| 

في ساعة متأخرة من ليلة 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، لفت نظري ما تنشره محطّات التلفزة المتابعة للشأن الفلسطيني وما تنشره المواقع الإلكترونية الإخبارية عن أعداد الشهداء حتى تلك اللحظة. فكان العدد 99 شهيدًا، منهم 22 طفلاً وأربع سيدات، عدا عن الجرحى والبيوت التي هُدّمت والمعتقلين الذين تجاوزعددهم 2400 معتقل أغلبيتهم من الأطفال. فاستوقفني سؤال: من سيكون الشهيد الرقم 100؟ أو هل سيكون هناك شهيدٌ يحمل الرقم 100؟ ربما يكون هذا السؤال "الأخير" ساذجًا وأحمق.
لم تمضِ بضع ساعات حتى جاء خبر استشهاد الشاب يحيى يسري طه من قرية قطنة القريبة من القدس. استشهد في ساعات الفجر الأولى من يوم 26 تشرين الثاني/نوفمبر، عندما اقتحمت قوات الاحتلال قريته وأصابته في الرأس خلال المواجهات التي اندلعت مع الشبّان.

دومنتشي.. ومئة حياة
ارتباطًا بالشهيد الرقم مئة، رجعتُ بالذاكرة إلى عملَين فنيين: الأول، لوحة (رسم تشكيلي) للفنان الإيطالي V. Domenici، جرى توزيعهاعلى شكل مُلصق في الذكرى السنوية لمجزرة تل الزعتر سنة 1976 في لبنان، ضمن منشورات حركة فتح "الإعلام الموحّد". واللوحة عبارة عن أجسام متلاصقة ومزدحمة، تكاد لا تمكن رؤيتها، وكُتب في أسفلها: انظر... هؤلاء هم ثلاثة آلاف - إنهم شهداء تل الزعتر. أما العمل الثاني فهو معرض بعنوان "مئة شهيد .. مئة حياة 2001"، الذي نتج عنه كتاب يحمل العنوان نفسه، وارتبط بالانتفاضة الثانية التي اندلعت في أيلول/ سبتمبر 2000. أشرفت عليه عادلة العايدي و "مركز خليل السكاكيني الثقافي" في رام الله، وجرى من خلاله تجسيد حياة مئة شهيد سقطوا على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأشهر القليلة الأولى من اندلاع الانتفاضة الثانية، ونبذة عن كلٍّ منهم. وكان ذلك عبر عرض بعض مقتنياتهم: فمن الكوفية والأرجيلة والحذاء والمحفظة وبعض الرسومات وقصاصات الورق إلى الدراجة الهوائية وبعض أدوات العمل والأغراض الخاصة التي تتعلق بالشهداء وتتحدث عن حياتهم واهتماماتهم وهواياتهم، عن أسمائهم، لا عن أعدادهم وأرقامهم كشهداء.
لطالما صادفتُ لوحة شهداء تل الزعتر معلّقة على جدار أحد مطاعم مدينة رام الله، وكنت دائماً أتأملها وأقف أمامها. ولا يمكنني نسيان معرض وكتاب مئة شهيد – مئة حياة 2001، حتى بعد مرور نحو 15 عامًا على تنظيمه في "مركز خليل السكاكيني" في مدينة رام الله. فقد كان معرضًا متميزًا بفكرته الرائدة، بتناوله الحديث عن الحياة وقدسيتها، في الوقت الذي كانت فيه آلة القتل الإسرائيلية مفعّلة بلا هوادة، معتقِدة بوهم أنها بذلك يمكنها أن تصهر وعي الفلسطيني وترغمه على الاستسلام للأمر الواقع والقبول بالاحتلال. كما عبّر عن ذلك بغرور وتعالٍ رئيس اركان الجيش الاسرائيلي السابق ووزير الدفاع الحالي "بوغي يعلون"، قائلاً إن المؤسسة الامنية الاسرائيلية، ومن خلفها تلك السياسية، تعمل على كيّ وعي الفلسطينيين بصورة توصلهم إلى حالة من اليأس وعدم الاقدام على المواجهة مرة اخرى. ولهذا السبب، استخدمت قوة نارية كبيرة في محاولة لاخماد الانتفاضة الثانية.
