| 

يبدو أن حلم الحرية محرّمٌ على الفلسطينيين /ات في موتهم /ن كما في حياتهم /ن. فالموت هنا صار شكلاً آخر من أشكال الابتزاز التي يمارسها الاحتلال الإسرائيليّ بحق الشعب الفلسطيني، إذ عمد منذ حزيران العام 1976 إلى احتجاز جثث الشهداء بمناطق عسكرية مغلقة تُعرف باسم "مقابر الأرقام"، لا يُسمح لأيّ جهةٍ بالاقتراب منها، الدخول إليها، أو تصويرها. وهي خاضعة لسيطرة وزارة الدفاع الإسرائيلية.
تتعامل إسرائيل مع هذه الجثث كورقة مساومة في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية أو العربية، في حال وقوع جنودها أسرى لدى فصائل المقاومة. وهي بذلك تنتهك القوانين والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي تنص صراحةً على احترام كرامة الموتى في حالة الحرب.
واستمرت إسرائيل بممارسة هذا الانتهاك حتى يومنا هذا، إذ أصاب جثث شهداء الانتفاضة الثالثة، أو الهبّة الراهنة. إذ تحتجز حتى نهاية تشرين الثاني /نوفمبر الماضي، 37 شهيداً في ثلاجات الموتى، داخل معهد الطب الشرعيّ في أبو كبير في القدس، وترفض تسليمها لأهلهم لدواع أمنية.

أهالي الشهداء: نرفض التبادل
المتحدث باسم أهالي الشهداء المحتجزة جثثهم لدى الاحتلال الإسرائيلي هو محمد عليان، والد الشهيد بهاء عليان منفّذ عملية الحافلة التي أسفرت عن مقتل 4 مستوطنين في منتصف تشرين الأول /أكتوبر الماضي. يقول عليان لـ "السفير" إن الاحتلال يحتجز جثث الشهداء كنوع من العقوبة للضغط على الجماهير لوقف هذه الانتفاضة، مبدياً تخوفه من سرقة أعضائهم أو دفنهم في مقابر الأرقام.
ويسلك عليان وبرفقته أهالي الشهداء عدّة دروب للإفراج عن جثث أبنائهم. فعلى المستوى القانونيّ، قدموا التماساً إلى محكمة العدل العليا لاستعادة جثث أبنائهم، إلا أن الردّ أتى مخيّباً لآمالهم، حيث أرجعت المحكمة الأمر إلى موقف الحكومة، مدّعية أن القضية تحتاج إلى قرارٍ سياسيّ.
وعلى المستوى الشعبي، يشرح عليان أن الأهالي نظموا "وقفات اعتصامٍ جماهيرية للتأكيد على وطنية هذه القضية، كما قمنا بعمل موجة مفتوحة في فضائيات وإذاعات مدن الضفة الغريبة طالبنا فيها بضرورة استعادة جثامين الشهداء من دون شروط".
وفي ما يتعلق بتواصلهم مع السلطة الفلسطينية، يؤكد عليان لـ "السفير" أن الاتصالات مع السلطة "غير مثمرة"، إذ لا يرون نتائجها إلا إعلامياً، مطالباً إياها بوقف التنسيق الأمني كورقة ضغط على الاحتلال لاستعادة جثث أبنائهم.
حالةٌ من الارتياب والقلق تسيطر على عائلة عليان لعدم تمكّن أفرادها من رؤية جثة ابنهم ودفنها وفق التقاليد الإسلامية. وحول الشائعات التي وردت عن نية الاحتلال مبادلة الجثث بجنودٍ سقطوا بأيدي حركة "حماس" في الحرب الاسرائيلية على غزة في العام 2014، يقول عليان إن كلّ مناطق فلسطين سيعتبرها الأهالي مقبرة لأبنائهم، إذا اشترطت سلطات الاحتلال على المقاومة ذلك: "الموتى الأحياء في سجون الاحتلال هم الأولى بهذه المبادلة"، يكمل عليان.

