| 

ماذا تعني الحياة في مدينة السلام، في المدينة المحرمة، في القدس كما نسميها، أو أورشليم كما يسمونها، أو يبوس كما سماها أجدادنا الكنعانيون؟ في القدس، تبدو الحياة لنا نحن العرب هي عملية ممنهجة لإنتاج جيلٍ كاره لكلّ ما يمتّ للاحتلال بصلة. هم يحاولون إفراغ المدينة من الوجود العربي فيضيّقون علينا في كل شيء، يظنّون ممارساتهم هذه ستدفعنا إلى هجرة المدينة، ولكننا نستقبل إشاراتهم ونحولها إلى كرهٍ دفين يتفجر بأيّ لحظة. نحن في حالة عدم استقرار، وغضبنا سيتفجر في أيّ لحظة.
السابع من تموز العام 2002، صاح أبي: "عمركم ما رح تفلحوا..". كبرت أنا وإخوتي على إيقاع هذه الجملة، إذ كانت تقال لنا عند كلّ خطأ، يليها ذكر واحدة من قصص عصاميات أبي. كان يبدو لنا، في طفولتنا، أن جيل أبي هو الجيل الكامل الذي لا يخطئ. ولكني كنت أرى فيه تناقضًا لا أفهمه، إذ كان أبي يمنعنا من الإطالة مع جماعة المسجد، يخاف أن نلتحق بالجماعات الإسلامية، يحذرنا من غسيل دماغنا وإرسالنا في عملية استشهادية، وفي الوقت ذاته، عند إذاعة خبر عملية استشهادية، كنا نراه في قمة سعادته. تملأ صورة الشهيد الحارة، الشهيد يصبح بطل الجميع، وأبي أولهم. هل نبع التناقض من خوفه علينا أم كان يمثل علينا فرحته بتلك العمليات؟ لم أعلم ولم أفسر، ولربما لم أحتج أن أفسر. فخلال سنتين، كانت الانتفاضة الثانية قد انتهت، وعادت حياتنا إلى الاستقرار، الاستقرار الفلسطيني لا الاستقرار البشري الطبيعي.

كيف تراهق في قدس الـ2005؟
الخامس والعشرون من آب العام 2005. عمري عشر سنوات. يدخل أبي إلى المنزل وبيده ورقة تحمل الحروف العبرية التي لا أزال لا أستسيغ سماعها. يجلس أبي، يقرأ منهمكًا، يمكن للعين أن ترى تجاعيد وجهه وهي تتقلب. ينظر إلى أمي وترى في سواد عينيه قهرًا. تسأله أمي: ماذا هناك؟ يصيح متحسرًا: "ولاد الكلب بدهم يهدّوا دارنا".
أذكر جيدًا نقاش أبي وأمي حول ما يجب أن نفعله. فقد أُرسل إلينا قرارا بهدم منزلنا، فهو مبني بلا تصريح بناء. منزلنا أقدم من عمر دولة الاحتلال هذه، ولكن، مع ذلك، نحتاج إلى تصريح بناء الذي من الواضح أن الحصول عليه شبه مستحيل للعربيّ /ة. دفع أبي عشرات الآلاف - التي تحولت بمرور الزمن إلى مئات الآلاف - لمتابعة موضوع الهدم واستئناف قرارات المحاكم. كانت ضرائب الاحتلال تخنقنا وتحولنا من عائلة تتموضع في الطبقة المتوسطة إلى عائلة من الطبقة الفقيرة بشكل تدريجي قاتل. لا نستطيع أن نفعل شيئًا، فإما نتخلى عن المنزل ويهدم أو ندفع ضرائب المخالفة وأتعاب المحامي والآلاف هنا والآلاف هناك، لنبقى في منزلنا.
كان أخي حسام ذكياً جدًا ويأمل أن يصبح مهندساً. في عطله الصيفية، كان يقرأ في كتاب الرياضيات الخاص بالعام التالي. كان يبدو من المؤكد أنه سيصبح "شيئًا كبيرًا" يومًا ما. لكن، هذا الخناق الماديّ فرض على أخي عدم إكمال التعليم الجامعي والانخراط في عدة وظائف، حتى استقر في وظيفة عاملٍ في مجال المقاولات، دخلها أعلى من سواها.
