| 

يشير الكثير من المفكرين والفلاسفة إلى الانسان، بما يميزه عن صنوف غيره من الأحياء؛ فمنهم من قال بأنه حيوان "ناطق" باللغة، وثمة من خصّه بالذاكرة، وآخرٌ بالشك، وثانٍ بالوجه، وثالثٌ باليد، وغيرهم /ن بالدين، وهكذا. لكن الجامع والمميز في كلّ هذه الخواص أو الاستحواذات أنها كلها مستخدمة في منظومة عنفية. فبدايةً من الدين مرورًا بالجسد والوجه واليدين، وصولًا إلى اللغة والذاكرة، كلها تحوّلت إلى منظومات عنفية. وإذا ما كانت تلك التمايزات نفسها هي التي أنتجت للإنسانية ما ميزّها عن باقي الأحياء من تعابير حضارية وثقافية وبنى فكرية، فتلك التعابير والأفكار تظل عنيفة بشكلٍ ما أو بآخر، حتى وإن أنتجت جماليةً (ما). أيّ أن سؤال الجمال في العنف هو سؤال مشروع، على الرغم من صدمته.
إذا كان لنا أن نفترض أن الجسد هو أولى عتبات العنف ـ والوجود - وحدوده ومسامه تراسيم له، مستخدمين منطقًا بدائيًا أوليًا في إدراك العنف يقوم على تعريف اختراق الجسد أو الاشتباك معه، يمكننا أن نتفهم ما لبعض الأنماط العنفية الواقعة على الجسد من "جمالية"، كالجنس، والرقص وفنون الأداء الحركي، والمقاومة. ما يجعل العنف والجمالية متلازمين.
إذا كان للجمال أن يخترق عتبة العنف الأبسط وهي الجسد بعنف، فهذا ما وصفته متلازمة ستندال (Stendhal syndrome). هي عبارة عن مرض نفسي يظهر على الشخص كتسارع ضربات القلب والدّوار والارتباك والإغماء، وأيضًا الهلوسة، عندما يشاهد صورة جمالية فنية راقية، خصوصاً إن كان هذا الفن يتسم بقدرٍ عالٍ من البراعة والجمال. يقول يوكيو ميشيما:
"ليس من المبالغة أن أقول إن أكبر مشكلة حقيقية واجهتها في حياتي كانت "الجمال". ففكرة "الجمال" وكيفية وجوده في هذا العالم كانت مجهولة بالنسبة إلي، حيث لم أستطع منع نفسي من الإحساس بالتوتر والضيق بدرجة كبيرة أمامه. فإذا كان "الجمال" موجوداً فعلًا، فهذا كان يعني لي أن وجودي بذاته كان غريبًا عن هذا "الجمال"". يفتح ميشيما بهذه الكلمات باباً لمسافةٍ ارتباطية بين الوجود والجمال والعنف. بكلمات أخرى، لا إنسان بلا عنف، ولا عنف بلا جمالية (ما).

"مسرح القساوة"
يقول أروتو أنطونين في تعريفه لـ "مسرح القساوة": "هو مسرحٌ صعبٌ وقاسٍ لي أنا نفسي... لكن الأمر لا يتعلق بتلك القساوة التي يمكننا إتيانها ضد الآخرين بتقطيعٍ متبادل للأجساد، بتمزيقٍ لأعضائنا الشخصية، أو كما يفعل الأباطرة الآشوريون، بإرسالنا عن طريق البريد لآذانٍ بشرية أو أنوف مقطعة. بل يتعلق الأمر بأشياء أخرى أكثر رعبًا وضرورة مما يمكن للأشياء أن تمارسه علينا. لم نعد أحرارًا، والسماء ما زال بوسعها أن تسقط فوق رؤوسنا. إن المسرح جُعل من أجل أن يعلمنا هذا الأمر".