حجّة التبادل: خدعة مثبتة منذ شاليط
على الرغم من أن الاحتلال يزعم أنه يحتجز جثث الشهداء بهدف مبادلتها مع جنوده في حالة أسرهم لدى فصائل المقاومة، إلا أن هذه الحجة تكون واهية في أحيانٍ عديدة. ففي العام 2006، احتجز جيش الاحتلال الإسرائيلي جثتي منفذي عملية أسر الجندي جلعاد شاليط، ووعد بالإفراج عنهما إذا عاد جنديه الأسير لدى المقاومة. وعلى الرغم من أنه استلم جنديّه حيّاً في تشرين الأول /أكتوبر2011 ضمن صفقة تبادل أطلقت عليها فصائل المقاومة الفلسطينية اسم "صفقة وفاء الأحرار"، إلا أنه لا يزال يحتجز جثتيهما في مقابر الأرقام، ولم تُدرجا ضمن الصفقة.
وتقول والدة الشهيد محمد فروانة، منفذ عملية شاليط، وقد أجهشت بالبكاء: "ها قد عاد شاليط إلى أمه، فلماذا لم يفرجوا عن جثة ابني؟". وتتابع بصوتٍ مكتوم: "أريد أن أرى وجهه للمرة الأخيرة وأدفنه وفق عاداتنا في قبرٍ معلوم لكي أزوره".
وعلى الرغم من أن عائلة فروانة طالبت مراراً بضرورة إدراجه ضمن صفقة التبادل، إلا أن صوتها لم يجد آذاناً صاغية. ما دفع بالعائلة إلى الاستهجان حين تمت الصفقة من دون أن تستعيد جثة ابنها، إلا أنها لا تزال تتمسك بحبلٍ من الأمل بأن يتم الأفراج عنها قريباً.
وتذهب أم محمد مع غيرها من الأهالي في كل يوم إثنين إلى الوقفة التضامنية الأسبوعية أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم الأسرى لدى الاحتلال الإسرائيلي، الأموات منهم والأحياء.
ومن موقعه كمدير دائرة الإحصاء في هيئة شؤون الأسرى، يقول عبد الناصر فروانة لـ "السفير"، إن إسرائيل جعلت من احتجاز الجثث سياسة ثابتة تنتهجها في التعامل مع الفلسطينيين، في محاولة منها لمعاقبة ذوي الشهداء وعائلاتهم، وحرمانهم من إكرامهم ودفنهم وفقاً للشريعة الإسلامية، مبيناً أن 14 جثماناً تم احتجازها خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة.
ويوضح فروانة أن الاحتجاز يشمل جثامين منفذي العمليات الاستشهادية، وشهداء الاشتباكات المسلحة، والشهداء الذين اغتالتهم وحداتها الخاصة، ومن توفوا في السجون الإسرائيلية، مشيراً إلى أن بعض الجثث تُحتجز في ثلاجات وليس في مقابر الأرقام.

الحملة القانونية المطلبية
حاولت الجهات القانونية مساعدة أهالي الشهداء المحجتزة جثثهم، فأطلق "مركز القدس للمساعدات القانونية وحقوق الانسان" (رام الله) في 27 آب /أغسطس 2008 "الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة لدى الاحتلال الاسرائيلي"، بعدما جاء إلى مقر المركز والد الشهيد مشهور العاروري طالباً مساعدتهم في استعادة جثة ابنه المحتجز منذ نهاية السبعينيات في مقابر الأرقام. يقول منسق "الحملة الوطنية" سالم خلة لـ "السفير" إنهم أدركوا حينها أن القضية هي قضية شعبية وليست فردية، فشرعوا بالإعلان عن الفكرة في الصحف داعين أهالي شهداء مقابر الأرقام في كلّ محافظات الوطن إلى تسجيل أبنائهم في سجلاتها للمطالبة باسترداد جثثهم وفق الإجراءات القانونية.