في صغرنا، كان أبي يجبرنا على الصلاة في المسجد الأقصى، ويحدثنا حديثاً لا نهاية له عن فضل هذا المسجد ومكانته وأهميته، وأن من واجبنا أن نحميه. ولأن الاحتلال منذ صغرنا هو الفزاعة التي تخيفنا كي ننام، فلا بد لهذا الاحتلال من الحضور في الأقصى: حراسة مشددة وتفتيش، وفي معظم الأحيان، يمنعنا من الصلاة في داخله. الدخول إلى الأقصى أشبه بدخول منشأة عسكرية. لم أسأل ولم أتعجب من حراسة الاحتلال لمكان عبادة للمسلمين، كان يبدو لي أن أيّ شيء سيئ لا بد مرتبط بالاحتلال، بذاك الجندي الذي أراه وحشاً يتحرك، سيفعل أي شيء كي يضيّق علينا.
كانت مواجهات الأقصى تحدث متواصلة بسبب اقتحام اليهود للأقصى، كنت أسمع عن تلك الاقتحامات ولكني لم أفهم يوماً ماذا عنت. سألت أبي: "ماذا تعني؟". قال لي: "الاقتحام يعني دخول اليهود إلى المسجد الأقصى، فهم يدنسونه". فأجبته بكلّ براءة: "قبل أسبوع دخل منزلنا محامٍ يهوديّ، هذا يعني أنه اقتحم منزلنا. لماذا لم نمنعه؟". لم أفهم مشهد الصراع الذي يتكرر، بسبب دخول اليهود إلى هذا المسجد. هم يدخلون إلى كلّ مكان في أرضنا، لماذا يجب أن ننتفض فقط عند دخولهم لهذا المسجد؟ صمت أبي ولم يجب. ربما، لم يجد إجابة. وربما، لم يرد أن يجيب.

لا تبتسم في وجهي
السابع عشر من حزيران من العام 2007. في الطريق لزيارة خالتي التي تسكن في رام الله. نقف على حاجز قلنديا المشؤوم، حاجز الذلّ. يصيح أبي متأففًا: "الطريق اللي كان يوخذ خمس دقايق، صار يوخذ ساعة". خالتي، والعديد سواها من أقاربنا، لا يستطيعون زيارتنا. فنحن نسكن في المدينة المحرّمة التي لا يدخلها أحد إلا ساكنيها. بعد الغداء، ألعب مع أبناء خالتي وأصدقائهم. أرغب بشدّة بأن يأتوا لزيارتنا. أريد أن أريهم حارتي وأصدقائي. هناك الكثير ليروه. في طريق العودة، سألت: "لماذا لا يستطيعون زيارتنا؟". كانت الإجابة معقّدة ولا يستوعبها عقلي، لا بل ضاعفت من التساؤلات: "هوية زرقاء". فسروها بقولهم: "هوية إسرائيلية". لم أفهم كيف يعقل هذا. أنا فلسطيني، لماذا أحمل هوية إسرائيلي؟ قال أخي: "وجوازات سفرنا أردنية كمان". كان من الواضح أن الحياة أعقد من أن أفهمها. بدا أن تنوّع هذه الأوراق سيشكل لي صراعًا داخلياً في المستقبل، صراعًا لن يفهمه أحد. فماذا يعني أن تنتمي إلى أرض ولدت فيها وعشت فيها ولكنك لا تستطيع أن تحمل شيئاً من ذلك معك؟
نحن المواطنون الأصليون في هذه البلاد، أجدادنا عاشوا في هذه الأراضي قبل وجود دولة الاحتلال بمئات بل آلاف السنوات. ولكن، نحن هنا نعامل كمواطنين من الدرجة الخامسة، وأحيانًا العاشرة. في واحدة من العطل الصيفية، كان ثلاثة جنود يسيرون في البلدة القديمة، عندما قرروا الاعتداء على العم أبو غافل، وهو بائع بسطة، ومصادرة مصدر رزقه. هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا الموقف. ولكن، المختلف في هذه المرة، أتى من العم أبو غافل. رفض الاعتداء، وكان يصيح بطريقة هستيرية. فحاول إمساكه أحد الجنود، ولكن العم أبو غافل تفاداه ودفعه. فسقط الجندي أرضًا، صوت انفجارٍ يهزّ الحي، أمام أعيننا يسقط العم أبو غافل أرضًا، كان أحد الجنود قد قرر أن يقتل هذا العربي الذي لا يعتبر بنظره مواطنًا ولا حتى إنسانًا. ببساطة، أطلق النار عليه، وأخذ وضعية التأهب. إذا حاول أحد منا الهجوم على أحد الجنود، فسيطلق النار. كان الشعور بالعجز قاتلًا، أن ترى شخصًا يموت أمامك ولا يمكنك أن تفعل شيئًا. شخصٌ يموت بلا سبب.
