| 

مُنذ أن سيطرت حركة "حماس" على قطاع غزّة بالقوّة العسكريّة في صيف العام 2007، تصدر بين الحين والآخر قرارات مُفاجئة ومُثيرة للجدل تمسّ حياة سكّان القطاع بالدرجة الأولى. أحدث هذه القرارات وليس آخرها، هو قرارٌ ينصّ على منع إقامة حفلات الأفراح في الشوارع العامة. بطبيعة الحال، أثار القرار جدلاً في الشارع الغزّي، وبرز هذا الجدال بصورة أكبر على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسم الغزّيون ما بين مُؤيّد للقرار وفريق آخر رافض له، لاسيّما أنّ هذا القرار يستهدف عادة وتقليد موروثين فلسطينياً ويقضيان بإقامة الحفلات وبيوت العزاء أيضاً في الشوارع العامة، فيُشارك فيها الأهل والجيران.

حيثيات القرار: يشمل الجميع
القرار الذي يقضي بمنع إقامة السهرات الشبابية في الشوارع ابتداءً من الأول من كانون الثاني /يناير 2016 الجاري، جاء مكمّلاً لقرارات سابقة صدرت عن وزارة الداخليّة، تقضي بمنع إقامة حفلات الأعراس وبيوت العزاء في الشوارع العامة كي لا تؤدي إلى عرقلة حركة السيارات والسكّان. في مطلع هذا العام، سيتم قياس مدى التزام المواطنين بهذا القرار، وقدرة وزارة الداخليّة أيضاً على تطبيقه على جميع المواطنين في قطاع غزّة.
وبحسب بيان وزارة الداخليّة، فإنّ مطلع يناير 2016 هو الموعد المحدّد لتنفيذ القرار، والذي ترجعه وزارة الداخليّة إلى شكاوى المواطنين المتكرّرة والمتزايدة من تلك الحفلات وما تسبّبه من إزعاج لهم، خصوصاً فئتي المرضى والطلّاب. كذلك، اشتكى مواطنون من إغلاق تلك الحفلات لشوارع رئيسيّة، ما قد يؤدّي في بعض الأحيان إلى تعريض حياة المواطنين للخطر، وتحديداً عند تعذر عبور سيارات الإسعاف أو الإطفاء إلى تلك الشوارع.
اعتبر الناطق باسم الشرطة في قطاع غزّة، أيمن البطنيجي، أنّ القرار يهدف إلى "تنظيم الحفلات والجنازات" التي يقيمها المواطنون في قطاع غزّة، ومنع أيّ تعدٍّ على الممتلكات العامّة كإغلاق للشوارع لساعات طويلة، أو استخدام مكبّرات الصوت لبث الموسيقى ولأوقاتٍ متأخّرة من الليل.
كما ذكر أنّ القرار "جاء للحفاظ على السكينة المجتمعية، باعتباره دور طبيعي للشرطة الفلسطينية، حيث أن بعض الحفلات يؤدي إلى إغلاق الشوارع بشكل عام، وهو ما اشتكى منه المواطنون والسائقون حيث تسببت بعض الحفلات بأزمات مرورية". ووفق "الداخليّة"، جاء القرار بعد شكاوى عدّة وصلت للشرطة تفيد بانزعاج الجيران من هذه الحفلات التي يمكن أن تستمر لساعات متأخرة من الليل، في ظل وجود مرضى وطلاب في المحيط، وفي ظل وجود بيت عزاء قريب من مكان الحفل أحياناً.
بحسب البطنيجي، فإن المنع لا يشمل حفلات بعينها، بل الاحتفالات كافة سواء كانت الغنائية أو الإسلامية، "فجميعها حفلات"، حسبما قال. وأوضح أنّ القرار لا يشمل الحفلات في أماكن مغلقة أو بعيدة عن الشارع العام، لا تتسبّب بإزعاج للمواطنين، مشيراً إلى أنّ الشرطة ستقوم بملاحقة المخالفين، وتحديداً من يقومون بتأجير أجهزة الصوت والموسيقى.