تستند الحملة في نشاطها الجماهيري إلى تحرّك ذوي الضحايا، وتسعى لتأمين الدعم له من كل مكونات الحركة الجماهيرية الفلسطينية، عبر المذكرات والاعتصامات وتشكيل الوفود لمطالبة صانعي القرار الفلسطيني بإدراج الإفراج عن الجثامين وتحديد مصير المفقودين على قائمة المواضيع المثارة مع الوفود الدولية، للضغط على اسرائيل. كما إجراء المقابلات مع ممثلين عن البعثات الديبلوماسية، ومنظمات الأمم المتحدة، والهيئات والمؤسسات القانونية المدافعة عن حقوق الإنسان كي تقوم بما يمليه عليها واجبها الذي حدده القانون الدولي الإنساني واتفاقات جنيف.
وتسعى الحملة إلى إخراج القضية من عالم الإهمال والنسيان، واسترداد الجثامين، وتمكين عائلاتهم من تشييعهم ودفنهم وفق التقاليد المتعارف عليها.
ويحدد خلة ان إسرائيل، باحتجازها مئات الجثث، ترتكب جريمة غير مسبوقة، وتنتهك القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الدولية واتفاقية جنيف الرابعة، إذ تنص مواد تلك القوانين على احترام كرامة الموتى وتوثيق حالتهم وتمكين عائلاتهم من زيارة مقابرهم إلى حين انتهاء الحرب.

المقابر التي كُشف سرّها
على الرغم من أن عدد هذه المقابر وأماكنها غير معروف حتى الساعة، إلا أن بعض المصادر الصحافية الإسرائيلية والأجنبية كشفت في السنوات الأخيرة معلومات عن أربع مقابر أرقام، وهي: مقبرة الأرقام المجاورة لجسر "بنات يعقوب"، ومقبرة الأرقام الواقعة في المنطقة العسكرية المغلقة بين مدينة أريحا وجسر داميه في غور الأردن، أما المقبرة الثالثة فهي مقبرة "ريفيديم" وتقع في غور الأردن، والمقبرة الأخيرة التي تم الكشف عنها هي مقبرة "شحيطة" وتقع في قرية وادي الحمام شمال مدينة طبريا، الواقعة تحديداً بين جبل أربيل وبحيرة طبريا.
ويصف خلة لـ "السفير" شكل مقابر الأرقام، قائلاً: "هي عبارة عن مدافن رملية، لا يزيد عمق القبر الواحد عن 50 سم، تكون القبور فيها متراصة على خط واحد، وتحفظ الجثث بأكياسٍ بلاستكية، يُعلم عليها بأقلام الفولماستر رقم الشهيد واسمه.. ما جعل أسماء الشهداء عرضة للضياع وزوال الحبر بفعل العوامل الطبيعية كالرياح والأمطار"، وفق ما يقوله خلة.
ويضيف خلة أن أسباب ضياع العديد من الجثث هو أن الاحتلال الإسرائيلي أوكل إلى شركة "EIS" الإسرائيلية دفن الجثث، وتدّعي الشركة في الوقت الحالي أنها لا تعرف الأماكن والمواقع التي دفنت بها الجثامين.
وكانت الحملة قد تمكّنت من استرداد جثمان الشهيد مشهور العاروري في 2010. وفي 2012، استردت 91 جثماناً، وتم استرداد 38 جثماناً في نهاية العام 2013. كما أن "حزب الله" تمكّن في العام 2008 من استعادة رفات 199 لبنانياً ضمن صفقة تبادل.
يشار إلى أن تسعاً من الجثث التي تم استردادها في العام 2012 ما زالت غير معروفة الهوية، تحتفظ بها الحملة في مقبرة رام الله، حيث لم يتوافق الحمض النووي الخاص بتلك الجثث مع فحص أيّ من العائلات المسجلين لديها، علماً أن الحملة عمدت إلى إنشاء "بنك دم" لأهالي المفقودين ولجثث مقابر الأرقام.
