| 

تشكّل الحركة النقابية أحد الجوانب التي ميزت مسيرة الشعب الفلسطيني منذ ما يزيد عن قرن من الزمن، لكن المتتبع لواقعها حالياً يلمس تراجعاً جلياً في دورها ومكانتها، لاعتبارات يعزوها مختصون ومراقبون أساساً إلى نشأة السلطة الوطنية، ومساهمتها في التأثير سلباً على العمل النقابي وقياداته.
وتبرز مراجع تاريخية أن إرهاصات التنظيم النقابيّ في فلسطين بدأت منذ بداية القرن العشرين، استناداً إلى القانون العثماني الصادر سنة 1909، وجرى بمقتضاه تشكيل روابط اجتماعية بعيدة عن الشؤون السياسية. بيد أن التنظيم النقابي الفعلي بدأ في العام 1920، وتبلور في العام 1925، حيث تشكلت جمعية "العمال العرب الفلسطينية".

بعد أوسلو: السلطة تعطّل النقابات
أمين عام اتحاد النقابات المستقلة محمود زيادة، وهو نقابي معروف بنشاطه منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي، يرى أن نشاط النقابات اليوم لا يقارن بالمطلق مع حاله في حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. يشرح زيادة: "كان البعد السياسي والوطني غالباً على نشاط الحركة النقابية بشكل عام، بينما كانت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تأتي في المرتبة الثانية، وإن كان هناك بعض النقابات التي حاولت المزاوجة بين الدورين السياسي والحقوقي".
ويلفت إلى أنه كان للحركة النقابية "دور مهم خلال فترة الانتفاضة الأولى (1987-1993)"، شارحاً: "كانت غالبية أعضاء النقابات منخرطة في الفعاليات النضالية ضد الاحتلال، ما استمر إلى حين قيام السلطة العام 1994. ولكن أدت هذه الأخيرة إلى حالة انفصام في وضعنا، بعدما برز صراع بين حقيقة استمرار وجودنا تحت الاحتلال من ناحية عملية وواقع بناء كيانية تشبه الدولة. ما أدى إلى تراجع الدور الوطني والسياسي للنقابات". ويكمل قراءته: "بعد نشوء السلطة، حدثت حالة التباس في أذهان الناس حول ما هو المطلوب، وكيف يجب التعاطي مع الوضع الجديد. وللمفارقة، فإن جانباً كبيراً من النقابات إن لم يكن السواد الأعظم منها، اضافةً إلى تراجع دورها الوطني، لم تشهد أي تقدم لجهة تبني برنامج عمل خاص بالدفاع عن حقوق من تمثلهم /ن، بالتالي ضاع دورها الوطني والحقوقي على حد سواء، وهو ما نراه قائما حتى اليوم".
ويوضح زيادة أن واقع النقابات أدّى إلى نشوء اتحاد النقابات المستقلة، ومقره رام الله منذ العام 2007. يضم في عضويته 21 نقابة تمثل نحو 30 ألف شخص، كصاحب رؤية بديلة عن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين التابع لمنظمة التحرير، والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين". وهو يرى أن النقابات حالياً يؤخذ عليها ارتباطها - أسوة بالاتحادين العماليين - بالسلطة بعلاقات "مصلحة"، اضافة إلى ضعف البعد الديمقراطي فيها، لجهة عدم دورية اجراء الانتخابات في كثير منها.
ما ذهب إليه زيادة، أكدت عليه دراسة للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وهي مؤسسة أهلية مقرها رام الله، أشارت إلى أن الاشكاليات الرئيسة للعمل النقابي الفلسطيني تتمثل في خلل في القواعد التشريعية، وغياب الاستقلالية لدى قيادة الحركة النقابية، ومصادرة الحقوق الديمقراطية، وافتقار الحركة النقابية إلى الصدقية.
ووفقاً للدراسة، وهي تحمل عنوان "حول الحق في التنظيم النقابي" للباحث محمود شاهين، فإنه لا يوجد في الضفة قانون ينظم العمل النقابي، بينما في القطاع هناك قانون النقابات رقم (331) لسنة 1954 وتعديلاته.
كما تشير الدراسة في ما يتعلق بغياب الاستقلالية النقابية، إلى أن العمل النقابي يعاني من تسلط حزبي، بمعنى أن الفصائل والحركات السياسية تسير هذا العمل وفق أجندتها السياسية الحزبية، ما أدى إلى حالة تنافس وصراع، انعكست في ظاهرة النقابات الموازية والكتل النقابية، حيث أخذ كل فصيل ينشئ له كتلة تختص بالعمل النقابي، وهذه أخذت بدورها تشكل نقابات وأحيانا اتحادات يقودها أعضاء من الفصيل أو مقربون منه.