الآن، في ظل ما يجري اليوم وارتفاع الأرقام والإحصاءات، استوقفني عدد شهداء تشرين الأول/أكتوبر 2015، فتذكرت هذين العملين مجددًا وحضرا إلى ذهني بصورة قوية. ما أحاول قوله هنا هو أن لهؤلاء الشهداء أسماء. مهند، أمجد، ثائر، شادي، هديل، بيان، وغيرها من الأسماء. لهؤلاء الشهداء هويّات، كانت لهم /ن أحلام وطموحات، منهم /ن الطالبة الجامعية والمزارع والعاملة والمهندس، ومنهم /ن ضابط الإسعاف، ومنهم الطفلة التي استشهدت قبل أن تحدد لها هوية مهنية.

لحظة الاستشهاد ليست بلا سياق
ثقافة تكريم الشهداء وتمجيد بطولاتهم /ن والحديث عن مناقبهم /ن ليست بالثقافة الجديدة على المجتمع الفلسطيني. فدائمًا كان هناك شهداء في فلسطين وخارجها، سقطوا برصاص الاحتلال أو برصاص الانتداب أو بغيره من الرصاص الذي استهدف القضية الفسطينية. ثم إن الحديث لا يدور عن بضعة آلاف من الشهداء بل عن عشرات الآلاف، فمن ثورة البراق 1928 إلى ثورة 1936، إلى المجارز البشعة التي ارتكبتها الجيوش الصهيونية في عام النكبة 1948، إلى ضحايا القصف الإسرائيلي على قطاع غزة أواسط خمسينيات القرن الماضي، إلى حرب 1967 واجتياح لبنان والانتفاضتين الأولى والثانية والحروب الثلاث على غزة، وأخيرًا هبّة أكتوبر 2015.
دائمًا، كان تمجيد الشهيد وبطولاته ضمن أعمال وبرامج الأحزاب والفصائل الفلسطينية، في القرية وفي المخيم وفي المدينة. لكن ذلك للأسف لم يرتقِ إلى مستوى تعزيز معنى حياتهم/ن وإبراز معنى استشهادهم. فهؤلاء الأبطال فارقوا الأم والصديق، الأب والأخ، زملاء وحبيبات وأحبة ويوميات، فارقوا الأحياء والشوارع، واستشهدوا من أجل حريتهم وحرية شعبهم. من الحريّ الحديث عن حياته وحياتها إلى جانب بطولة الاستشهاد بحد ذاتها. الأحزاب السياسية كما وسائل الإعلام، وما أكثرها، مطالبة وبقوة بالكتابة عن حياة الشهداء، والحديث عنها، وتصويرها قبل استشهادهم، فلا يقتصر حضورهم /ن ودورهم /ن في هذه الحياة على لحظة الاستشهاد فقط، وإنما كلّ ما سبقها وربما قاد إليها.
على الرغم من التضحيات الكبيرة التي قدّمها الشعب الفلسطيني في مواجهته مع المشروع الصهيوني، وفي سبيل الانعتاق ونيل الحرية والاستقلال، إن الثقافة العامة حيال الشهداء لا تزال محدودة، وأسيرة التعامل معهم بصفتهم أعدادًا وأرقامًا.
اعتدنا معرفة أسماء الشهداء القادة في هذه الفصائل، وهم كثر، على مدار سني المواجهة. وأصبحوا جزءًا من أدبياتنا ومصادرنا المعرفية. لكننا أقل معرفة، إن لم نكن عديمي المعرفة، بالكثير الكثير من هؤلاء الشهداء الجنود، الذين تبقى معرفتهم مقتصرة على عائلاتهم وأصدقائهم والدوائر الصغيرة المحيطة بهم.
