| 

الزجل الشعبي أو الحِداء أو ما يُعرف بـ "الحدّاية"، يقع في صلب التراث الفلسطيني، رسمه الأجداد ونقلوه للأحفاد، واحتفظ بملامحه وألوانه لعقود طويلة.
وعلى الرغم من عمق جذوره في التاريخ إلا أنه يُعاني في الحاضر حالات مدٍ وجزر مع تبدّل العصور.. البعض بات يرى أن الحاجة لمواكبة روح العصر، خاصة الموسيقى الحديثة، أصابت الزجل في مقتلٍ. في المقابل، يرى آخرون أن الزجل معين ماءٍ لا ينضب، وسيبقى محتفظاً بموقعه المميز، خاصة في الأعراس الشعبية الفلسطينية.

سهرةُ الزجل
يُقلّب مفيد القاسم بيديه ألبوم صورٍ قديماً من سهرةِ زفافه الشعبية وزفّته في اليوم التالي، ويروي أن مراسم الأعراس الفلسطينية كانت تبدأ بسهرةِ الرجال أو ما يُطلَق عليه "السَحجة"، يتم تنظيمها في ساحةٍ عامةٍ وغالباً وسط القرية. قبل العام 1965، كانت معظم الأرياف الفلسطينية توقِد النيران وسط الساحة بغرض إضاءتها فتبقى مشتعلةً طيلة الليل، يتحلق حولها الحضور الذين يصفّقون ويُشاركون العريس فرحته. ومن هنا جاءت "حلقة السحجة الدائرية" الموجودة حتى الآن، ثم تطورت الإضاءة مروراً بتعليق مصابيح الكاز على مناطق مشرفة على الساحة، وصولاً إلى الكهرباء.
في ستينيات القرن الماضي، كان الزجّال يتغنى شفوياً بصوتهِ بلا معدّات كمكبرات الصوت التي دخلت عالم الزجل بعد ذلك. أما الآلات والمعازف فبقيت ثابتةً في التراث، كالربابة والشبابة واليرغول والعود، فينتظر الجمهور بشغفٍ فقرة الدبكةِ الشعبية التي كانت تؤدي الآلات الموسيقية القديمة فيها الدور الأساسي، بحسب القاسم.
يتحدث الزجّال لؤي عاصي لـ "السفير" بإسهابٍ عن مراسم الزفاف الفلسطيني الذي يحضره الزجل الشعبي، مشيراً إلى أنها تُقسم إلى قسمَين، أولهما سهرة الرجال ليلاً، وتليها الزفّة في ظهر اليوم التالي. ويتابع: "يستمر الزجّالان بالحداء والغناء من بعد صلاة المغرب حتى منتصف الليل، وتستهل السهرة فقراتها بوصلاتٍ زجليةٍ ذات مضامين روحانية تعكس طبيعة المجتمع والمحيط، وتحوي الصلاة على النبي والتحميد والتسبيح وذكر الله، ثم تليها فقرتا "العتابا" والمعنّا" المترافقين معاً لتختبرا قدرات الزجاليّن على الارتجال والحوار في مواضيع محددة وعلى وزنٍ ينتهي بقافية حرفٍ واحد طيلة الحوار. ومن يستسلم في النهاية يكون خاسراً للتحدّي الزجلي في السهرة".
يتابع عاصي: "قبل انتهاء السهرة، تتم حلاقة شعر العريس وتزيينه، بالتزامن مع الأهازيج الزجلية التي يُشارك فيها. "الردّادة" هو مصطلح يُطلق على إعادةِ كلماتِ الأهزوجة وغناء الجمهور لها بين كلامِ الزجّالين في الأهزوجة ذاتها". ومن أبرز الوصلاتِ الزجلية في سياق حلاقة العريس: "إحلق يا حلاق بموس الذهب.. إحلق يا حلاق لزين الشباب".
تختتم سهرة الرجال فقراتها الزجلية بـ "حنّاء العريس" تمهيداً لإيصاله بالسلامةِ نحو والدته التي تنتظره. ومن الأهازيج والوصلات الزجلية الخاصة بالحناء والتي تعكس البُعد العربي والتاريخي للأرض الفلسطينية، قول الزجّال مثلا: "حَنّي يا محَنّي زين العرسان.. الحنا من عنا والعطر من عمّان"، "حِنّا يا حنا يا ورق التوت.. الحنا من عنا والبدلة من بيروت"..
ولا تغيبُ وصايا الزجّال للعريس ببر والدته في نهاية السهرة، بحكم أنه مُقبل على مرحلةٍ حياتية جديدة، فتقول الأهزوجة الشعبية: "مِد إيدك حنّيها يا عريس مِد إيدك حنّيها يا لالا.. وإمك لا تجافيها يا عريس وإمك لا تجافيها يا لالا"، وفق الزجّال عاصي.

