| 

بعدما صُنّفت مُقترحات توزيع حركة "حماس" أراضٍ حكوميّة على موظّفي حكومتها السابقة في غزّة في خانتي التسريبات حيناً والشائعات أحياناً، أسدل زياد الظاظا، عضو المكتب السياسي للحركة ووزير الماليّة السابق في حكومة "حماس"، الستار نهائيّاً على الغموض والتشكيك الملاصقين للقضيّة، مؤكداً أنّ "الأسابيع القادمة ستشهد توزيعاً لمستحقات الموظّفين، عن طريق توزيع الأراضي، وتصفير حسابات الموظّفين من ديون البلديّات والكهرباء، ضمن خطّة لحل أزمة رواتب ومُستحقات الموظّفين".
كلمات الظاظا التي قطعت الشك باليقين حول تداول الموضوع حول الكواليس المُغلقة منذ شهور، أبقت على الالتباس المُحيط بتفاصيل الخطّة المطروحة لسداد مُستحقّات الموظّفين، والبنود المرتبطة بها. واكتفى الوزير السابق بالقول إنّ توزيع المستحقات سيتم عبر تقسيم من 965 إلى 1200 دونم من الأراضي الحكومية من مناطق شمال وجنوب قطاع غزة، بالإضافة إلى تصفير حسابات الموظفين من ديون البلديات والكهرباء. ولم يوضح الظاظا قيمة مُستحقات الموظفين على الحكومة.
"موظفو حماس السابقة":
بلا رواتب لعامين
الموظّفون المعروفون باسم "موظّفي حكومة حماس السابقة في غزّة"، لم يستلموا رواتبهم كاملة منذ أكثر من عامين، في حين تصرف لهم حركة "حماس" من مصادرها الخاصة كلّ فترة وأخرى مبلغاً لا يتجاوز ثلاثمئة دولار أميركي كجزء من رواتبهم، وبنسبة لا تتعدّى 40 في المئة من الراتب، مُقابل التزامهم على رأس عملهم. إذ ترفض حكومة التوافق الوطني إدراج هؤلاء الموظّفين ضمن كشوفات الموظّفين التابعين للسلطة الفلسطينيّة في رام الله.
في اتفاق المُصالحة الأخير بين حركتي "فتح" و "حماس" الذي وُقّع في نيسان / أبريل 2014، اتفق الطرفان على ضرورة إيجاد حلّ عادل لكافة الموظّفين الذين عيّنتهم "حماس" في حكومتها في غزّة بعد أحداث الانقسام المؤسفة صيف العام 2007، ودمجتهم مع الموظّفين التابعين لرام الله، وصرفت رواتبهم. إلا أن القضيّة ما زالت عالقة حتى الآن، ما دفع بحركة "حماس" إلى صرف سُلف ماليّة صغيرة لموظّفيها لحين تدبّر الأزمة، ما أدّى إلى تراكم مُستحقات الموظّفين على حكومة "حماس"، إلى أن قرّرت الأخيرة توزيع أراضي حكوميّة على موظّفيها مُقابل مُستحقاتهم الماليّة المُتراكمة.
إشكالية "الأرض ملك الشعب"
أثار القرار جدلاً حاداً في الشارع الفلسطيني، حتّى داخل أوساط آلاف الموظّفين الذين عيّنتهم حركة "حماس" إبان حكمها لقطاع غزّة، والذين يستهدفهم هذا القرار بشكلٍ مُباشر، من مُنطلق أنّ الأراضي الفلسطينيّة الحكوميّة هي ملك لكل الشعب الفلسطيني. كما لا يجوز لحركة "حماس" مُنفردة من دون تشاور وطني، وبقرار المجلس التشريعي، القيام بمثل هذا الإجراء الذي من شأنه تعميق الخلافات بين حركتي "فتح" و "حماس" بدلاً من تقليص الهوّة بين الطرفين.
في هذا الصدد، استبق المجلس التشريعي في غزّة تحرّكات حكومة الوفاق في رام الله، وأعلنت "كتلة التغيير والإصلاح" التابعة لحركة "حماس"، التي اجتمعت من دون التئام باقي الكُتل والأعضاء، البدء بتنفيذ قرار توزيع الأراض الحكومية على الموظفين الذين عينتهم "حماس" بعد أحداث منتصف حزيران / يونيو2007، بدلاً من مستحقاتِهم المالية. ما أثار انقساماً بين المواطنين في الشارع الغزّي بين مؤيد ومعارضٍ، وآخر مُحذّر من التبعات المترتبة عليه، كونه لم يأت بتوافق بين الفصائل أو من قبل حكومة الوفاق الوطني والرئاسة في رام الله.