وأضافت الدراسة: "هناك اليوم اتحادان عماليان رئيسيان، يدعى الأول الاتحاد العام لعمال فلسطين، ويدعى الثاني الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وقد تأسس الأول في الخارج العام 1965، مستمدا شرعيته من منظمة التحرير التي قامت بتأسيسه وتعيين قيادته، ليمثلها في المحافل والأطر العمالية، ولا تجري انتخابات لاختيار قيادته، كما لا توجد نقابات أعضاء فيه، ولا يزال أمينه العام على رأس عمله منذ الثمانينيات من القرن الماضي".
وبالنسبة إلى الاتحاد الثاني، تشير الدراسة إلى أنه "تجمع لكل من الاتحاد العام لنقابات العمال في الضفة، الذي كان جزءا من اتحاد نقابات العمال الأردني حتى العام 1972، والاتحاد العام لنقابات العمال في غزة الذي شكل العام 1965، وهناك عدد من النقابات الأعضاء، لكن لم تجر انتخابات في هذه النقابات منذ العام 1987".
وبحسب الدراسة، "تتولى شؤون الاتحاد قيادة حزبية، فإلى جانب الأمين العام الذي ينتمي لحركة فتح، هناك اللجنة التنفيذية المكونة من الكتل النقابية التابعة للفصائل، وذلك بموجب اتفاقات كوتا".
وتلفت الدراسة إلى معاناة الحركة النقابية من سياسة احتواء تنتهجها السلطة بحقها، مبينة "أن هذه السياسة تصل أحيانا إلى حد التعامل مع قيادات الحركة النقابية كتابع للسلطة".
وتضيف موضحة آليات احتواء السلطة للحركة النقابية: "من مظاهر سياسة احتواء الحركة النقابية منح بعض القادة النقابيين، خاصة في الاتحاد العام لعمال فلسطين، مناصب حكومية رفيعة، وتقديم الامتيازات لهم مثل دفع رواتب وإيجار مكاتب. كما مارست السلطة التنفيذية أشكالا أخرى تتسم بالترهيب أحيانا، والتجاهل أحيانا أخرى لاحتواء الحركة النقابية، ما تجلى في اجراءات قمع الاضرابات أحيانا، كما حدث في مواجهة المعلمين المضربين خلال آذار 1997، حيث استخدمت بحقهم أساليب التهديد، والتخويف، واقتحام البيوت، والاستدعاء، والاعتقال، وتوجيه الإهانات، إلى غير ذلك".

حصار النقابات.. وبعض الأمل
لعلّ واحداً من المظاهر الدالة على آلية تعاطي السلطة مع ملف النقابات تظهّره تجربة نقابة العاملين في الوظيفة العمومية، وكانت تعنى بالعاملين في الوزارات والمؤسسات الرسمية. إذ جرى حلّها أواخر العام الماضي، بناءً على قرار بعدم قانونيتها صدر من قبل لجنة قانونية شكلتها رئاسة السلطة. وجرى توقيف رئيس النقابة ونائبه لعدة أيام خلال تشرين الثاني من العام الماضي، قبل أن يصار إلى اطلاق سراحهما، فيما لا يزال موضوع اعادة نشاط النقابة، التي يرى مراقبون أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال عنها، مدار بحث في أروقة القضاء.
بيد أن زيادة يعتقد أن "طريقة التعاطي مع ملف النقابة، بصرف النظر عما يشاع حولها، وتوظيف بعض فعالياتها خدمة لأجندة سياسية، كان تعسفيا وفظا، خاصة أن النقابة مارست نشاطها على مدار سنوات، وأبرمت اتفاقيات عديدة مع الحكومات المتعاقبة". ويضيف: "نحن نعتقد أن هذا الاجراء جاء في اطار احتواء الحركة النقابية، وهو بالنسبة إلينا قرار باطل، ولا شرعية له".
