| 

لماذا ينتصرون لنا؟ ونحن مُحرجون من الاعتذار إليهم، ونحن خجِلون منهم، ونحن من اتّهمهم بالقصور ومن ادّعى أنهم غير آبهين وغير مُكترثين بما كنّا نأبه به عندما كنّا في مثل أعمارهم. عقدان من الزمن ونحن نُشيح بوجوهنا عنهم ونُطلق عليهم التّسميات، تارة "جيل أوسلو" وتارة أُخرى "جيل الإنترنت"، ولاحقًا "جيل الفايسبوك". كنّا ندّعي أن ظروفنا تختلف عن ظروفهم، ونطلق الأحكام عليهم دونما تريّث، كأن نقول أنهم بعيدون كلّ البُعد عمّا هو متوقع ومأمول منهم. إن قصورنا يتمثل في أننا لم نسمع منهم همومهم، ولم نسمع لا أحلامهم ولا طموحاتهم، ورفضنا أن يكون التناقل بين الأجيال سلِسًا كما جرت العادة، ثم تركناهم وأوجدنا هوّةً كبيرة بيننا وبينهم.
لم يتبنّاهم من تبنّانا عندما كنّا في أعمارهم ولم يُحتضنوا كما احتُضنّا. تُركوا لمصيرهم من دون اكتراث. نحن نشكّل ذلك الجيل الذي توجّب عليه فعل ذلك، لكننا أطلقنا في حقهم أحكاماً مُطلقة، صرنا مع مرور الوقت نعدّها مسلّمات.
قد أبدو قاسياً في حكمي وفي تصوراتي وفي تقييمي لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية ولتاريخها المديد، وقد أبدو قاسياً أيضاً تجاه الثقافة الوطنية الفلسطينية منذ النكبة أو حتى قبلها التي لم يتم نقلها بسلاسة وسهولة إلى جيل هذه الهبّة أو الانتفاضة (أًّيّاً كانت التسمية). في حقيقة الأمر، أنا أقدّر وأحترم وأقرّ أن ما أنتجته الحركة الوطنية الفلسطينية منذ تأسيسها من ثقافة وقيم وطنية أسهمت في الحفاظ على الهوية الفلسطينية، وعلى انسجام وطني فلسطيني كبير تجلّى في مواجهاتها العديدة مع المشروع الصهيوني، ثم أسهمت في إنتاج ثقافة وطنية جامعة للكلّ الفلسطينيّ. هذه الثقافة أنتجتها الأحزاب والقوى السياسية، وكانت ترجماتها على الأرض تأتي من النقابات والمجالس الطلابية ومن السجون الإسرائيلية التي جرّبها نحو ثمنمئة ألف فلسطيني منذ حرب العام 1967. وعلى قدر الخلافات بين أقطاب هذه الحركة، فإن ما يوحّدها ويضبط إيقاعها دائمًا كان أكبر حتى في اللحظات العصبية والصعبة. لكن، وعلى الرغم من ذلك كلّه، لا يمكن نكران أن هناك قصوراً تجلّى على مستوى جميع الحركات والأحزاب السياسية الفلسطينية بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو في العام 1993، وأن الأثر الذي تركته الأحزاب السياسية في الأجيال الشابّة في فلسطين خلال العقدين المنصرمين أقل بكثير مما تركته هذه الأحزاب نفسها والمنظومة السياسية نفسها في انتفاضات ومواجهات سابقة.