المدير العام التشريعي في غزة، نافذ المدهون، قال في تصريح أدلى به إثر جلسة خاصة لإقرار مشروع توزيع الأراضي عقدت في مقر المجلس، إن "المجلس أقرّ مشروع الجمعيات الإسكانية ببنوده كافة، وأُعطيت الصلاحيات الآن لسلطة الأراضي ـ تديرها حركة "حماس" ـ لتنفيذ المشروع والبدء به". وأكد أنّ "المشروع الآن لدى صلاحية سلطة الأراضي للتنفيذ، فيما سينفذ دوره المجلس التشريعي في إطار الرقابة عليه".
آلية التنفيذ:
الجميع، موافقون أو لا
قصدت "السفير" الجهات المُختصّة للوقوف على الآليّات والترتيبات التي تتعلق بتنفيذ قرار توزيع أراض حكوميّة على موظّفي غزّة بدلاً من مُستحقاتهم الماليّة المُتراكمة على حكومة "حماس" السابقة في القطاع. مصدرٌ خاص فضّل عدم نشر اسمه، أشار أنّه في البداية سيتم خصم المُستحقّات المُترتبة كافة على الموظّف لصالح الحكومة من مجموع مُستحقاته الماليّة، سواء كانت فواتير مياه، كهرباء، شركة جوال، أقساط قروض البنوك، وأي فواتير أخرى متأخرة تتعلّق بذلك، لافتاً إلى أنّ الخصم سيطال جميع الموظّفين، بغض النظر عن موافقته على المشروع أو لا.
أضاف المصدر المُقرّب من اللجنة التي شكلت بقرار من المجلس التشريعي، وتضم وزارات المالية والإسكان وسلطة الأراضي بموجب قانون 2/2015، والمخولة بالبت في هذا الموضوع المُثار، أنّه في شهر ديسمبر / كانون أول الجاري سيظهر جدول لجميع الموظّفين على الحاسوب الحكومي يوضّح لكل موظّف قيمة ما تم استقطاعه من مجموع مُستحقاته الماليّة على الحكومة، والجهة المُستقطِعة، وخانة ثالثة لما تبقّى من مُستحقات.
مع بداية شهر يناير / كانون الثاني، وعلى صفحة الحاسوب الحكومي الالكتروني ذاتها، وهي قاعدة بيانات لكلّ موظّف / ة في غزّة صفحةٌ له / ا عليها باسم مُستخدم / ة ورقم سرّي، سيتم إدراج مُخطّطات الأراضي المنوي توزيعها على الموظّفين، وأماكنها، وسعر كلّ منها، مع العلم أنّ عدد المشتركين في قطعة الأرض الواحدة سيكون ما بين 20-30 موظّفاً، بحسب قيمة المُستحقات وسعر الأرض الذي ستحدده الحكومة.
المصدر أشار إلى أنّه يحق للموظّف اختيار المُشتركين معه في قطعة الأرض، كما بإمكان الموظّف المتزوّج من موظّفة جمع مُستحقاته ومُستحقات زوجته. أمّا الموظّف الذي ستكون مُستحقاته أقل من النصاب فسيحسب له ما نسبته 25 في المئة من مُستحقات العام 2016، مبيّناً أنّه تم فرز ثلاث قطع أراضي حكوميّة لصالح التوزيع، الأولى في شمال غزّة وسعر المتر الواحد فيها 100 دينار أردني، والثانية في جنوب القطاع وسعر المتر 150 دينار أردني، والثالثة غرب القطاع، بالقرب من شاطئ البحر، وسعر المتر فيها 350 دينار أردني. وبناءً على هذه الأسعار، سيتم شراء قطعة أرض لكل موظّف بعد استقطاع الفواتير المتراكمة عليه.
جمعيّات إسكانيّة!
في تصريحات مُبطّنة للتخفيف من وطأة القرار الذي أثار غضب غالبيّة الفلسطينيين، قال مدير سلطة الأراضي في غزّة إبراهيم رضوان، لصحيفة "الرسالة" المُقرّبة من حركة "حماس" في غزّة، إنّ ما يتم الحديث بشأنه هي "مشاريع إسكانيّة" ضمن ما تسمّى بالجمعيّات الإسكانيّة. وهي تشمل جميع المواطنين، وليس فقط الموظّفين المحسوبين على الحكومة في القطاع. وأوضح أنّ هذه المشاريع هي عبارة عن جمعيّات إسكانيّة قائمة على أرض يشترك فيها من 20-40 مواطناً، ويقومون بالبناء عليها، معتبراً أنّ هذه الآليّة "معمول بها من الحكومة في مشاريع إسكانيّة عدة، سواء كان في عهد تأسيس السلطة الفلسطينيّة، أو في عهد الحكومة الماضية التي أقرّت في العام 2012 مشروعات إسكانية عدة".