أتراه ممكنًا أن تكون الحالة العربية الآنية مسرحًا كبيرًا للقساوة، وبالذات إذا دمجنا مقولة شكسبير بأن "الحياة مسرح"، ونحن مؤدون فيه؟ أيّ النصوص تلك التي نؤديها، ومن كتبها، وما هي منظومة القيم التي تدفعنا فيها إلى هذا الأداء القاسي (أو العنفي الجمالي)، الذي جعل أنماطًا مختلفة من العنف تغدو خبز يومنا، من طائفية، إلى عرقية، إلى قومية، إلى طبقية، إلى ذكورية/فحولية، وغيرها؟
موضع الجسد في مسرح القساوة يغدو عضويًا، وبالذات إذا نظرنا لكونه هو مالك المعنى ومانح القيمة وتجسُّد النصّ، فمسرح القساوة ليس مسرح الكلمة، بل مسرح الإشارة، وقوتها التواصلية، وأجسادنا أقوى إشارة، وبالذات في عصر الصورة (ماذا فعلت بنا صور إعدامات داعش الدموية التي لا تختلف في الكيفية عن إعدامات دول بعينها، سوى بأننا رأينا "الجسد").
وإن كان مثلت الكولونيالية هو الصورة الأكثر عنفًا من الحداثة، فذلك لأن موقع الجسد في هذه المنظومة يشي بكمّ أنماط العنف البنيوي التي تتأسس عليها الكولونيالية. وبهذا العنف الواقع على المادية Physicality متمثلة في الأجساد والأماكن، فإن الجسد والمكان الفلسطينييَّن يمثلان استقراءً بيّنًا لجدلية العنف والجمالية، في هذه الحالة.

قانونية الجسد
إن تأمل دلالة الجسد في السياق/المسرح الفلسطيني ما هو إلا محاولة للحفر عميقًا في بنيوية المنظومة الكولونيالية للاحتلال من أكثر من جانب. ولعل أبرزها الذي يقفز دومًا إلى الواجهة في كل مواجهة "قاسية" هي قانونية الجسد (من ضمن عديد الأنساق العنفية التي تتحكم في الجسد)، من حيث كونه مدنيًا أم عسكريًا وما ينبني عليه من أنماط إدراكية له، تهندس معنى المقاومة ومعنى الاحتلال. فالمعنى الذي يكتسبه الجسد بحسب موقعه في الزمان والمكان والسياق هو ما يحدّد الصيغة القانونية للجسد (وإن كنّا لا نميل لاستخدام "الصيغة القانونية" لأنها منتجٌ حداثيّ غربيّ، يتخذ من المركزية المعرفية الغربية مرجعية له، تمامًا كدولة الاحتلال، وبالتالي فهي صيغة متحيزة).
تقول جوديث باتلر في محاضرة لها في شباط/فبراير من العام الجاري بعنوان "الدروع البشرية"، والتي أقيمت في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، إن ما "يمنطق" (بلفظها، وإن كنا نفضل "ما يمنح المعنى") لجسد/حياة ما هو ما يستبطنه الجسد من حسابات الربح والخسارة، لمن يملك السلطة عليه. وفي السياق الفلسطينيّ، الإسرائيلي هو من يملك سلطة النيكروبوليتكس ( Necropolitics أي قدرة السلطة على منح الحياة و/أو الموت للأجساد، وهي من خواص السلطات الكولونيالية/الاستيطانية). وبالتالي، فإن استبطان مفهوم المدنيّة والعسكرية في تعريف الجسد الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال/سلطة النيكروبوليتكس بناءً على مفهوم الاحتلال في حسابات الربح والخسارة، هو مساهمة في اغتيال وقتل واحتلال الجسد الفلسطيني. بكلمات أخرى، ديباجة المدني والعسكري يمكن أن تخدم كواحدة من أدوات الهندسة الحداثية التي تستخدمها دولة الاحتلال في تبرير قتلها للجسد الفلسطيني.
تقول باتلر: "لدى حديثنا عن الدروع البشرية (سواءً الإرادية منها أو القهرية)، فنحن بداية نتحدث عن تعيين مبدئي لذلك الجسد في اللغة، ولأسباب واضحة، فتلك أنماط (اللغة) يتم تحديدها لخدمة الحرب في منطقة حرب". وباستخدام القاعدة الخطابية/اللغوية التي تقول بأن "تسمية الشيء امتلاكه"، فبتسمية المقاومة الفلسطينية بأنها إرهاب موجه ضد "مدنيين"، يتم إدراك المقاوم الواقع في هذه الحالة و "امتلاكه" من خلال خطاب صهيوني، يمتلك مفهوم المدنية والعسكرية، الذي يهندس الجسد ويمنحه المعنى. وبالتالي، فتلك تسمية تخدم "حالة الحرب" الإسرائيلية (حتى لفظة "حرب" هي لفظة غير محايدة، ولا موضوعية).