تواصلت "السفير" مع الشاب كريم أبو ندى، أحد مُؤجّري مُستلزمات الأفراح ومُكبّرات الصوت الخاصة بالحفلات الشبابيّة للأفراح في غزّة، لاستبيان الموقف من القرار. برأيه، فإنّ قرار وزارة الداخليّة القاضي بمنع إقامة الحفلات في الشوارع "مُجحف بحقّ عادات وتقاليد الشعب الفلسطينيّ"، "خاصة أنّ إقامة حفلة الفرح الخاصة بالشباب أمام منزل والد العريس تُعتبر موروثاً شعبياً وثقافياً لدى غالبيّة الفلسطينيين، ولا يُمكن بأي حال من الأحوال إلغائها، أو حتّى إقامتها في مكان غير منزل أهل العريس".
منذ عقودٍ طويلة، اعتاد الفلسطينيّون على إقامة "حفلة الشباب" للعريس، وهي تسبق العُرس النسائيّ بليلة، تُعرف بـ "حنّة العريس"، يُشاركه فيها الأهل والأصدقاء والجيران أمام منزل والد العريس أو في الشوارع القريبة من منزلهم، وسط طقوسٍ وأجواءٍ تراثيّة مميزة، قوامها التراث الشعبيّ الفلسطينيّ والأغنية الفلسطينيّة الموروثة. فيقام حفلٌ شبابيّ باستخدام مكبرات الصوت العالية.
في هذا الصدد، يشرح أبو ندى أن الشرطة في غزّة "لن تستطيع تنفيذ هذا القرار، وتحرم أهل العريس فرحتهم بابنهم، خاصة أن الغزّيين لا يقتنعون أساساً بإقامة حفل الشباب في منطقة أخرى غير منزل والد العريس، أو في أرض فارغة بالقرب منه. كذلك، ينسى القرار الفلسطينيّين الذين لا يقوون على دفع تكاليف صالة أفراح مُجهّزة لإقامة حفل الشباب فيها".

القرار بين مؤيّد ومعارض
في استطلاع رأي عشوائيّ أجرته "السفير" في شوارع غزّة، بدا جليّاً تضارب الآراء وانقسام المواطنين حول القرار المثير للجدل بين مؤيدٍ ومعارضٍ، فبعضهم يرى أنه إجحافٌ بحقّ المواطنين وآخرون يرون أنه صائب، نتيجة انزعاجهم من الصوت الطاغي.
المواطن نبيل عبد الهادي يُعرب في حديث لـ "السفير" عن سعادته لاتخاذ وزارة الداخليّة في غزّة هذا القرار، ويرى أنّه "قرار مهم جداً، ومن شأنه تنظيم إقامة الحفلات في الشوارع العامة، خاصة أن الكثير من الحفلات تمتد لما بعد منتصف الليل. كلّ بيت من بيوت غزة فيه الطفل أو المريض أو الكهل أو الطالب، ويجب أن نحرص جميعاً على راحتهم، لا إزعاجهم".
لا يعتبر عبد الهادي هذا القرار تضييقاً على المواطنين، أو منعاً نهائيّاً لإقامة الحفلات، "بل هو قرار يُنظّم إقامة الحفلات، ولا يمنعها"، مُشيراً إلى أنّه من الأفضل أن يعمل أصحاب الأفراح والمآتم على إقامتها في أراضٍ بعيدة نوعاً ما عن الشوارع العامة، كي لا تتسبب بإغلاقها أو عرقلة حركة السيارات والسكّان. ويضيف: "هناك الكثير من الحفلات الشبابيّة الخاصة بالأفراح التي تستخدم مكبّرات صوت ضخمة، والصوت يصل بالتأكيد إلى الجيران والسكّان في هذه المنطقة"، مُتسائلاً في الوقت ذاته: "ما ذنب هؤلاء حتى يبقوا في قلق وإزعاج حتّى انتهاء هذا الحفل؟ وما ذنبهم إن كان لديهم حزن أو أمر محزن، وبجانب بيتهم حفل صاخب بالأغاني ومكبرات الصوت؟".