رضوان، المحسوب تنظيميّاً على حركة "حماس"، أشار إلى أنّ الوزارات المعنيّة ستعلن قريباً لكل المواطنين عن آليّة لمن يرغب في الحصول على شقّة من خلال التسجيل عبر الحاسوب، مبيّناً في الوقت عينه أنّ ما يميّز الموظّف هو أنه سيدفع قيمة مساهمته في الجمعية من مستحقاته. وبخصوص الأراضي، أشار إلى أنّ التوزيع سيكون من خلال لجنة تخصيص الأراضي وهي لجنة من وزارات عدة ومقرة قانونياً من المجلس التشريعي ـ الذي عُقد بكتلة "حماس" فقط ـ، مبيناً أن الموظف له الحق في التصرف بنسبته في الجمعية سواء كان بالبيع أو البناء عليها.
طبقاً لإحصائيات وزارة المالية في غزّة، فإن عدد الموظّفين التابعين لحكومة حماس السابقة 42 ألف موظّف، بينهم حوالي 5794 محسوبين على الفئتين العليا والأولى في الشق المدني، بينما تقدر المصادر حوالي 5 آلاف موظف مستفيدين من مرابحات مصرفي "الوطني الإسلامي" و "الإنتاج" في قطاع غزة. ويتوجب على الحكومة الملايين من الأموال كمستحقات للموظّفين الذين لا يتقاضون رواتبهم منذ تشكيل حكومة التوافق قبل عامين ونصف.
الناس بين مُؤيّدٍ مضطر ومُعارض
الموظّف الحكومي سليمان مصطفى لا يُبدي أيّ اعتراض على قرار "حماس" في ما يتعلّق بحالته الشخصيّة، كونه سحب من المصرف الذي يتقاضى راتبه منه قرضاً مالياً قبل عامين، ولم يستطع سداد أقساطه حتّى الآن نتيجة عدم تلقيه راتباً كاملاً. يقول في حديث إلى "السفير": "على الأقل، مُستحقاتي ستذهب لسداد القرض الذي أنهك راتبي، خاصة أنّ قيمة مُستحقاتي الماليّة التي تُقارب سبعة آلاف دولار أميركي تكفي تماماً لسداد قيمة القرض المُستحق عليّ".
كذلك، يستعد الموظّف صبري المدهون لجمع مُستحقاته ومُستحقات زوجته الموظّفة الحكوميّة هي الأخرى، واستبدالهما بقطعة أرض واحدة من ضمن الأراضي التي سيتم توزيعها على الموظّفين، ومن ثم سيقوم ببيعها واسترداد مُستحقاته نقداً: "لديّ التزامات كثيرة، منها ديون متراكمة منذ أكثر من عامين نتيجة عدم تلقينا رواتب كاملة من شهور، سأعمل على سدادها أولاً، ومن ثم تجهيز شقتي السكنيّة، والانتقال إليها بعدما عانيت مرارة استئجار الشقق".
يعيش المدهون وزوجته وطفلته التي لم تتجاوز عامها الأوّل في شقّة بالإيجار في مدينة غزّة، يبلغ قسطها الشهري حوالي مئة وخمسين دولاراً أميركياً. وعلى الرغم من كونه هو وزوجته موظّفين حكوميين، إلا أنّه يُكابد صعوبات جمّة في توفير إيجار الشقّة التي يسكنها، ما جعل الأقساط تتراكم عليه. يؤكدّ لـ "السفير" أنّه ينوي تشطيب شقّته السكنيّة وتجهيزها والانتقال إليها بعدما يبيع قطعة الأرض التي سيستلمها بموجب القرار الأخير الخاص بمستحقات الموظفين في غزة.