وفي العام ذاته، سلّم الاحتلال الإسرائيلي للحملة جثة ادعى أنها تعود إلى ناصر أبو راس من مدينة نابلس، وكان قد فُقد في أواخر الانتفاضة الأولى. ولكن، حين قارن أعضاء الحملة فحص الـ "دي أن آي" مع أهله تبين أنها لا تعود إليه. ما يؤكد أن معظم الجثث لم تعد معروفة الهوية حتى بالنسبة إلى الاحتلال الإسرائيلي، ويفسر ذلك اختلاف إحصائية الحملة للجثث المحتجزة عن تلك التي يزعمها الاحتلال.
ووفق إحصائية المركز الموثقة بالأسماء والصور، لا يزال لدى الاحتلال الإسرائيلي 268 جثماناً، على الرغم من أن إسرائيل تزعم أنها لا تحتجز إلا 119 جثماناً، تعهّدت بالإفراج عنها بقرار من المحكمة العليا في العام 2013، كما تضمّن القرار عدم احتجاز أي جثة بعد تاريخ إصدار الحكم.
إلا أن هذا القرار اصطدم في الوقت الحالي بقرار الحكومة الإسرائيلية استئناف قرار المحكمة، في تشرين الأول /أكتوبر من العام الجاري، ليسكن بذلك إلى قرار الجيش القاضي باحتجاز جثث شهداء الانتفاضة الثالثة، وفق ما يؤكد خلة. ويتابع خلة: "القرار شمل هدم بيوتهم ومصادرة أراضيهم، بالإضافة إلى تداول أمر إبعاد أهالي الشهداء إلى قطاع غزة".
وعلى الرغم من ذلك، تمكّنت الحملة من الإفراج عن 11 جثة محتجزة في "معهد أبو كبير للطب الشرعي" من أصل 48 جثة تم احتجازها منذ بداية الانتفاضة. إلا أن الاحتلال، بعدما شاهد مراسم تشييع جثامين الشهداء المفرج عنهم، تراجع عن تسليم باقي الشهداء إلا وفق شروطٍ تقضي بأن يتم التشييع ليلاً وألا يزيد عدد المشيعين عن 70 شخصاً. ما رفضه الأهالي رفضا قاطعا.

أسباب الاحتجاز.. والإشراف الطبيّ
يرى فروانة أن امتناع إسرائيل عن الإفراج عن جثث شهداء الانتفاضة الثالثة يأتي نتيجة خوفها من تقديس الناس لهم، وجعلهم قدوة يحتذون حذوها، ما يؤجج الوضع الراهن. وهذا ما لا ترغب به إسرائيل.
وعن أسباب احتجاز جثث دون أخرى، يبيّن فروانة لـ "السفير" أن الاحتلال الإسرائيلي لا يمتلك سياسة واضحة بهذا الشأن، إذ إنها لا تحتكم إلى معيار واحد في التعامل مع الشهداء، مستدركاً أن الأمر قد يكون متعلقاً بمكان إقامة الشهيد، أو العملية التي نفذها والنتائج التي أسفرت عنها.
وعن الشكوك التي تطلقها بعض المؤسسات والاشخاص حول سرقة الاحتلال لأعضاء الشهداء، يقول خلة إن "هذه الشكوك واردة فعلاً، ولكن الأمر بحاجة إلى إثبات من خلال تشكيل لجنة طبّ شرعي تقوم بفحص الجثث فور استلامها".
وعن فحص الجثث الإحدى عشرة التي تم تشييعها مؤخراً، أفاد خلة أنهم طلبوا من عائلات الشهداء الموافقة على تشريح جثث أبنائهم، كما دعوا الحكومة الفلسطينية إلى الإسراع بتشكيل لجنة متخصصة بالطب شرعي: "نحن بانتظار إصدار القرار وتوفير الطاقم الطبي اللازم".
يُذكر أن رئيس "معهد الطب الشرعي" السابق في أبو كبير يهودا هيس كان قد صرّح على "القناة الثانية" الإسرائيلية في العام 2009 أنه قام بنفسه بتشريح جثث فلسطينيين وسرقة أعضائهم، خاصة القرنية وجلد الظهر، من أجل زرعها في أجساد الجرحى الإسرائيليين.