| 

حرصت آلة الدعاية الإسرائيلية، وباعتراف مسؤولين وضباط سابقين وكتّاب بارزين، على المبالغة بتصوير قدرات أجهزة مخابراتها، وبنت أسطورة حول "الموساد"، جعلت منه "جهاز المخابرات القادر على كلّ شيء".
قدّموا الهدف من المبالغة على أنه تعزيزٌ لقدرة إسرائيل على الردع. ولتحقيق هذه الغاية، أبقت إسرائيل إخفاقات أجهزتها الاستخبارية بعيدة عن العيون.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج إخفاقات منظومة الاستخبارات الإسرائيلية في مجال الحرب السرية.
في هذا العدد، سنعرض قصة، مؤيد، وهو فلسطيني أطاح بألمع ضباط "الموساد" في أوروبا في عقد السبعينيات. في الشهر المقبل، سنروي حكاية سقوط ضابطٍ رفيع في فخّ أعدّته له المخابرات السورية. ونختم السلسلة، التي بدأناها باختراق المخابرات السوفياتية لاسرائيل، بالتطرق إلى إخفاق مشروع أداره "الشاباك" لاختراق فلسطينيي الداخل.

أنس أبو عرقوب

ولد باروخ كوهين في العام 1936 في حيفا، لأسرةٍ من أصول شرقية تتحدث بالعربية، مكونة من ثمانية أشخاص من الجيل الخامس في البلاد. ثلاثة من اخوته كانوا أعضاءً في "منظمة الارغون"، أحدهم قتل في حرب العام 1948. في العام 1952، التحق، باروخ بوحدة "الناحال" بالجيش، وكان جندياً متفوقاً، وشارك إلى جانب 130 جندياً إسرائيلياً بـتنفيذ مجزرة قبية تحت قيادة ارائيل شارون، في فجر يوم الخامس عشر من شهر اكتوبر / تشرين الأول من العام 1953. سقط في المجزرة حوالي 69 نسمة، من بينهم أطفال ونساء وشيوخ، بعدما فجّرت القوة المهاجمة 45 منزلاً بساكنيها، مستخدمةً 700 كيلوغرام من المتفجرات.
في نهاية عقد الخمسينيات، انضم كوهين لجهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك"، وشغل وظيفة "مُركّز" في شمال فلسطين داخل الخط الاخضر. وقضت مهمته بجمع المعلومات عن الفلسطينيين، القضاء على التوجهات القومية بينهم، وتجنيد الجواسيس. خلال تلك الفترة، نجح كوهين بفكّ ألغاز قضايا هامّة ما زالت سرية حتى الآن، من بينها: اعتقال جاسوس قدّم معلومات هامة عن استعدادات الجيش السوري قبل حرب العام 1967.

داخلياً، إخضاع نابلس
بعد احتلال الضفة الغربية خلال حرب حزيران، أرسل "الشاباك" كوهين، ليشغل منصب "مُـركز" في نابلس، التي كانت تسميها اسرائيل في تلك الفترة "عاصمة الهجمات الإرهابية". وعن الدور الذي أداه كوهين هناك، يقول بردي عيني، وهو ضابط متقاعد من "الموساد" سبق له العمل في "الشاباك" خلال فترة وجيزة، أن كوهين أخضع البلدة القديمة من نابلس، "وكانت القضية الأكثر شهرة في الاعلام بعدما كشف النقاب عنها كوهين، هي قضية التنظيم الذي انشأه المناضل داوود تركي وضم إلى صفوفه يهودا معادين للصهيونية، كان يقودهم اودي اديب".
سامي نس، رفيق درب كوهين في "الشاباك" ولاحقاً في "الموساد"، يستذكر قضية داوود تركي: "نجحنا نحن الاثنين في أن نكون فنانين بمجال التحقيق بتلك القضية، أحيانا هو أدى دور الشخص المحترم، وأنا كنت أؤدي دور المحقق الصلب، لأنه كان شخصاً قصير القامة ولطيفاً، ويملك القدرة على الحديث". وعن الرجلين، يقول رئيس "الشاباك" الأسبق يعقوب بيري: "سامي نس وباروخ كوهين، منعا الآلاف من الهجمات الارهابية، واعتقلا وقتلا المئات من المخربين. باروخ كان يملك قدرة نادرة على التودد لخصومه".
في مطلع عقد السبعينيات واجهت جهاز المخابرات "الموساد" موجة العمليات الكبرى في الخارج، مثل خطف طائرة سابينا، وعملية مطار اللد، والسيطرة على سفارة اسرائيل في العاصمة التايلندية بانكوك، فكان لزاماً على "الموساد" بناء شبكة استخبارية في أوروبا. بحث عن "مستعربين" لتأدية هذه المهمة، ولم يجد ملائماً لهذه المهمة أكثر من باروخ كوهين، الذي سافر الى العاصمة البلجيكية بروكسيل مع اسرته متنكرا بصفة رجل اعمال.
عن صفات كوهين الشخصية، يقول نائب رئيس "الموساد" الاسبق نحمان تال، أن كوهين "قبل كل شيء، هو رجل عبقري، يقظ، نشيط وقادر على اختراع الحيل". أما تسفي زامير، رئيس جهاز "الموساد" الأسبق، فرسم آلية عمل كوهين في أوروبا على النحو التالي: "عندما تعمل بمثل هذه الوظائف فإنك تصبح قائد نفسك. لقد قرر انه قائد نفسه، وقال لنفسه: أنا أعرف ما الذي يتوجب عليّ فعله، وانا من سيؤدي العمل".
وظيفياً، "كان يعمل في مجال جمع المعلومات الاستخبارية، وفي تشغيل الجواسيس". بهذه الكلمات، لخّص رئيس قسم التحقيق "الشاباك" السابق الذي انتقل إلى "الموساد" في أوروبا في تلك الفترة. هذا المجهود كان يستهدف نشاط الفصائل الفلسطينية وحلفائها في أوروبا. ولتحقيق تلك الغاية، كان كوهين يجوب العواصم الأوروبية، مستخدماً أكثر من اسم مستعار.