زفّة العريس
ينتقل الزجّال لؤي عاصي بحديثه إلى القسم الثاني من العرس، "الزفة". فيها، يبدأ الزجالاّن بالتغني بألوانٍ هادئةٍ صباحاً كأداء العتابا والشروقي والقصائد الشعرية حتى قبل صلاة الظهر. وبعدها، يذهب الزجالاّن برفقة أهالي القرية الى البيت الذي من المقرر أن يتم فيه حمام العريس. طوال الطريق، يتغنّى الزجالان بالأهازيج والوصلات الشعبية.
عند وصولِ الزفّة إلى باب بيتِ الشخص المُضيفِ لحمام العريس، يُبادلهُ الزّجالان التحية عبر وصلةٍ زجليةٍ متعارف عليها: "يا أبو فلان لاقينا ع باب البوابة". وبالتزامن مع خروج العريس مكتمل الزينة ومُمتطياً ظهر فرسٍ أصيلة، تبدأ أغاني خروج العريس من الحمام مثل: "طلع العريس من الحمام.. الله واسم الله عليه"، "طلع العريس الغالي مثل البدر بلالي". ثم تتوجه الزفّة مشياً على الأقدام وتخترق الشوارع برفقة النساء في الصفوف الخلفيةِ إلى مكان "الصمدة". وعندها، تفترق النساء عن الرجالِ، ويتم "نقوط العريس" بإعطاء كل شخصٍ مبلغاً مالياً له بحسب مقدرة الشخص أو غلاوة العريس عنده، يقول عاصي.
بعد انتهاء الزفّة، يتجلّى الكرم الفلسطيني عبر فقرة "طعام الغداء" التي تعقُب الزفّة. وغالباً ما تكون الأكلةُ "المنسف"، الذي يكفي جميع المعازيم من الحضور.

الموسيقى رفيقةُ الزجل
اليوم، كثيرٌ من القرى ومناطق الريف الفلسطيني ألغت "سهرة الرجال" و "الزفّة النهارية" من قاموس تراثها، واستبدلتها فقط بمجريات صالات الأفراح. لكن آخرين صاروا يفضلّون جمع "الزفّة والصالة" في اليوم ذاته. وحتى من يفضّلون سهرة الرجال، أصبحت الموسيقى الحديثة ترافق الزجل الشعبي فيها، ما أدى إلى حالة جدلٍ واسعٍ في صفوف الشارع.
يوضح الفنان شادي البوريني لـ "السفير" أن الحفلات الزجلية القديمة التي كانت تتكون من شاعرَين اثنين ومكبّرات صوت فقط، غدت اليوم "شبه منقرضة"، ولم تعد موجودة إلا في بعض القرى والبلدات التي تُعدّ على الأصابع. أما على صعيد الزجل أو "الحدّاية" كفنٍ تراكمي فقد شهد تطوراً بزخمٍ واسع، ويصف البوريني هذا التطور بـ "النقلة النوعية" عبر دمج الموسيقى الحديثة بالزجل ومرافقتها له ضمن طبقاتٍ وألحانٍ ومقاماتٍ معينة.
"الموسيقى ساهمت في انتشار الزجل الشعبي واتساع نطاقه وزيادة شهرته في الأراضي الفلسطينية، أهل بيت لحم والخليل وغزة وغيرها من المناطق عرفوا الزجل القديم حديثاً عقب دمجه بالموسيقى" يقول البوريني. ويعزو ذلك إلى أن إدخال الموسيقى أكسب الزجل مرونة وجعله مناسباً لمختلف أذواق الناس، بالإضافةً إلى تناول "الزجل الموسيقي" مواضيع تعبّر عن نبض الشارع وهمومه والأحداث الجاريةِ في المحيط القريب. ويرى البوريني أن الحفاظ على ألوان الزجل الشعبي بقيمه ومعانيه الأصيلة منوطٌ بمستوى الاهتمام الثقافي والاعلامي.

