| 

"أدولف هتلر لم يكن يرغب في حرق اليهود، بل كان يفكر في طردهم، لكن مفتي القدس الحاج أمين الحسيني حرضه على حرقهم". قنبلة سياسية فجّرها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وانتشر صداها في أرجاء العالم. احتل تصريح نتنياهو وتداعياته مكان الصدارة في الإعلام الإسرائيلي والعربي والعالمي. وغصّت وسائل الإعلام بمواقف وتحليلات وآراء رفضت في معظمها أقوال نتنياهو بشكل قاطع، واتهمته بتزوير التاريخ وإنكار المحرقة. في المقابل، تفحّص البعض حقيقة تلك الادعاءات تاريخياً، متهمين مفتي القدس بتورطه غير المباشر في إبادة اليهود واللاسامية. والسؤال، لماذا اختار نتنياهو هذا التوقيت لإلصاق التهمة بالمفتي؟

رد الفعل العالمي على التصريح
أتى رأي معظم المؤرخين والأكاديميين المختصين في تاريخ ألمانيا النازية والمحرقة حاسماً في ردّه على ادعاء نتنياهو، فرأت المؤرخة في مركز أبحاث أحداث الهولوكوست "يد فاشيم" الإسرائيلي دينا بورات أن "أقوال نتنياهو غير صحيحة بكل المعايير، وهتلر لم يكن بحاجة للمساعدة أو التشجيع في جرائمه، ولا علاقة للمفتي أمين الحسيني بها". بدوره، حذّر المؤرخ موشيه تسيمير من "إعفاء هتلر والنازية من مسؤولية المحرقة وتحويلها للعرب". وجاء الردّ الأقوى باسم الحكومة الألمانية، وعلى لسان المستشارة أنجيلا ميركل، بالقول: "نحن نعرف جميعا أن النازيين وحدهم المسؤولون عن الهولوكوست ولا يوجد سبب لأن نغير هذه الصورة في تاريخنا". يهودٌ ناجون من المحرقة رفضوا بدورهم إدعاءات نتنياهو، وغرّد الآلاف حول الموضوع في وسائل التواصل الاجتماعي تحت "هاشتاغات" مثل: "الهولوكوست"، "هتلر"، "نتنياهو"، "فلسطين"، "المفتي"، وغيرها، بالإضافة إلى عبارات ساخرة أتت أشهرها على صورة لنتنياهو إلى جانب مجموعة من الديناصورات، كتب عليها بالإنكليزية التعليق التالي: "نتنياهو: الفلسطينيون هم سبب انقراض الديناصورات." خسر نتنياهو الجولة بسرعة قياسية (أسبوع) غرباً وشرقاً وداخل اسرائيل، ما دفع به إلى نصف تراجعٍ عن تلفيقه في بيان لاحق له.
وبشكل عام، غطى الإعلام الدولي إدعاءات نتنياهو على حساب ما يجري في فلسطين لجهة الزيادة المضطردة في الانتهاكات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية التي تتمثل بالإعدامات الميدانية، وهدم المنازل، والاعتقالات، وعزل القدس عن الضفة، بحيث أصبحت هذه الانتهاكات جزءاً من الخبر أو المادة الصحافية، إذ استطاع نتنياهو رسم خطّ تاريخي بين المحرقة و "انتفاضة القدس". فالشبان والشابات ثاروا على المحتلين الإسرائيليين ردّاً على الاستيطان والتهويد والتطهير العرقي والتمييز والفصل العنصري والخنق والاذلال، ولم يثوروا لأنهم يكرهون اليهود كيهود أو بفعل "التحريض" التاريخي للمفتي. فنشرت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية مقالاً بقلم داليا شايلدلين في 25 تشرين الأول الماضي التقطت فيه المغزى الخطير للادعاءات حين قالت: "أقوال نتنياهو لم تستهدف هتلر ولا حتى الحاج أمين، بل التحريض الفلسطيني الذي يفسر أعمال العنف الأخيرة بما يرضي الجزء الأكبر من الجمهور الإسرائيلي ويبرر رد الفعل الإسرائيلي: اتباع كل شيء دفاعاً عن النفس". وتضيف شايلدلين: "إن إدعاءات نتنياهو تتضمن التهديد الوجودي لليهود الذي هو جوهر الموضوع. وبهذا يربط نتنياهو التحريض الفلسطيني الحالي بأقصى حالات الدمار المادي والوجودي لليهود". المشكلة إذاً، لا علاقة لها بالاحتلال وبمضاعفة الاستيطان ولا بالتطهير العرقي في القدس وفي 60 في المئة من أراضي الضفة الغربية، المشكلة هي معاداة السامية التاريخية.

