| 

في ميناء غزة، ذاك الخالي من كلّ شيء إلا الحياة، يتّخذ الخمسينيّ كامل توفيق بكر مسكنه الأول، بغض النظر عن امتلاكه لآخرَ في مخيم الشاطئ، غرب مدينة غزة. فالبحر هو بيته، فيما سواه ثانويّ ووسيلة حياةٍ لا أكثر. وأجد نفسي محتارةً في وصفه إن كان هو يسكن البحرَ، أم أن البحر يسكن فيه!
كيف يعمل الصيادون، ومتى يصطادون، وما هي آلياتهم؟ هل كلّ مَن يعتلي المركب ويرمي الشباك يُسمّى صيادًا؟ استجمعتُ رغبتي في خوض التجربة، واتفقتُ مع الصيّاد على أن يصحبني برفقته على مركبٍ، ويُحدّثني عن تفاصيل الصيد وأسراره، فكان ترحيبه محفزًا.
رحلة صيد فاخرة، برفقة العم كامل. فيها، استرجعنا سويًا 45 عامًا من الذكريات، وتعلّمت كيف تَزرعُ المهنُ صفاتٍ شخصية جديدة في أصحابِها.
عصرًا، تبدأ رحلة الإقلاع إلى حيث الوجهة التي فُطر عليها، بواسطة الوسيلة التي اعتادوا ركوبها. يتحضّر كامل وأبناؤه الستة متّخذين من المركب عبّارة إلى حيث الرزق والاعتياش، فيقول: "نحضر مونة "اللنش" بالكاز و "القومانية"، والأكل والشرب والدخان والأغراض". نستعد للإقلاع، وتستمر الرحلة حتى صباح اليوم التالي.


بداية الرحلة
"هيلا هيلايلا، ارزقنا يا الله". تبدأ الأهازيج بمجرد أن يقومَ أحدُهم في لَفِّ ماتور التشغيل، وينطلق المركب. يسير بنا لساعات في البحر، حتى يجيء الظلام فتشتعل الأضواء والكشافات المثبتة أعلى مركب الصيد وفي كلّ الاتجاهات.
لما تتراوح الساعة ما بين الحادية عشرة والثانية عشرة مساءً، يجتمع السمك. أشعر بأننا نغدر به أحيانًا، فالسمكة تتحرك على ضوء كشافاتنا لتبدأ سهرتها، فنكافئها بالسجن ونلقي بها في مصيرها الأخير.
نرمي "الغزل" في الماء، فالصيد يتطلب مغازلة السمك قبل صيده. وللصيادين قاموسٌ خاص لا يعترف كثيرًا بسيبويه، فالغزل في لغتهم هو "الشِباك"، ولا أظن الأمر بعيدًا في المعنَيين. فإذا أراد شخصٌ الإيقاع بشخصٍ في شباكه /ا غازله /ا، وإذا أراد الصياد إيقاع سمكة في شباكه، رمى غزله.
شِباك الصيد "الغزل" لها أنواع واستخدامات، كي لا تختلط الشباك بأخرى، ويثبت موقعها في الماء، ويعاودون جمعها مع أنها ترقد في الماء وتخرج محملة بما فيها من رزق. المعرفة بكيفية صناعة "الغزل" تجيب عن كل ما سبق. فمثلًا، الشباك تتصل بقطعٍ من "الفلين" في إطارها العلوي، ما يساعدها على الطفو على وجه الماء. كما يساعد الفلين على معرفة موقع الشبكة: فبينما يكون أسفلها مختفيًا في الماء، تلوح قطع الفلين الملونة بألوانٍ زاهية ليعرف موقعها من السطح.
أمسك الصياد كامل بالغزل، وتحدث إليّ كما لو أنه يتحدث في شأنٍ أمني: "شوفي يا بنتي، في آخر أطراف الشبكة، قطعٌ صغيرة من "الرصاص"، حبات دائرية مصبوبة، مثبتة أسفل الشباك، تزن تقريبًا 700-800 كيلوجراماً، وهو يساعد على تثبيت الشبكة في قاع البحر فيما يكون الفلين في الأعلى. وبهذا، تصبح الشبكة منتصبة وقوفًا في العمق، وأطرافها على السطح".
اتجاهات سير المركب التي تبدو للعين مستقيمة وعشوائية، هي ليست كذلك أبدًا. الآن، تبدأ مهمة الصيادين في الالتفاف بحركةٍ دائرية حول الشبكة الواقفة في عمق ماء البحر، بحيث تصبح دائرية. تهدف الحركات إلى تقريب المكان الأول الذي رُميت فيه الشباك من آخر مكان استقبلها.