وهنا، نتذكر حالة الالتفاف الشعبيّ الكبير حول المقاومة الفلسطينية في لبنان في العام 1982، حيث لم يقتصر هذا الالتفاف على الوجود الفلسطيني في لبنان وحده، إنما في كلّ أماكن وجود الشعب الفلسطيني. ونتذكر أيضًا حالة الالتفاف الشعبي الكبير حول نضالات الحركة الأسيرة الفلسطينية في عقد الثمانينيات وقبله. ونتذكر حالة الالتفاف والفعل الشعبي في أواخر سنة 1987، أي مع اندلاع الانتفاضة الأولى، التي تجلّت عبر الالتفاف الجماهيري حول القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة الأولى والفعل الشعبي، من المواجهة مع الاحتلال والمستوطنين إلى تنظيم التعليم الشعبي ردّاً على سياسة الاحتلال المتمثلة في إغلاق المؤسسات التعليمية، فمساعدة الفلاحين بقطف ثمارهم، وصولاً إلى تشكيل لجان الحراسة.
نعم، فظروف تلك المرحلة تختلف تمام الاختلاف عن هذه المرحلة، وأنا لستُ في صدد تبيان هذه الاختلافات في أسطرٍ قليلة هنا، إنما أريد فقط أن أتحدث عن بعضها: فمنذ العام 2007، يعيش الداخل الفلسطيني حالةً من الانقسام العمودي والأفقي بين قطبي النظام السياسي الفلسطيني الكبيرين ("فتح" و "حماس")، انتقلت تلقائياً إلى انقسامٍ جغرافيّ بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة. وبدوره، أعاق هذا الانقسام، وبصورة كبيرة، الوحدة الميدانية على الأرض، وتسبّب بتغييب برنامجٍ سياسيّ يضمن الحدّ الأدنى للكلّ الفلسطيني، بالإضافة إلى غياب قيادة فصائلية قادرة ومُلهمة، فضلاً عن غياب ثقة هؤلاء الشبيبة بالقيادة الموجودة! ثم إن هناك اختلافاً رئيسياً وجوهرياً نلحظه الآن، وهو عدم وجود قوات جيش الاحتلال في مراكز المدن الفلسطينية. ما يضطر هؤلاء الشبّاب إلى الذهاب بعيداً للمواجهة في مناطق تماس غير مأهولة، وبالتالي يزيد من فرص التنكيل بهم من دون وجود بوتقة حماية جماهرية لهم، كالحال خلال الانتفاضة لما كان الشباب يختبئون في المنازل والمحال التجارية وغيرها. الحال الراهنة تؤثر سلباً في الزخم الشعبي. أمّا الاختلاف الآخر فيكمن، ومن دون تجنٍّ، في تراجع زخم القوى الفلسطينية بمختلف أطيافها، بصورة كبيرة، ما أدّى إلى إرساء حالة من الركود وشبه الشلل في التواصل مع الأجيال الجديدة، وتثقيفها وطنياً وسياسياً، وتعزيز دورها ومكانتها في مواجهة المشروع الاحتلالي.
إن المشاركة الكبيرة والواسعة لهؤلاء الشباّن والشابّات الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و20 عامًا في هبّة أكتوبر، ناقضت روايتي وكافة الروايات التي اعتبرت أن هذا الجيل لا يمتّ إلى واقعه وإلى محيطه بصِلة، وأن وعيه لدوره العام بدا محدوداً. فقد أثبت بما لا يدع مجالاً للشك بطلان هذا الادّعاء والاتّهام. لا بل أكثر من ذلك، إذ فاقت قدرة هؤلاء الشبيبة على المواجهة كلّ التوقعات، ثم إنها فاقت تقديرات الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية التي لطالما تغنّت بقدراتها على قراءة الأحداث وتحليلها وتقديم المشورة والنصحية إلى أصحاب القرار السياسي في دولة الاحتلال.
