولة
على الرغم من التغيّرات التي طرأت على مركزية الدولة والفكرة الصهيونيّة، قلائل هم الإسرائيليون الذين يقرّرون ترك البلاد لأسبابٍ إيديولوجية بحتة. إلا أن احتدام النقاش في إسرائيل اليوم حول هوية الدولة، في ظلّ هيمنة التيارات القومجية والدينية، قد يكون البداية لنوعٍ جديد من الهجرة، يأخذ منحى ايديولوجياً واحتجاجياً أكثر.
وليس من الصدفة أن يقوم الصحافيّ اليمينيّ حجاي سيجال بوصف الإسرائيليين الذين يتحدّثون عن الهجرة بـ "قرّاء هآرتس الذين سئموا من هآرتس (أي "البلاد" بالعبرية)". وبعيداً عن شعبوية سيجال، فهناك بعض من الحقيقة في كلامه حين يقول: "على مستوى الإحصائيات، الحديث عن ظاهرةٍ ضعيفٌ. فكمّ من المهاجرين الإيديولوجيين نعرف حقاً؟ مع ذلك، هناك داخلنا مجموعة ليست بصغيرة وليست بكبيرة بشكل خاص أيضاً، تخطّط للرحيل بسبب خسارتها الوشيكة في النقاش الكبير حول الأراضي والسلام، وحول الدين والدولة. أمام أعيننا، تتم عملية تدنيس روحانية لمجموعة من الناس الفصحاء تحدّثت مرة باسم قيم الصهيونية واليوم تركلها بسأم وتهدد بالرحيل. خسارتها المرّة في سوق الآراء تخرجها عن طورها، وعملية احتضارها بشعة بشكلٍ خاص". الصحافي اوري مسجاف من "هآرتس"، الذي ينتمي إلى تلك الفئة التي يشير إليها سيجال، يبيّن من جهته بمقالة له حملت عنوان "أيها اليساريين، حاربوا": "لم أعد أذكر آخر مرّة شاركت فيها بمحادثةٍ اجتماعيّة لم تتطوّر إلى حديثٍ عن إمكانية مغادرة البلاد. وعادةً ما تأخذ المحادثة المسرى نفسه: صيغ مختلفة من اليأس والقلق من صعود الكتلة اليمينية - القومية - الدينية، بتتبيلة خفيفة من الاستياء الاقتصادي والديموغرافيا القاتمة، ثم الضربة الاستراتيجية - بما يشمل استعراض إجراءات الهجرة إلى كندا وقائمة المهن المطلوبة في أستراليا". ويوضح مسجاف، في تقريرٍ موسع نشرته "ماكور ريشون" مؤخراً تناول سيناريوهات "موت العلمانية" و "الطريق الى الدولة الدينية"، أن "هذا هو الحديث الأكثر شيوعاً الآن في تل أبيب.. أنا حتماً أشعر بأن هناك دراما في الجو.. هناك شعور بأن ظهر الجمل على وشك أن ينقصم. كإنسانٍ عقلانيّ، أنا أؤمن بأن إمكانية العيش في مكانٍ يلائم القيم التي كبرت عليها بالبيت، تنغلق أمام أولادي. الحرب التي أشارك فيها هي على ما يبدو المعركة النهائية، وربما خسرت هذه، ولكنها معركة على طابع الدولة، حتى يكون هناك مكان لأولادي وأحفادي يعيشون به. هناك تيارٌ علمانيّ في كلّ أنحاء دولة إسرائيل، وهذا التيار يشعر اليوم بأنه أقلية، وبأن الدين والدولة والدين والقومجية تغلق عليه". وبينما يشير مسجاف إلى أنه غير واثق بأن أولاده سيستمرون بالعيش في إسرائيل، فهو يتوقع أنه ستكون هناك موجة كبيرة من هجرة العلمانيين من الدولة: "هذه الموجة تحدث الآن، لا أستيطع أن أقيسها بالأرقام ولكن مجرد الحديث الشائع عنها هو أمر مقلق. كما أني أعتقد أنه لا تمكن إدارة هذا النقاش بمنأى عن التطرف القومي - اليميني. فهذا ليس نقاشاً أكاديمياً عن الدين والدولة، بل هو يتقدم يداً بيد مع تقويضات أخرى للديموقراطية، لمكانة سيادة القانون، لحقوق الأقليات، وللقيم التي أقيمت عليها الدولة. وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فنعم، ستكون هناك كتلة حرجة من المهاجرين".
وبينما تدور "المعركة النهائية" بين النخب الليبرالية والقومية، وكلتاها اشكنازية، إن اعتبرت هذه أو تلك أقلية أو أغلبية. قد يكون من المجدي هنا استعادة تعليق للمفكّر والكاتب اليهوديّ الشرقيّ سامي شالوم شطريت (الذي يعيش خارج البلاد!)، ينجح بتلخيص الموقف ببضعة سطور مباشِرة ولاذعة بصراحتها: "لا محال، يجب قول ذلك بأوضح طريقة ممكنة: فقط عندما يبدأ الأشكنازيم بحزم أمتعتهم ومغادرة البلاد، سأبدأ بتقدير نشاطهم ضد كولونيالية آبائهم. برأيي، هذه هي درجة الوعي الأعلى التي من الممكن أن تخطر بالبال. إذا كنت تريد تقصير عمر الكولونيالية الصهيونية - الاشكنازية، فاجمع أولادك وكتبك المتنورة، وسافر إلى أوروبا أو أميركا. عندما تقوم منظمة يسارية أشكنازية بتشجيع وتمويل مغادرة الإسرائيليين الواعين، عندها سأعرف أن شيئاً حقيقياً يحصل في اليسار الأشكنازي. أنا أتحدث عن تشجيع كلّ الإسرائيليين للقيام والرحيل. لكن، كما هو معروف، فالشرقيون غير واعين لمساهمتهم في الكولونيالية البيضاء، كما أنهم لا يحملون الجوازات الأوروبية. ولهذين السببين، فهم على ما يبدو لن يذهبوا إلى أيّ مكان، وسيضطرون للنظر بعيون العرب، وإيجاد طريقة أخرى للعيش في هذه الدولة".