في المقابل، يرفض الموظّف الحكومي هاني أبو رمزي رفضاً قاطعاً قرار توزيع أراضٍ حكوميّة على الموظّفين بدلاً من مستحقاتهم الماليّة. ويقول لـ "السفير": "عندما وقعت عقد عملي مع الحكومة، وقعته مُقابل مبلغ ماليّ أتقاضاه شهريّاً وأعيل به أسرتي. لم أوقع عقد عمل مقابل أراضٍ حكوميّة"، داعياً حركة "حماس" في غزّة إلى العدول عن هذا القرار، خاصة أن الأراضي الحكوميّة هي ملك لأبناء الشعب الفلسطيني كافة، ولا يحق للحركة التصرّف بها على هذا النحو.
ويُضيف لـ "السفير": "توزيع الأراضي يعزز الانقسام، ويؤكد سيطرة "حماس" بالسلاح على القطاع، وأنها لم تغادر الحكم"، وقال: "اليوم، يتأكد مرة أخرى أن حركة حماس هي التي تتحكّم في قطاع غزة، وليست حكومة التوافق الوطني. وإقدامها على توزيع قطع من الأراضي ما يقارب الألف دونم على الموظّفين يؤكد أن عقبات إضافية جديدة توضع في طريق إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية".
مُعارضة سياسية واسعة
لاقى قرار حركة "حماس" توزيع أراضٍ حكوميّة في قطاع غزّة على موظّفيها مُعارضة واسعة من كافة أطياف الشعب الفلسطيني، حتّى أن البعض شبّه وعد الظاظا بتوزيع الأراضي بوعد بلفور! وقال عضو المكتب السياسي لـ "حزب الشعب" وليد العوض أن الفصائل الفلسطينيّة في قطاع غزّة ستعقد اجتماعاً لمناقشة قرار حركة "حماس" توزيع الأراضي على الموظفين في إطار الحلول التي وضعتها الحركة لحل أزمة الموظفين، للتأكيد على رفض القوى الوطنية لقرار توزيع الأراضي بهذا الشكل غير القانوني، بالإضافة لمتابعة الأنشطة الخاصة بدعم الهبّة الجماهيرية.
ولفت إلى أنه لا يناقش مشروعية وحق الموظفين الذين عملوا بعد العام 2007، في حل لمشكلتهم، لكنه أكد أنه لا يجوز أن تحل مشكلتهم بهذه الطريقة غير القانونية: "الأراضي هي ملك للشعب الفلسطيني وليست ملك لحماس أو لأي فصيل فلسطيني، والأصل أن يجري البحث عن معالجة المشكلة استناداً لتفاهمات اتفاقي القاهرة والشاطئ، وما جاء بالورقة السويسرية".
واعتبر أن حل هذه المشكلة بهذه الطريقة غير القانونية والمخالفة لكافة الأعراف يفتح المجال أمام التنظيمات للسيطرة على مساحات من الأراضي، ما يعني أن الأجيال المقبلة لن تجد أي فرصة أمامها لاستغلال تلك الأراضي ومواردها.
أما حركة "فتح" فقد اعتبرت قرار توزيع الأراضي على الموظفين كحل لمشكلة الرواتب "خطيراً" يفتقد لأي معايير وطنية أو سياسية، وهو إجراء غير شرعي. وقال فايز أبو عيطة، المتحدث باسم حركة "فتح"، إن خطورة القرار تكمن في تفرّد حركة "حماس" في اتخاذ مثل هذا القرار، وعدم اعترافها بحكومة التوافق وتمكينها للعمل على حل القضايا العالقة، بما في ذلك موضوع الموظفين، وهي تقدم اليوم على حل غير قانوني لهذه المعضلة.
كما استنكر محمود الزق، القيادي في "هيئة العمل الوطني"، القرار معتبراً أنّ "هذه الخطوة تأتي لتكريس الانقسام، ولا يمكن حل مشكلة رواتب موظّفي حركة حماس بهذا الإجراء". وشدد الزق أن من اتخذ هذا القرار يدرك تماماً أنّه لا يمتلك أي شرعية لاتخاذ قرار كهذا من دون شرعية دستورية ولا شرعية وطنية، مشدداً أن هذه الأملاك ملك للشعب، ولا يمكن أن تكون في موقع مبادلتها بمتأخرات الموظفين.
وقال الزق: "إصرار حماس على هذه الخطوة يؤكد على تمسكها بالسلطة رغم كل التوافقات التي تمت، ورغم إدراكها أن هناك حكومة تمتلك الشرعية"، مشدداً أن القوى الوطنية والإسلامية كافة عبّرت عن رفضها لهذا القرار، والغالبية من الشعب الفلسطيني ترفض هذا القرار، وحماس ستجد نفسها منفردة أمام هذه الجماهير التي ترفض هذا القرار.