كلّ هذا بنى في مخيلتي صورة واحدة لهذا الجندي، لهذا الوحش الذي لا يفكّر بشيء إلا كيف يقهرني ويؤذيني. لم أكن أعلم ما إذا كانت صورة الوحش التي أبنيها صحيحة أم خاطئة، ولكني علمت أنني لست الوحيد الذي يبنيها. بعد عدة سنوات، كانت قد أتت إلى المدينة المحرمة مخرجة أردنية من أصل فلسطيني اسمها ميس دروزة تخرج فيلماً اسمه: "حبيبي بستناني عند البحر". كانت تلف مدنًا عدّة في فلسطين. خلال وجودها في مدينة القدس، كان يتكلم أحد الشبان عن الحياة تحت الاحتلال، فذكر أنه يشتاط غضبًا إذا رأى أحد الجنود يبتسم في وجهه أو يلقي التحية أو يحاول أن يكون ودودًا بأيّ شكل. بالنسبة إلى هذا الشاب، الاحتلال يجب أن يكون عنصرياً وأن يكون ظالمًا لكي نبقى نكرهه. كان كلامه مرحلة ناضجة من الكره، كنت أظن أنني أكره الاحتلال لأفعاله. ولكن، من الطبيعي أن تكون أفعال الاحتلال هكذا، فكرهي للاحتلال يجب أن ينبع من كونه احتلالاً. بدأت أراجع كلّ مواقف الاحتلال، وأربطها ما بينها وبأنها فعل احتلال. كانت الأمور تصبح منطقية أكثر. من المنطقي الآن أن يذهب أحد في عملية فدائية، فالاحتلال لن يتغير. الاحتلال يجب أن يزول أو فلنمت ونحن نحاول إزالته.

أخي حسام يكمل القصة
الثالث من حزيران العام 2013. أنهيت تعليمي الثانوي. وكون الاحتلال قد جعلنا عائلة من الطبقة الفقيرة، كان من الطبيعي ألا أكمل تعليمي الجامعي. وجدت وظيفة ذات راتب جيد في أحد المقاهي الفاخرة في شارع يافا، الشارع الذي يقسم القدس إلى غربية وشرقية، يهودية وعربية. وجود المقهى في مجمع ماميلا كما يسمونه. هذا المجمع بني فوق جزء من أهم مقابر فلسطين وأكبرها، مقبرة مأمن الله. في القدس، حتى الأموات لا ينعمون بالسلام. في فترة عملي، تعرّفت إلى العديد من الأشياء. أصبحت أختلط مع اليهود مباشرة، رأيت أن هناك العديد منهم لا يهتمون بشيء من السياسة، والعديد منهم هم مجرد بشر مثلنا خلقوا في هذا الواقع. كنت قد بدأت أرى في الحياة تناقضًا غريبًا. في فترة عملي، تعرفت أيضًا إلى باقي العرب ممن يعيشون في المدن المحتلة منذ عام 1948. كان العديد منهم ينظرون إليّ نظرة دونية، فهو مواطن درجة رابعة وأنا درجة خامسة أو لربما كلانا نحتل مرتبة من خانتين. ومنهم من لا يتكلم إلا العبرية، لا أعلم عجزًا عن العربية أم فخرًا بالعبرية. ولكني أيضًا قابلت منهم من هم وطنيّون أكثر مني ومن غيري، ومنهم من يمتلكون العربية إلى درجة جعلت منه مرجعًا بالأدب. يبدو أن هناك مجتمعات لا أعلم عنها شيئًا، مجتمعات منفتحة ومتحرّرة كثيرا، ومجتمعات محافظة أكثر منا. تلك التجربة أنضجتني كثيرا، وأرتني أن هناك حياة خارج حدود مدينة السلام التي لم تنعم بالسلام يومًا.