وكذلك، يرى الناشط الشبابي فادي أبو سالم في حديث لـ "السفير" أنّ قرار وزارة الداخليّة بشأن تنظيم الحفلات وبيوت العزاء في الشوارع العامة "هو قرار إيجابي يأتي في الوقت المناسب، خاصة بعد تقدّم العديد من السكّان بشكاوى رسميّة للشرطة بسبب امتداد حفلات أفراح غنائيّة بجانب منازلهم لمنتصف الليل". ويضيف: "هذا القرار يُمثّل مطلباً لشريحة كبيرة من سكّان غزّة".
في المقابل، يرفض المواطن أبو نائل قفّة هذا القرار رفضاً قاطعاً، ويعتبره تضييقاً على السكّان، خاصة هؤلاء الذين لا يجدون قطعة أرضٍ فارغة وقريبة من منزل والد العريس لإقامة حفل الشباب فيها. ويشرح أبو نائل الذي يُجهّز لفرح ابنه المقرّر عقده بعد أسابيع لـ "السفير": "هناك آلاف المواطنين الذين لا يجدون أرضاً يقيمون عليها حفل الفرح، ولا يملكون المال الكافي أيضاً لاستئجار قاعة أفراح لإقامة حفل الشباب عليها، فأين يذهبون في ظل ندرة الأراضي في قطاع غزّة، والاكتظاظ السكّاني؟".
ويقترح الشاب أحمد اللوح أن تُحدد وزارة الداخليّة أوقات معينة لإقامة الحفلات الشبابيّة في قطاع غزّة في الشوارع والأماكن العامة، بدلاً من أن تُلغي الفكرة تماماً: "فمثلاً، يتم تحديد أقصى وقت للحفل الساعة العاشرة مساءً". يرى اللوح في حديث مع "السفير" أنّ السكّان لن يلتزموا بهذا القرار، خاصة في ظلّ ندرة الأراضي في غزّة، "بالإضافة إلى أن تقليد إقامة حفلات الأفراح في الشوارع العامّة يُمثّل موروثاً ثقافيّاً بالنسبة إلى الفلسطينيين، ومن الصعب إلغائه".
الشاب أمجد عبد الغفور هو عريسٌ اقترب موعد فرحه، ويسكن في شارع الوحدة، أحد الشوارع الرئيسيّة في قطاع غزّة. يقول لـ "السفير" إنّه لا يستطيع إقامة حفلته في صالة مغلقة، نتيجة ارتفاع أسعار الصالات في قطاع غزّة، حيث تُكلّف مبلغاً لا يقل عن 500 دولار أميركي. ويضيف: "ربما أتفهّم قرار الشرطة ومبررات هذا القرار، لكن لا أستطيع إقامة الحفلة في صالة لأسباب مادية".
في السنوات الماضية، كانت وزارة الداخليّة في غزّة تمنع إقامة حفلات الأفراح في الشوارع العامة مع بدء امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي"، وتُحدد أوقاتها، ثم تُستأنف إقامة الحفلات بعد انتهاء الامتحانات.
أما بيوت العزاء فأشارت وزارة الداخليّة في بيانها إلى جواز إقامتها في مواقع لا تقفل شوارع تشكّل ممراً رئيسياً للناس والسيارات والمدارس، كالأحياء الداخليّة، وأن تتم المحافظة قدر الإمكان على الشوارع، بحيث لا تتسبب العزاوات بأزمة مرورية.
ويبقى السجال مفتوحاً حول قضيّة منع حركة "حماس" إقامة الحفلات الشبابيّة الخاصة بالأفراح في شوارع القطاع ما بين مُؤيّد ومُعارض، لحين تطبيق القرار على أرض الواقع، وقياس مدى التزام المواطنين به من جهة، وقدرة الداخليّة على تنفيذه من جهة أخرى، خاصة في ظل مُعاناة القطاع من فقر وأوضاع معيشيّة أقل ما يمكن وصفها بالمريرة، تمنع غالبية المواطنين من إقامة حفلاتهم في صالات الأفراح التي تحملهم أعباء مادية.