اختلفت الحال واختلفت الظروف خلال سنوات الصراع التي قاربت الـ70 عاماً. كذلك، اختلفت الأداوات من انتفاضة إلى أُخرى ومن مواجهة إلى أُخرى. فتتميّز أحداث اليوم باستخدام للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي تكريسها لخدمة هذا الحراك. على سبيل المثال، لم تعد الرواية حكراً على الإسرائيلي. فمن شُرفة المنزل، يمكن لأيّ مواطن /ة فلسطيني /ة تصوير ما يجري أمامه /ا، وخصوصاً في ظل حالات الإعدام الراهنة لشباب وشابات بعمر الزهور، بحجة محاولة الطعن. على الفور، يجري تناقل هذا المقطع المصوَّر ليصل إلى العالم بأكمله خلال لحظات. ثم إن التكنولوجيا، بوسائلها المتنوعة والاستخدام المتميز لها، يختصر الوقت. فلا يحتاج هؤلاء الشباب، بعد عناء النهار، إلى أن يتجمعوا ليلاً لكتابة شعاراتهم على الجدران في المدن والقرى والمخيمات، أو حتى رفع اعلامهم. فالأمر لا يتطلب أكثر من دقائق معدودة أمام الحاسوب أو الهاتف الذكي لنشر كلّ الشعارات المطلوبة والصور ودعوات التجمّع، وخصوصاً أن وسائل التواصل هذه سريعة ومنتشرة في فلسطين بصورة كبيرة، وهؤلاء الشبّان يجيدون استخدامها باتقان.
تجاوز عمْر هذه الانتفاضة ستة أسابيع ولم تنطفئ جذوتها، رغم المحاولات العديدة لاحتوائها، سواء عن طريق التدخل الأميركي المباشر واختزاله الموضوع بحرية الصلاة في المسجد الأقصى ـ كأن الاحتلال موجوداً فقط في البلدة القديمة في القدس أو بالأحرى في الحرم القدسي ـ، أو عن طريق سياسات القمع التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية بجيشها وشرطتها وأجهزتها الأمنية، إن بالقتل والجرح أو بالاعتقال وهدم المنازل أو حتى التلويح بجزرة التسهيلات.
لقد اتخذ هؤلاء الشبّاب قرارهم بالانتفاض والمواجهة ليس لأنهم محبطون أو يائسون، رغم كلّ ما يحيط بهم من عوامل اليأس والإحباط. فالمحبَط واليائس لا يمكنه أن ينتفض ويواصل انتفاضته مبتدعاً أشكالاً وأدوات جديدة ملهمة. وها هي شعاراتهم تتطور تباعاً، ولم تعد مقتصِرة على الانتهاكات الإسرائيلية في الحرم الشريف، إنما ارتقت إلى مقاربة الاحتلال والانعتاق منه.
وفي حال طُوّقت أو أُجهضت هذه الموجة الآن، فإنّها تستحق وضعها كمناسبة بارزة على جدول التاريخ الفلسطيني المليء بالمناسبات، بدءاً من دير ياسين في العام 1948 ووصولاً إلى موجة أكتوبر 2015 (التي لن تكون الأخيرة).
نسمع، وبكثرة، عشرات الآراء والتحليلات بشأن هذه الانتفاضة، وتسميتها، ورقمها، وغياب قيادتها، إذ أتاحت الصحف والمحطّات الفضائية والمواقع الإلكترونية لمن يعرف ولمن لا يعرف إطلاق الأحكام والظهور بمظهر المعلّم والمنظّر. فسمِعنا من يقول إن هذه الانتفاضة لا أبا لها، وعليه، فلا مستقبلاً واعداً ينتظرها، ومآلها الفشل.
لنساعد هذا الجيل المنتفض بمساندته ودعمه، لا بالتنظير عليه. فلنمتنع عن الظهور بمظهر المعلّم والمنظّر، لأن هؤلاء الشباب هم آباء وأمهات هذه الانتفاضة، وهم من سيقودنا إلى الانتصار. إرادتهم الفولاذية تجلّت في الأسابيع الستة الأولى من المواجهة غير اليتيمة، كما اتهمها بعضهم. لنكن عوناً لهم، فهم من سينتصر لنا في النهاية، ليس لأننا فشلنا أو فشل مَن قبلنا، وإنما لأن التراكم، والتراكم وحده، يصنع الانتصار. لنعتذر لهم، ولينتصروا لنا.