مقالات عالمية في "لاسامية" المفتي
على الرغم من رفض معظم المؤرخين فرضية أن المفتي الحسيني كان قد دفع هتلر إلى الإبادة الجماعية لليهود، قدّم البعض آراء متباينة حول مستوى علاقة المفتي مع القادة النازيين. فظهر اجتماع المفتي بهتلر كدليل على معاداته لليهود ورغبته بإقصائهم. ولم يتم التطرق إلى استبعاد هذه المرحلة من السرد والتأريخ والسياق الفلسطينيين. كما لم يتوقف الصحافيون عند مذكرات الحسيني التي صدرت عن "دار الأهالي" (دمشق، 1999). إذ صوّرت معظم المواد الصحافية في الإعلام الأميركي المفتي كنسخة عربية عن هتلر. فمثلاً، نشرت "نيويورك تايمز" مقالاً بعنوان "التنديد بنتنياهو لقوله المحرقة ملهمة فلسطينياً" للكاتب جودي رودوين، حاور فيه مؤرخين بوجهات نظر متعددة، أظهرت ارتباط الحسيني بهتلر، و "كشفت عن معاداته للسامية". وكان آخر هذه المقالات اقتباس لإيدي كوهين (جامعة "بار إيلان" الإسرائيلية) وهو "خبير في التعاون العربي مع النازيين"، تناغم مع إدعاءات نتنياهو حين قال: "إن هتلر والمفتي استمدا الوحي من بعضهما البعض". وأضاف: "لا يمكن للمرء أن يكون في رأسيهما لمعرفة مَن كان يكره اليهود أكثر من الآخر".
"واشنطن بوست" نشرت مقالاً بعنوان "قرن من الكراهية الفلسطينية لليهود" (26 تشرين الأول الماضي). فيه، قدم دانيال بايبس الحسينيّ كنسخة عربية عن هتلر معتمداً على كتاب كلاوس جينسيك (2007) المتمحور حول المفتي والنازيين والذي "بيّن" أن المفتي هو السبب الرئيسي في انتشار اللاسامية في المنطقة العربية وفي إنكار محرقة اليهود. ويؤكد الكتاب بأن المفتي هو "أول من دعا المسلمين للجهاد".
كذلك، تناغم بعض الصحافة الفرنسية مع الأفكار المتداولة أميركياً، وإن بتحفظ أكبر. وإذ اعتبرت صحيفة "لو موند" تصريحات نتنياهو فضيحة تاريخية لن تنسى، وأن مزاعمه وضعته أمام غلطة فادحة لن تغتفر، تراها نشرت في المقابل تقريراً بعنوان "نتنياهو: المفتي ملهم هتلر للحل النهائي" (21 ت1) عرض فيه بيوتر سمولر آراء مؤرخين صوروا المفتي بـ "الرجل الفظيع"، وإن بقي غير مسؤول عن الإبادة. سمولر حاور إيدي كوهين الباحث في جامعة "بار ايلان" و "مركز مناحيم بيغن لدراسة حركات المقاومة"، ونقل عنه: "كان نتنياهو على حق حين عرض دور المفتي في التحريض على العنف"، وأضاف: "إن المفتي هو الذي اخترع فكرة أن المسجد الأقصى في خطر... كان المفتي ذكياً جداً، وهو أول من قال إن اليهود يريدون تدمير الأقصى لبناء الهيكل الثالث. وكان أول من يتهم اليهود بذلك".
ونشرت صحيفة "لو بوان" الفرنسية مقالاً تحت عنوان "هتلر ـ نتنياهو ـ المفتي: الحقيقة التاريخية" بتاريخ 22 تشرين الأول الماضي، وحمّل المقال المفتي مسؤولية قتل آلاف اليهود لما رفض مبادلة 20 ألف سجين ألماني بهجرة 5 آلاف طفل يهودي من بلغاريا ورومانيا وهنغاريا إلى فلسطين. استند فيه الكاتب على المؤرخ الألماني ماتياس كانتزيل في كتابه "الجهاد وكراهية اليهود"، يحكي فيه عن إنشاء المفتي لمنظمة "أس أس" (نازية) بتمويل النازيين في العام 1930، لنشر الدعاية النازية في الشرق الأوسط بهدف استمرار مهمة قتل اليهود.