الثاني من تموز العام 2014. استيقظنا على خبر مفزع: حرق الطفل الشهيد محمد أبو خضير. القدس كلها انتفضت، وتبعتها إلى الانتفاض فلسطين كلها، من الضفة وغزة إلى مدن الداخل. كان أخي حسام لا يدخل البيت إلا لعدة ساعات يغتسل من رائحة المياه العادمة التي يرش بها المتظاهرون، وهو بينهم. يأكل لقمة ويغادر إلى نقاط التماس والمواجهة. كنت أعود من العمل، وأبقى في المنزل، لم أكن أغادر إلى أماكن التجمهر. أنا بطبعي لست شجاعًا، كنت أبرر عدم ذهابي بأنه ليس من ذهابي فائدة. كنت أقنع نفسي بأننا لسنا بقوة المحتل، فكيف نواجهه؟ كنت أردّد في عقلي جملة قد قالها الفنان محمد بكري في أحد أفلامه: "الذي ليس لديه أنياب، يجب ألا يظهر مخالبه". كان أخي حسام ينظر إليّ نظرة غضب بسبب عدم مشاركتي بتلك المواجهات.
في أحد أيام السبت، وهو عطلتي الأسبوعية، استيقظت بعد فترة الظهيرة. أمي تعدّ طعام الغداء، وتخاطبني بنبرة العتاب: "في حدا بضل نايم للضهر؟". لم أجب، وضعت ماء في الغلاية، وسألتها إذا كانت ترغب بقدح قهوة. أشارت بالإيجاب. كنت أتوقع ذلك، فأمي مدمنة قهوة. أعددت القهوة، وجلست إلى جانبها نشرب القهوة. أشعلتُ سيجارة من الدخان الرخيص، فصاحت في وجهي: "كم مرة كلتلك اتدخنش بالبيت". أخذت فنجان القهوة وخرجت به إلى أمام المنزل لأكمل سيجارتي. أصوات سيارات إسعاف وصياح وإطلاق الرصاص، تملأ الأجواء. فهذا السيناريو المعتاد، منذ بداية شهر تموز هذا. أنهيت لفافة التبغ ورميتها بعيداً، أشحت بنظري إلى رأس الشارع، رأيت ابن جيراننا يصيح باسمي وهو يركض، فركضت باتجاهه أسأله عما يحدث. يلتقط أنفاسه ويقول: "حسام.. حسام.. ياخوي استشهد". جلست على الأرض متسمرًا لا أفكر ولا أتحرك ولا أقول شيئًا. أكمل كلامه وهو يشرح ما حدث، وكيف استشهد حسام في أثناء المواجهات في شعفاط. أنا لا أجيب ولا أتحرك. من بعيد، عدة شبان يركضون باتجاه منزلنا ويصيحون: "يا إم الشهيد زغردي، كلّ الشباب ولادك". وقفت مسرعًا وذهبت إلى المنزل. كانت أمي تقف بجانب النافذة وتصيح باكية. عانقتها وأجهشت بالبكاء معها. صاحت أمي بصوت متقطع يتخلله البكاء: "كيف يعني.. كلّ الشباب ولادي.. ما حدا متل حسام..". كنت أبكي وأنا أتمنى لو أن الزمن ينتهي، لو يمكن لحسام أن يعود، لو يمكن لدمع أمي أن يتوقف. بعد هذه الحادثة، دخلت في مرحلة اكتئاب. لم أعد أنا كما كنت، كُسِرَ شيء في داخلي. كنت دائمًا أنظر إلى حسام كمعلمي ومرجعي في مشاكلي. الآن، حسام قد ذهب بلا عودة. تركت العمل في ذاك المقهى، فأنا لا أطيق رؤية اليهود أو سماع لغتهم. تقوقعت على نفسي. كان صاحباي الوحيدان هما علبة الدخان وفنجان القهوة.