هنا تظهر الحاجة لمسرح القساوة، يقول أروتو: "لنعترف بأن ما قيل لم يعد صالحًا للقول، وأن عبارةً لا تصلح مرتين، ولا تحيا مرتين، وأن كلمةً نُطقت ماتت، ولا تفعل إلا لحظة نطقها، وأن شكلًا ما لا يصلح ولا يدعو إلا للبحث عن شكل آخر، وأن المسرح هو المكان الوحيد الذي لا تبدأ فيه من جديد حركة ما مرتين".
في حالات الطعن التي مارسها الفلسطينييون مؤخرًا كصورة من صور استعادة السيطرة الذاتية على حقهم الشخصي في الحياة والموت، وأكثر من ذلك، انتزاع الحق في نيكروبوليتكس مقابل ومضاد لذلك للإسرائيلي، ينقلب المعنى الذي يتحكم فيه المحتل/الإسرائيلي حصرًا. فالجسد الفلسطيني لا يمكن له أن يمتلك المعنى إلا من خلال كونه جسدًا واقعًا تحت منظومة احتلالية/كولونيالية، قائمة على ثلاثية واضحة وصريحة: أولًا - النفي، ثانيًا ـ الطمس (السيطرة)، ثالثًا ـ التوسع. هذه المنظومة تجعل المكان الفلسطيني المحتل معسكرًا حربيًا إسرائيليًا، كل ما هو عليه من بشر وحجر خاضع لهندسة المكان والزمان والمعنى الإسرائيلي.

مسافة الطعن من المعنى
طعن الجسد الإسرائيلي الاحتلالي يضمن مواجهة مركبة ومكثفة مع بنية المعنى الإسرائيلي المستخدم في الحرب. فهو يأتي تطورًا لفكرة المقاومة بالعمليات "الاستشهادية" (ونصر على اللفظ ودلالته)؛ والتي تغلبت فيها معاني الأيديولوجية والفصائلية والدينية ـ حتى - على معاني الوطن والمقاومة. ثم انتفاضة الحجارة، التي تغلب فيها معنى الوسيلة والرمز على معنى الواقع والممكن. إلا أن تينك الآليتين المقاومتين تتركان بين الجسد الفلسطيني والجسد الإسرائيلي مسافة ما في المواجهة، ما يعني امتحانًا أقل وطأة لفكرة العنف/الجمالية. أما عمليات الطعن فهي تتم من خلال المسافة البينية "صفر" بين الجسدين؛ وهي مسافة عنفية وجميلة لأقصى حدود امتحان أشكال معنى الحياة والمقاومة والوجود. جيل الفلسطينيين الذي قام بهذه العمليات الجريئة هو جيل "أوسلو". منظومة مؤسّسات أوسلو بقيت دون احتكار عملية تشكّل معنى الاحتلال والوطن، العنف والجمال، وحدها وإن كانت له ظرفاً مؤثراً ضمن عوامل أخرى. وتمّ ذلك مهما أصرّت مؤسسة "النظام" الفلسطيني والإسرائيلي بفصائل ونيوليبرالية الأولى، وقمع الثانية ونيكروبوليتكسـ"ها" الخاص، على تملك العملية.
يقول إسماعيل ناشف في كتابه "صور موت الفلسطيني": "الموت منصّة لاستشراف الحياة، حيث يكشف الناظر منه إليها أشكالها وطرق عملها. وبهذا يكتسب الموت معناه، أي يصبح ناجزًا فيموت، وتحيا هي بما يعطيها من حجم وعمق وأبعاد في الشكل والمعنى. من هنا كون المجتمع الفلسطينيّ مُعَرَّفًا فقط في لحظة تدميره /موته، لا ينفي /يقطع مع تاريخ الموت في الحياة.
(...) الحالة النظاميّة لا تفتأ تمارس القتل تكرارًا بكونه، بمعاييرها كما بشروطه، يفشل في إنجاز ما يبدو موتًا".