من أبرز الأمور الواردة في دراسة الهيئة المستقلة قد تكون إشارتها إلى مصادرة الحقوق الديمقراطية. إذ يمكن تقسيم النقابات من حيث احترام الحق في الانتخاب والترشح إلى نوعين رئيسين، الأول يضم لجاناً ونقابات تحترم هذا الحق، وهي الحال في نقابات شركة الكهرباء، ومستشفى المطلع، ومستشفى المقاصد في القدس، وجمعية الهلال الأحمر في البيرة، علماً أن هذه النقابات ليست لها علاقة تنظيمية بالاتحادات العمالية. أما النوع الثاني، وهو حال السواد الأعظم من النقابات والاتحادات، فتغيب عنه الانتخابات منذ عقدين تقريباً. القيادات غير منتخبة من العمال، بل معينة من الأحزاب السياسية، وهي بصورة عامة شخصيات غير عمالية.
ويرى النقابيّ بشير أحمد، وهو رئيس نقابة العاملين في جمعية "الهلال الأحمر"، أن الحركة النقابية راهناً في "أتعس" أوضاعها، معتبراً أن ما حصل بحق النقابة العمومية كانت له تأثيرات سلبية على واقع العمل النقابي: "لم تعد لدينا حركة نقابية ذات أهمية، كما أن الانقسام في الساحة الفلسطينية أدى إلى تحييد الحركة النقابية".
ويقول أحمد: "هناك الكثير من الاجراءات وحتى القوانين ذات الصلة بالشأن العمالي، تمرر من دون أن يكون هناك دور قوي للحركة النقابية في اقرارها. فمثلا، توجد مداولات تشارك فيها الحكومة وأطراف أخرى لوضع مسودة قانون للضمان الاجتماعي، وهذه المسودة سيئة جداً". ويتابع: "ليس لدينا قانون للنقابات، كما تغيب لدينا المحاكم العمالية رغم ورود اشارة لها في قانون العمل الصادر في العام 2000، بالتالي فالحركة النقابية في أضعف أحوالها".
وقد تكون نقابة "الهلال الأحمر" أحد النماذج على معاناة الأطر النقابية، ليس من حيث الناحية المادية أو غياب البعد الديمقراطي، بل لجهة عدم الثقة بجدوى العمل النقابي. اذ يبلغ عدد موظفي الجمعية في الضفة والقطاع 2600 موظف، بينما يبلغ عدد المنتسبين إليها 1000 عضو، بحسب أحمد.
ويقرّ بأن جانبا من الموظفين يرفع تساؤلات حول القيمة المضافة التي سيشكلها انضمامهم إلى النقابة، ويجيب: "حالياً، 70% من العاملين بالجمعية تتساوى رواتبهم مع نظرائهم العاملين في مؤسسات أخرى في البلد، ونحن نؤمن بالحاجة إلى المطالبة باستمرار بحقوق أعضائنا، وهو ما نقوم به خاصة لتحسين الوضع المعيشي للعاملين في العديد من فروع الجمعية".
يصرّ في المقابل على أن النقابة تعتمد في عملها على اشتراكات أعضائها، لافتاً بالمقابل إلى أن لها خصوصية تتمثل في النأي بنفسها عن العمل السياسي، لاعتبارات من ضمنها طبيعة جمعية الهلال الأحمر، ومن ضمن مبادئها الأساسية الحياد.
وقد تفسر مسألة الحياد وتجنب العمل السياسي انضواء النقابة في اطار اتحاد النقابات المستقلة، حيث تجري انتخابات دورية كل 3-4 سنوات لمجلسه الاداري. وتتمثل رسالته، كما يلخصها أمينه العام زيادة، في "صون كرامة العاملين، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتقاسم الأعباء"، معتبراً أنها "مسائل لا تحتمل التأجيل، وعناصر أساسية لتعزيز صمود المجتمع، وقدرته على مواجهة الاحتلال وانهائه".
وعلى الرغم من الواقع النقابي القائم، وغياب قانون حام للحقوق والحريات النقابية، فإن زيادة يرى أن هناك فرصة كبيرة لتطور الحركة النقابية، لجهة أداء دور مقرر ومؤثر في موضوع السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ويقول زيادة: "هناك تآكل في شرعية وتمثيلية الاتحادات الرسمية وتحديدا العمالية يمكن ملاحظته، كما أن هناك بروزا وتقدما على صعيد الحركات المطلبية والحركات الاحتجاجية، والاضرابات التي نفذتها عدة قطاعات سواء في القطاع العام أو الخاص وغيرها، مثل تلك التي نفذها العاملون في وكالة الغوث الدولية (أونروا)، مؤخرا، كل ذلك يجعلنا ننظر بتفاؤل نحو مستقبل الحركة النقابية".
على أمل..