في الشباك أيضًا ما يُسمّى "الحَلَق"، وهو تدويرة للتجميع، تقوم بتجميع الشِباك من أسفل، بحيث تصبح الشبكة مغلقة من الأسفل ومفتوحة من الأعلى. هي عمليّة "محاصرة السمك".
يحمل الغزل ما فيه من رزق البحر، يتضاعف وزن الشباك، فتروح سواعد الصيادين تتجهّز لسحب الشِباك من البحر وإعادتها إلى سطح المركب. يتم إخراج السمك من الغزل وتعبئته في "البُكَس"، أي الصناديق. كلّ هذه العملية تتم في الظلام، خلال آخر ساعات الليل، ليُباع السمك صباحًا للحِسبة – سوق السمك – التي تقع بالقرب من الميناء، يتلقى فيه الصيادون ويبيعون أسماكهم لتاجر الحسبة الذي يتاجر بالأسماك بعدها.
الصياد كامل يُنبّه إلى أن الصياد ليس تاجرًا للسمك، فمهمته تقتصر على خروجه برحلة الصيد والعودة منها بكميات السمك وإيصالها لتجار الحسبة. كما أنه يرفض أن يعمل أبناؤه في بيع السمك الذي يقومون باصطياده، فهو لا يريد أن يفقد الشاب طاقته في البيع والوقوف على الطرقات ومجادلة المشترين. يريده أن يبقى محتفظًا بصحته للخروج مرة أخرى في رحلة صيد ثانية، ومحتفظًا بقيمته كصياد للسمك لا تاجراً له فقط.
يبدو صريحًا وهو يقول: "لا تُطبق في غزة الطريقة الواجبة لتخزين السمك، فالأصحّ في تخزينها هو استخدام الثلج ووضع السمك في صناديق مغلقة". فبحسب كامل، "الرياح هي سُمّ السمك"، أي مُفسِدَتُه، "لكنهم هنا لا يستخدمون الثلج والصناديق المحكمة لوضع السمك، مبررين ذلك بأن وقت البيع قصير لا يتأثر السمك خلاله، يقولون إن بضع ساعات فاصلة ليست قضية!".

كيف تصبح صيادًا؟
"كيف أصبح صيادة؟". حلّ السؤالُ مدهشاً على العم كامل، فابتسم طويلًا وقال: "تصلحين صيادة لو أردتِ، لكنني يؤسفني أن أقول لكِ إنه لا يستطيع أيٌ كان أن يصبح صيادًا في ليلة وضحاها، فللصيد خباياه هذا قبل الحديث عن ميزانيته". أوضح شارحاً عن تكلفة رحلة صيد واحدة، وتكلفة عدّة الصيد: "في البداية، تحتاجين إلى مركب، وحركة المركب مكلفة. فعلى الأقل، تحتاجين إلى بنزين بسعر 70 دولارًا لليلة الواحدة، بالإضافة إلى أجرة العمّال المساعدين".
الصياد يحتاج إلى مركبٍ يصطاد عليه تكلفته كانت حوالي 70 ألف شيكل، أي ما يعادل 20 ألف دولار. أما الآن فقد تجاوز سعره المئة ألف شيكل، لعدم توافر المواد اللازمة لصناعته. سعر المحرّك المشغّل للمركب هو 30 ألف شيكل (9 آلاف دولار) في هذه الأيام، بينما المركب الكبير المجهّز بالكشافات والأضواء ولوازم الصيد كاملة فسعره 200 ألف دولار. غلّفَ الحزنُ كامل، وهو يحدّد أن التكاليف تمنعنا من الإبحار يوميًا، "فالرزقة قليلة وصعبة والوضع مأساوي هذه الأيام". ولذلك، تعمل نسبة 10 في المئة من صيادي غزة في الصيد، أما النسبة الباقية فقد أجبرتها الأوضاع الحالية على انتظار تحسّن الأمور أو اختيار مهنة أخرى.