إعادة إنتاج الخطاب الإسرائيلي
تكمن خطورة التناول الإعلامي لخطاب نتنياهو الذي يبدو سخيفاً للوهلة الأولى بتكرار السرد الإسرائيلي الذي يقترح أن السلوك الفلسطيني تجاه السياسات الإسرائيلية ينبع أساساً من كراهية عميقة الجذور لليهود واللاسامية، لا من الممارسات الإسرائيلية الكولونيالية في فلسطين. ويقدّم هذا الطرح في أطروحات عديدة تنتمي إلى اليمين المتطرف الذي يعيد انتاج الخطاب الإسرائيلي ويحوّل المعتدي الى ضحية والضحية الى معتدٍ. وتتم هذه العملية من خلال اقتباس يتكرّر لخبراء معينين أو باستقصاء مواقف تختلف عن تلك المهيمنة أو اختزال تاريخ الشعب الفلسطيني كله باجتماع الحاج أمين الحسيني بهتلر.
يظهر المؤرخ الفرنسي هنري لورنس في كتابه "القضية الفلسطينية" (المجلد 2، 2002) ملامح مختلفة للمفتي يركز فيها على السياق التاريخي السياسي لفلسطين ومعاداته للسامية في آخر فترات حياته، كما يميز بين العداء للسامية والعداء للصهيونية. ويستشهد بمذكرات الحسيني حول الحادثة التي حمّلته مسؤولية قتل اليهود. وينقل لورنس عن المفتي قوله إن قائد قوات الـ "إس إس" النازية، هنريش هملر، أبلغه، في لقاء جمعهما، بأن عدد الذين قضي عليهم من يهود أوروبا، حتى ذلك التاريخ من العام 1943، قد وصل إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون قتيل. وحين سأله: "وأنتم، كيف ستصفُّون قضية اليهود في بلادكم؟"، أجابه المفتي: "لن نقتلهم، يهودنا عندنا، عاشوا بيننا قروناً طويلة، وبيننا وبينهم عهود ومواثيق منذ زمن الفتوحات الإسلامية، أما يهودكم فلا نريد منهم سوى أن يعودوا إلى البلاد التي أتوا منها، وأن يقلعوا عن فكرة الوطن القومي على أرضنا".
الادعاءات التي اطلقها نتنياهو وروجتها وأعادت إنتاجها وسائل الإعلام الغربية، اعتمدت بحسب الصحافي الاسرائيلي بن كسبيت في صحيفة "معاريف" على شهادة "مشكوك فيها ... وتناست عشرات الخبراء والاكاديميين الذين لديهم آراء أخرى مغايرة". لقد تعايش اليهود في المجتمعات العربية وفي المجتمع الفلسطيني قبل المشروع الصهيوني كمواطنين بسياق مختلف تماماً عن سياق الاضطهاد الأوروبي لهم. وكما لم يُدَنِ المفتي بجرائم حرب ضد اليهود بحسب الوثائق التاريخية، لم تنتج القيادة الفلسطينية بعده مواقف معادية لليهود، إذ قام الرئيس ياسر عرفات بزيارة متحف المحرقة في الولايات المتحدة بما يخالف الادعاءات بأن القيادة الفلسطينية لا تعترف معنوياً وأخلاقياً بالمحرقة اليهودية. وبادر الرئيس محمود عباس إلى تعميم رسالة خاصة باللغتين، العربية والإنكليزية، بمناسبة الهولوكوست في العام 2014 وصف فيها قتل اليهود في الهولوكوست "بأبشع جريمة عرفتها البشرية في العصر الحديث". وأكدّ عباس أن الهولوكوست هي ترجمة لمفهوم التمييز على أساس عرقي وعنصري، وهو ما يعارضه الشعب الفلسطيني ويرفضه بشدة.
تتلخّص المشكلة في عدم اعتراف اسرائيل بالنكبة والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني، وعدم اعتراف اسرائيل بتطبيق القانون الدولي على الشعب الفلسطيني وعلى ارض وطنه. المشكلة في قلب الحقائق والاعترافات والسياقات.