نحن أولى من الأقصى
بداية شهر آب العام 2015. قام عدد من المستوطنين بإضرام النار في منزل الدوابشة بقرية دوما في محيط نابلس. أدى ذلك إلى استشهاد الرضيع علي دوابشة وأبيه وأمه تباعًا، في جريمة خالية من الإنسانية. خرجت اعتصامات وتجمهرات شحيحة إذا ما قورنت بما حدث في العام الفائت بعد استشهاد أبو خضير. بعدها بفترة، كان الاحتلال قد زاد تضييقه على المسجد الأقصى، وزادت اقتحمات اليهود له، وكان مشروع تقسيم الأقصى قد بدأ يلوح في الأفق. بدأت مواجهات ذات طابع طويل الأمد. وفي شهر تشرين الأول، تطورت المواجهات. وبدأت تحدث عمليات فردية مكثفة، من طعن ودهس. بدأنا نسمع عبارة الانتفاضة الثالثة وانتفاضة القدس. لم أكن في البداية أعير الأحداث اهتمامًا، فأنا لست متدينًا بطبعي واقتحمات الأقصى لم تكن تهمني. كانت لدي قابلية لأن أنتفض لحرق العائلة، فهي أولى بنظري من اقتحامات الأقصى. في منزلنا، الأجواء حزينة. فاستشهاد أخي لا يزال حديث العهد، وكل هذه الأحداث تعود بنا إلى ذكراه. عندما يذكر اسمه، أقشعر. أشعر بأنني مقصر لوجودي على قيد الحياة. هو أولى مني بالبقاء هنا. هو أولى مني بالحياة. وأنا أولى منه بالموت.
الخامس من تشرين الأول العام 2015. أتى إلينا المحامي الذي يتابع قرار هدم منزلنا، وتكلم مع أبي. أخبره أننا فعلنا كلّ ما يمكن أن نفعله، ومع ذلك، لم يتمكن من ربح القضية. يجب أن نهدم المنزل بأنفسنا خلال بضعة أسابيع، وإلا فسيقوم الاحتلال بهدمه ويجبرنا على دفع تكاليف الهدم. أبي صاح في وجه المحامي ولم يحاوره ولم يستمع منه. اعتبره محامياً فاشلًا. أخذ أبي الأوراق منه، وخرج. لم يعد حتى منتصف الليل. عندما عاد، أخبرنا أننا يجب أن نغادر المنزل ونهدمه. كان يحادثنا والدمع واضحٌ في عينيه، يكاد يسقط. بعد كلّ تلك المبالغ التي دفعها، بعدما حرمنا من إكمال تعليمنا أو الذهاب مع أصدقائنا في رحلة إلى مدن الساحل. بعد كلّ هذا التقشف والحرمان، النتيجة واحدة. في هذه الليلة، رأيت حسام أمامي يقول لي: "ما نفع هذه الحياة يا أخي؟ قاوم ولا تمت ذليلًا". استيقظت في اليوم التالي وأنا أكاد أتفجر من القهر. كنت قد بدأت أفكر بالانتحار، والانتقام يجول في خاطري. الانتقام ليس لاقتحامات الأقصى ولا لتقسيمه، فانتقامي سيكون لحسام. سأنتقم للعم أبو غافل. سأنتقم لعائلة الدوابشة. سأنتقم لدمع أمي وقهر أبي. سأنتقم لمنزلنا. سأنتقم لحاجز قلنديا، وكلّ ما به من ذلّ. سأنتقم لأن الاحتلال يجب ألا يبقى، فإما يزول أو فلنمت ونحن نحاول إزالته. سأنتقم لهذه المدينة المظلومة. سأنتقم للقدس.
أنا لست بطلًا ولا مغوارًا كأخي حسام. في الحقيقة، أنا جبان. لم أختر طريق الشهادة، ولكن الحياة اختارتها لي. أن أرفض طريق المقاومة يعني أن أتكسر أكثر فأكثر. سأترك الذلّ لحكامنا ومن اتبعهم، وأحاول أن أسلك طريق حسام ومن معه. الشهداء صامتون، لا يتكلمون، هم يفعلون، هم يثبتون لنا معنى أن ترفض الذلّ، هم سبب بقائنا في هذه الأرض.
لكلّ شهيدٍ /ة قصة، ولكلّ ثورة حكاية. وفي القدس، ألف رواية.