واقفاً أعلى مركبه، يجيب كامل على السؤال التالي: "ما عمق هذه المياه، كيف تعرفون؟ أين يقع السمك بالضبط، وإلى أي عمق تصل شباككم؟". أشارت يده إلى الماء، وقال: "لا أنا ولا أنتِ منعرف كل مكان كم عمقه، ولهذا صنعوا لنا جهازًا خاصًا بقياس الماء عمقها وملوحتها وتواجد الأسماك فيها، ونمتلكه منذ سنوات". ويروي أن للصيادين وحدات قياسية خاصة كذلك، تضاف إلى قاموسهم اللغوي الخاص، فمساحة الصيد التي يتعدونها لا تقاس بالأمتار إنما بوحدةٍ قياسية تسمّى "الجاما"، وتساوي متراً ونصف المتر.
تمامًا مثل مواسم البرّ، هناك مواسم للبحر. فمثلاً، من تاريخ 21 آذار/ مارس وحتى نهاية شهر حزيران/ يونيو، أي خلال فصل الربيع، تتكاثر أسماك السردينة والبلاميدا، فيما تمتاز شهور أخرى بالحبار واللوكس والبوري.
وعلى ذكر "السردينة"، يستذكر كامل بأسى: "كنا زمان يتعدّى صيدنا من السردينة 10 إلى 20 طنًا"، لكن في الأعوام الأخيرة خاصة، صار هناك شحّ كبير فيها حتى في موسمها. يرجع السبب بحسب الصياد بكر إلى "إغلاق" الاحتلال للبحر، بمعنى تقليص مساحة الصيد، ما يؤثر على المواسم. ولا يستبعد أبدًا أن يكون الاحتلال قد وضع مادة ما في الماء من شأنها تقليل تواجد الأسماك فيها.
ينصّ اتفاق التهدئة بين الجانب الإسرائيلي وحركة "حماس" في قطاع غزة، عقب عدوان العام 2014، على أن مساحة الصيد المسموح بها في قطاع غزة تصل حتى 12 ميلًا، فيما يقول كامل: "احنا سمعنا عن 12 وعن 9 ميل، لكن آخر شي ممكن نصيد فيه لم يتعدّ الـ 6 أميال"، مؤكدًا أنه لم يتم تنفيذ الاتفاق منذ توقيعه حتى الآن نهائيًا: "لا دقة في قولنا إن الاحتلال يخرق الاتفاق، فالأصح أن نقول إنه لا يلتزم إطلاقًا"، يقول بكر.

مفارقات!
خمسٌ وأربعون عامًا قضاها كامل بكر في مهنة الصيد، ما يعني أنه قضى شبابه وسنين حياته في البحر. وكونه من غزة التي عاصرت ثلاثة حروب في أقل من عشر سنوات، تراه عاصر حكم الاحتلال ما قبل أوسلو، ثم حكم السلطة الفلسطينية، من ثم حكم "حماس" لغزة. فكيف أثرت هذه الحكومات على مهنة الصيد، وما هي الفروق؟ كامل يشرحها لنا هنا.
وبصراحة تامة، يقول الصياد إن رزق الصيد إبان حكم الاحتلال كان وفيرًا لا شك، فمساحة الصيد كانت مفتوحة؟ لكن اللقمة كانت أصعب والخطورة كانت بالغة. أما حكم السلطة الفلسطينية لغزة (1993-2007) فشهد خطورةً أخفّ، مع توافر مساحة جيدة ورزق صيد جيد، مؤكدًا أن الأمور كانت مستقرة حينها على الرغم من أنه واجه أصعب موقفٍ في حياته خلال هذه الفترة.
يقول: "اللي صار يا بنتي إنه بعهد السلطة، كنت قاصد باب الله الكريم برفقة ثلاثة أشخاص للصيد في المنطقة القبلية على حدود مصر، لقاني الدبّور الإسرائيلي (أو ما يُعرَف بـ "الطراد")، وهو نقطة عسكرية بحرية لجيش الاحتلال. أوقفني واستجوبني ونقلني إلى مدينة اسدود، ثم صادرت قوات الاحتلال الحَسكة والمركب وكل ما لديّ من أغراض الصيد. اعتقلت حينها ليومين قيد التحقيق ورجعت برًا، فيما ظل المركب محتجزاً لمدةٍ تجاوزت الـ 8 شهور توقف عملي كليًا خلالها"، يروي بكر.
أما آخر المفارقات وصولًا إلى حكم "حماس" المستمر في غزة فيقسمها إلى قسمين: "أولها ما يُعتبر فترة ذهبية، خاصة بعد تحسن العلاقات مع الحكومة المصرية. خلالها، كان من السهل على الصيادين تناقل الأسماك والتجارة. استمرت الحالة لشهورٍ قصيرة معدودة، ثم توقفت التسهيلات تمامًا. فأصبحنا بالفعل واقعين بين نيران تضييق مصر وسطوة الاحتلال وسوء الأوضاع في غزة. لقد أصبحنا محاصرين تمامًا.. الوقت الحالي هو الأسوأ على الإطلاق".