الانتقال إلى أوروبا
بلغت الهجمات التي استهدفت الاسرائيليين في أوروبا أوجها مع عملية احتجاز اللاعبين الاسرائيليين في دورة الالعاب الاولمبية التي استضافتها ميونيخ الألمانية. صادقت لجنة ترأستها رئيسة الوزراء غولدا مائير وضمت وزير جيشها موشي ديان، ووزيرين آخرين، ورئيس "الموساد" تسفي زامير، على عملية "غضب الرب" الهادفة لاغتيال عناصر منظمة "أيلول الاسود" وقادتها المتواجدين في أوروبا.
تحديد أماكن تواجد قادة عناصر "ايلول الاسود" كان مهمة شاقة. فهم نشطون في دول عديدة في أوروبا، ملتزمون بقواعد العمل السري بصرامة، تحسباً لاستهدافهم بالاغتيال من قبل "الموساد" الذي سبق له أن اغتال في تلك الفترة شخصيات فلسطينية وعربية. اعتمد "الموساد" على الجواسيس للعثور على نشطاء "ايلول الاسود"، تمهيداً لاغتيالهم بطريقة "نظيفة" بمعنى ألا تتم ادانة اسرائيل بتنفيذ تلك الاغتيالات.
في نهاية العام 1972، تعرَّف باروخ كوهين على طالب طب جامعيّ فلسطينيّ يدعى، بحسب وسائل الاعلام الاسبانية، سمير أحمد مؤيد. باروخ كوهين التقى به في مدريد، وأراد الحصول منه على معلومات حول النشطاء الفلسطينيين في اسبانيا. لم يكن، باروخ يعلم أن مؤيد يعمل لصالح "أيلول الأسود"، وأنه جاسوس مزدوج.
كما يبدو، فإن كوهين كان يشُك بمؤيد، فتوجه إلى قيادة "الموساد" وأشرك معه بالعملية ضابطا آخر من "الموساد" يدعى ايلي عيزر تسفرير، لأنه اعتقد بامتلاكه خبرة تؤهله لتحليل شخصية مؤيد. ولكن ذلك الضابط لم يلتقِ سريعاً بمؤيد لتواجده في اسرائيل؟
وتبين لاحقاً، بحسب ايلي عيزر تسفرير، أن مؤيد هو عضو في حركة "فتح": "الجاسوس كان ولاؤه كما اتضح لحركة "فتح"، التي قالت له: اذهب ولا تقلق، نحن سنحميك. وكوهين لم يكن يعلم أن "ذنبه" سيمتشق مسدساً ويقتله".

على الرصيف
ضابط "الموساد" سامي نس حذّر كوهين من مؤيد، ولكنه بقي على اصراره رغم القلق. التقى كوهين بمؤيد في أحد مقاهي مدريد، في السادس والعشرين من شهر يناير / كانون الثاني عام 1973. وعندما غادرا المكان من أجل الذهاب الى مكان آخر، وعلى الرصيف، ظهر شخص ما، أطلق النار على باروخ من الخلف.
ست رصاصات أطلقها منفذ عملية الاغتيال على كوهين، خارج المقهى، قبل أن ينسحب هو ومؤيد، تاركين خلفهما جثة هامدة. بعد مقتل باروخ كوهين، تم تغيير إجراءات الحراسة على ضباط "الموساد" وجواسيسه بشكل كامل في الخارج. ونشرت الصحافة الاسبانية خبراً مفاده أن رجل أعمال إسرائيليا قد قتل.
جنازة باروخ كوهين تمت في المقبرة العسكرية في حيفا، ولم يشارك فيها غالبية رفاقه من "الموساد". إذ لم يتم السماح لهم بمغادرة أوروبا لتوديع باروخ كوهين لانشغالهم بـ "حرب الظلال". وحضرت غولدا مئير إلى بيت الأسرة وقدمت التعازي.
مؤيد، الجاسوس المزدوج، هرب من إسبانيا، ويعيش الآن كما يبدو في تونس. ومنفذ عملية الاغتيال لم يتم إلقاء القبض عليه حتى الآن، بحسب معلومات "الموساد".
ولكن الانتقام من مؤيد ظل حلماً يراود سامي نس: "أنا بشكلٍ شخصيّ، إذا علمتُ بمكان تواجد الرجل الذي قتل كوهين، لن أتردد، بشكل شخصيّ، ورغم كبر سني، وكلّ السنوات التي انقضت، في الانتقام والأخذ بثأر باروخ كوهين بيدي".