ان الفصائل الفلسطينية قدمت أبرز قادة الصف الاول، سياسيين وعسكريين وادباء وشعراء. فمن ياسر عرفات وابو علي مصطفى وعمر القاسم الى وديع حداد وخليل الوزير واحمد ياسين والرنتيسي وصلاح خلف وماجد ابو شرار وغسان كنفاني،... اسماء كبيرة ولامعة في التاريخ الفلسطيني المعاصر لقادة استثنائيين حُفرت اسماؤهم في الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني. هذه التضحية على مستوى قادة الصف الاول الفلسطيني مهدت الطريق دائماً لتضحيات أوسع يقدمها الشهداء جنود الانتفاضات والحروب والسجون والمنافي. لذا، فإن حضور أسمائهم في الذاكرة الجماعية يسهم بقوة في الحفاظ على ذاكرة عامة لشعب ما زال يناضل من أجل حقه في الحرية والاستقلال، فلا تقتصر ذاكرته على وجوههم، وإنما على وجوه عامة هذا الشعب الذي أنتج قادته، أيضاً وأساساً.
ينطبق هذا تمامًا على الأسرى. فالأغلبية العظمى من الفلسطينيين يعرفون اسم القائد مروان البرغوثي والقائد أحمد سعدات، لكنهم لا يعرفون أسماء ستة آلاف معتقل أو أسماء مجموعة منهم. وليس هذا تقصيرا منهم، إنما من الماكينة الإعلامية التي من واجبها حفر أسماء هؤلاء الأبطال في الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني عبر الحديث عن قصة كلّ أسير قبل سجنه وخلال فترة السجن. وهنا الحديث يدور عن نحو ثمانمئة ألف فلسطيني مرّوا بتجربة الاعتقال منذ العام 1967، أيّ بنسبة ملحوظة من التعداد العام للشعب الفلسطيني في داخل فلسطين التاريخية، مع بقاء النسبة مرتفعة فيما لو قورنت مع إجمالي عدد الشعب الفلسطيني في الشتات والداخل. وفي هذا السياق، لا أنكر الجهد المبذول والكبير من المؤسسات الحقوقية التي عملت جاهدة على إبراز قضايا الأسرى وتسليط الضوء عليها، كـ "مؤسسة الضمير" و "نادي الاسير" و "هيئة شؤون الاسرى". مع ذلك، فالجهد ما زال محدوداً وغير شامل. لم يصبح بعد ثقافة عامة.
لا أحبّ المقارنة ولا أرغب بها، مع ذلك أجدني مُرغمًا على ذكر مقارنتين بيننا وبين دولة الاحتلال في طريقة التعامل مع ملفين اثنين: الملف الأول، كيفية تعاطي الإعلام الإسرائيلي مع ملف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط (مع ظلم المقارنة، إذ لا يمكن مقارنة واحد مع أكثر من سبعة آلاف في حينه)، إلا أن الإعلام الإسرائيلي تناول على مدار خمسة أعوام مختلف الجوانب المحيطة بحياة الجندي: نمط حياته بين أهله، وحياته في العسكرية، وماذا يحب أن يأكل، وهواياته المفضلة... إلخ، بالإضافة إلى الحملات التي أُطلقت من أجل إطلاق سراحه. فمِن "تي شيرت" يحمل صورته إلى البث الإعلامي المكثف.. تلك رموزٌ حافظت على هذا الجندي حيًا في الذاكرة الجماعية لجمهور دولة الاحتلال. أما الملف الثاني فيتعلق بكيفية تعامل محطّات التلفزة الإسرائيلية مع الإسرائيليين اليهود الذين قتلوا خلال هبّة أكتوبر 2015، إذ نشرت أسماءهم وصورهم في مقدمة نشرات الأخبار، وتحدثت عن كل واحد وواحدة منهم، وخصصت مساحات واسعة للحديث عنهم /ن في فترات البث الأُخرى.
ما يجب فعله فلسطينيًا هو إعادة الاعتبار إلى شهدائنا وأسرانا. ولذلك أساليب عدة قد لا يقوى هذا المقال على حصرها أو ابتكارها. لكن ذلك ممكن عبر نشر أسمائهم وعرض قصصهم وتفصيلات حياتهم، مثلاً.. بغض النظر عن أعدادهم وتواريخ استشهادهم وأوضاعهم (ما علينا الا الاستفادة من المزايا الكبيرة التي توفرها التكنولوجيا). فهم منابر حرية الشعب الفلسطيني.