فنٌ يبقيه المتمكّن منه
يلخّص الزجّال الشعبي نظام سلمان لـ "السفير" صفات الزجال المتمكّن في امتلاكه موهبة الارتجال، وسرعة البديهة، ومواكبة الأحداث متنوعةِ المواضيع، واطلاعه على التاريخ والثقافات المختلفة، بالإضافةً إلى ضرورة وجود خلفيةٍ ثقافيةٍ تتعلق بالأدب العربي وقصصه القديمة.
واليوم، يقول سلمان إنه يرى أن كل المحاولات التي سعت إلى تهميش الزجل الشعبي الأصيل وإقصائه باءت وستبوء بالفشل، لأنه "فنٌ قائم بذاته"، و "يحاكي مشاعر الجماهير وأحاسيسها، محرّكاً فيها العاطفة والحنين لا شعورياً".
ويدلل سلمان على رسوخ الزجل في الأذهان بما وصفه بالتفاعل الكبير الذي يُبديه الجمهور في أي سهرةٍ زجليةٍ بلا موسيقى. ولا ينكر سلمان أن الموسيقى الحديثة اقتطعت حيزاً لا يُستهان به من وقت الزجل الشعبي القديم، خاصة خلال سهرات الزفاف الشعبية، لكنه يرى أنها لم تُلغِ الزجل بل أعطته زخماً قوياً عندما رافقته.
على صعيد المعاني التي تُترجمها الوصلات الزجلية، يشرح سلمان أن مسيرة الزجل الفلسطيني رافقت محطات تاريخية من القضية الفلسطينية خاصة، والتاريخ العربي عامة. فحتى الآن، لا يزال الزجّال يغنّي الوصلة المشهورة: "هبّت النار والبارود غنّى.. أطلب شباب يا وطن وتمنّى"، وسلسلةً طويلة من الأهازيج القديمة الموجودةٍ منذ عقود طويلة. ويؤكد سلمان أن الزجل لا يتعارض مع روح العصر بل يواكبه ويسعى لتطويع الأحداث لإدخالها في الوصلات الزجلية: "فما دام الزجّال يمتلك الارتجال فهو يمتلك كل شيء، ويُجيد التعبير عما يجول في صدور المستمعين من الجماهير".
"الماضي أجمل":
جدلٌ حول التوأمة
لا مفر من استحضار الحنين عند مقاربة مجالات تراثية كالزجل. فيقول الشاب عبد الله أبو ناصر لـ "السفير" إن الزجل القديم كان أقرب للقلب والنفس، لأنه أكثر محاكاة للواقع من دون تكلفٍ أو ابتذال. ويسرد أحداثاً ومناسبات ومواسم فلسطينية معروفة"، ويستطرد أبو ناصر مستذكراً الأهازيج الخاصة بمواسم الزيتون وحصاد القمح "الحصيدة".
اليوم، غابت الأهازيج القديمة التي تختص بكل مناسبةٍ وموسمٍ، واختزل الجيل الجديد الزجل الشعبي فقط في فقراتٍ جزئية خلال سهرات الزفاف الشعبية في الأرياف، بعكس الماضي حيث كان الزجل الشعبي بأهازيجه وألوانه أشبه بـ "غذاء للروح" تحمله حناجر الأجداد في حلّهم وترحالهم، وفق أبو ناصر.
يتطرق أبو ناصر للأسباب التي تقف وراء تراجع دور الزجل الشعبي القديم وتهميشه، مشيراً إلى أن اختلاف ثقافات الأجيال وتباين مخزونها المعرفي وافتقادها لبساطة وعفوية القدماء تدريجياً، هي أبرز أسباب غياب الزجل أو "الحدّاية" الفلسطينية.
"الزجل والموسيقى توأمان". بهذه الكلمات، بدأ العازف مقبل عواد حديثه عن مدى تأثير الموسيقى الحديثة على الزجل "الحدّاية"، موضحاً أن الزجل ليس كلاماً نثرياً بل هو عبارة عن كلامٍ مقفى وموزون، وأبسط أشكال الوزن وجود الإيقاع، والموسيقى أساسها الإيقاع. وبالتالي، إن مرافقة الموسيقى للزجل أمرٌ بديهي طبيعي يزيد من قوة الزجل وشعبيته. ويرى عوّاد أن قرار المحافظة على الزجل الشعبي وديمومته يقع على عاتق الزجّالين الشعبيّين أنفسهم، داعياً إياهم لاستمرار التغنّي والحداء بالألوان التراثية الفلسطينية القديمة.
ويختلف الشاب عبد الله أبو ناصر مع الرأي الذي يعتقد أن الزجل والموسيقى توأمان، فيوضح أن صاحب الحنجرة التي ترافق الموسيقى يُطلَق عليه "مُطرب أو فنان"، لكن وصف "زجّال" لا يُطلق سوى على الذي يُتقن ملكة "الارتجال" بعفويةٍ ويكون جاهزاً لنظمِ القوافي والأهازيج بشكل دائمٍ من دون تحضيرٍ أو تجهيزٍ، بعكس حال المطربين الموسيقيين الذين يتغنون بالكلمات ذاتها في معظم حفلاتهم، بحسب أبو ناصر.
ويسخَر أبو ناصر من الحفلات الموسيقية الحديثة المُصاحبةِ لألوان الزجل، قائلاً: "قديماً، كان وقتُ كل دقيقةٍ من سهرة الزفاف الشعبية يتم استغلاله في وصلة زجلية تشمل وصية العريس بأمه، أو التغني بالانتماء للأرض والوطن. أما اليوم فالقسم الأكبر من وقتِ الحفلة يُخصص للأغاني الجديدة الهابطة التي تفتقر للمعنى الراقي القديم، إضافة لإرسال المطرب التحيات والسلام لعشراتِ الشخصياتِ من الحضور في الحفلة، حتى أن وقت الموسيقى يكون أكثر من وقت كلام الفنان في أي أغنية".