بالإضافة إلى ملاحقات الاحتلال للصيادين داخل مساحتهم المسموحة، "لو مسكوه بقلب البحر بيتم مصادرة مركبه ووقف عمله ناهيك عن الاعتقال والاستهداف! فقد اعتدوا على أولادنا وأقاربي، واعتقلوا شبابنا، واستشهد منا أيضًا محمد وعلّام وياسر، وأطلقوا النار على المركبات، وحالات العطب كثيرة بفعل ما يخلفه الاحتلال، هذا إن لم يصادرها".
وسط مطالبات كامل لكلّ الجهات بالنظر بعين الرأفة للصياد "لأنه كل حقوقه منتهَكة"، بحسب قوله، تراه يعاود التذكير بأن نقابة الصيادين ودائرة الثروة السمكية لا تستطيع فعل أي شيء لهم: "حكومة الاحتلال مستبدة، لا ثروة سمكية ولا نقابة ولا أيا شي بيقدر يطلع حق الصياد المنتهك من قبل حكومة الاحتلال، لأنه أصلًا ما حدا سائل عنه ولأن مين بدو يحكي مع إسرائيل عن شو بتعمل فينا؟!".

"الحاجات الحلوة"
لكي لا تنجح أخبار الاحتلال بالتنغيص على جو الرحلة، ابتسمت على مضض وسألت كامل: "ما رأيك بأن تحدثنا الآن عن "الحاجات الحلوة"؟، فخمسٍة وأربعون عامًا لا بد أن تحوي مواقف رائعة!". شاركني العم كامل الابتسامة والرضا، وقال: "البحر شاهد على سنيني كلها، فأنا ابنه وفيه مواقفي ومشاهدي، وضحكاتي الكثيرة كانت بسببه. ففي كلّ مرة تكون فيها كمية السمك كبيرة لتتجاوز الـ200 بُكسة - صندوق تعبئة - أشعر بأنني في بالغ السعادة. ولما ربنا يبعت خير كتير، بكون مبسوط جدًا، بصير أهلل وأنادي وأغنّي وأقاتل وأعلي صوتي، حتى إني بصير أنادي على اللي حواليّ، بحس إني باخذ رزقتي من البحر، ولما آخذها بحافظ عليه، لأنه رزقي ورزق ولادي، وهذا اشي ما بينوصف فرحته".
لمجرد تذكّره مشهد السمك برزقته الوفيرة، اعترت كامل حماسة قلبت الجو وصار مشحوناً بالفرح والتهليل. فاستذكر كامل موقفًا آخر عاشه، لما صاد أقاربه "1000 بًكسة من "القراصات " – نوع سمك رخيص-، وكانوا يهللون كما لو أن بشائر النصر قد خرجت من البحر".. مع العلم أن البكسة الواحدة لا يتجاوز سعر بيعها 5 شواكل – دولار ونصف تقريبًا - لكن ألف بكسة تجعل الأمر مفرحًا طبعاً.
انتبه كامل فجأة لشيء ما، وقال: "آه صحيح، بالحديث عن الأبناء نسيت أن أقول لكِ إن زوجتي ابنة عمي وأهلها أهلي وجميعنا نمتهن الصيد، لأني ورثت الصيد عن جدي، وأخلفته لأولادي، حتى ابنتي الصغرى قالت لي صباح اليوم: هذه السمكة لي.. وبالنهاية أكلناها سويًا، كل منا أكل نصفها".
صيادنا الماهر اعتزل الصيد مؤخرًا، وأوكل الأمر لأبنائه لأنه كبر وصحته لم تعد تحتمل تعب البحر. لكنه، رغم ذلك، لا يستطيع إلا أن يزور البحر يوميًا ويقضي فيه طيلة النهار. يقول: "أنا روحي معلّقة هون، لو ما أجيت عالبحر بموت".
الصياد كالسمكة، لا يترك البحر إلا للحياة الأخرى. وكامل، رغم كل الصعاب، تراه يضحك من قلب الفرح. رحلةٌ واحدة برفقته، تجعل المرء والمرأة يتمنيان لو كان الصيد صفتهما في هذه الدنيا.