| 

هل هي انتفاضة؟ هل هي هبّة؟ أم ماذا؟ ليس المهم توصيفها، ما دامت شقت طريقها، فهل يشبه الإسم دائماً صاحبه /ته؟
ما يهمّ في هذه الحركة الشعبية الفلسطينية أنها انطلقت من أرض ميتة سياسياً، تركها أصحابها منذ زمن وراحوا يبحثون عن ربح إما من تجارة المفاوضات أو من التمسّك بسلطة على مساحة لا ترقد فيها عنزة بحثاً عن تفاوض غير مباشر. في هذه الأثناء، كان شباب اليوم ينمو، وهو الذي ولد في أعوام الانكسار منذ خراب البصرة حتى دمار بغداد، وما نتج عنهما من ناموس مشوّه اسمه اتفاق اوسلو فأنتج سلطة لا تحكم شارعاً ولا تستطيع حفر بئر يسقي العطشى.
المحلل السياسي جبريل محمد يرى أن "هذه الحركة ليست وليدة كلّ المال المسموم الذي دفعته أوروبا وأميركا لتعلّم الشباب الفلسطيني حلول النزاع واللاعنف والتثقيف المدني، منذ سنوات. إنها حركة شباب رأى كيف يحرق الفوسفور الأبيض غزة، وتشبّع قهراً وهو يرى الإبادة لأسر بأكملها في الشجاعية، والحرق يأكل البشر في القدس ونابلس". يتابع: "إنها حركة جيل تعلّم كيف يخلق مصدراً آخر للإلهام غير الأسرة والمدرسة ووسائل الاعلام، ووجد أن الخوف لن يحفظ حياة، وبالتالي، كان كبيدر القمح الذي سفعته شمس حزيران الحارقة فالتهب مع أول عود كبريت قُدِح في أحياء القدس القديمة". ولكنه لا يتجاهل أن "الحركة الشبابية هذه تتهددها مخاطر الاحتواء وحتى القمع السلطوي، ويتهددها هذا التلكؤ من قوى سياسية خارج قطبي الانقسام لا تجرؤ على تبني الحركة وجعل عودها صلباً وتقديم الحماية الشعبية والسياسية لها".
إنها انتفاضة تختلف عن الانتفاضتين السابقتين بفعل الظروف التي ولدت فيها، حيث تبدو كواحة منعزلة في صحراء عربية أنهكتها حروب القبائل والشيع، وبرغم ذلك ما زالت تدرك تناقضها الرئيسي وموقعه.

قلق المستوطنين في الضفّة
ليس هناك رهان على أحد في دفع الانتفاضة إلى الاستدامة باستثناء العقل الفاشي الصغير الذي يدير المستوطنة البيضاء في تل أبيب، فهو كفيل بسياساته الخرقاء بأن يصب مزيداً من النفط على نارها. ولذلك، لن تنطفئ جذوة الانتفاضة سريعاً، فهي كحطب البلوط تأخذ زمناً حتى تشتعل، ولكنها أيضاً تحتاج إلى وقت حتى يصبح جمرها رماداً.
تفيد تقارير جيش الاحتلال بأن قوته الرادعة قد تراجعت بعد عملية بيت فوريك العسكرية، التي نفذتها مجموعة فدائية في شمال الضفّة الغربية المحتلة، وقتل فيها اثنان من المستوطنين مطلع شهر تشرين الأول الماضي، بالإضافة إلى عمليات طعن ودهس فردية يقدم عليها الشباب الفلسطينيون على الحواجز العسكرية المنتشرة في القدس والضفّة. صار جيش الاحتلال يعتمد على عمليات الإعدام بدم بارد لمجرد الاشتباه وتحت أعين الكاميرات الفردية. وفي حال لم يُعثر على سكين بعد الإعدام، ينفذ الجنود هذه المهمة السهلة واضعين السكاكين بجانب جثث الشهداء، كي تتأمن الذريعة. حتى أن السير جيرالد كوفمان، عضو في البرلمان البريطاني عن "حزب العمال"، وصف عمليات الإعدام هذه بالقول: "إسرائيل تخترع عمليات الطعن لتنفذ إعدامات ميدانية ضد الفلسطينيين".
بيد أن المسؤولية والتحدي اليوم يكمنان في كيفية تحويل هذه الحركة الاعتراضية إلى نمط حياة، وتنظيمها عبر برنامج يخلق لكلّ فرد دوراً فيها. هنا هو المحك، وهذا المحك لا يزال غائباً عن الفصائل التي باتت مهمتها التصفيق لأولادها الذين خرجوا عن طوعها.
يحاول جيش الاحتلال عبثاً استعادة قوة الردع وإعادة الحالة الميدانية في الضفة والقدس إلى ما كانت عليه قبل انطلاق الهبّة الشعبية، إلا أن العين المراقبة ترى أن المستوطنين حدّوا تنقلاتهم الفردية في شوارع الضفة الغربية، وأصبحوا يتنقلون ما بين الخط الأخضر والمستوطنات على شكل جماعات. التنقل الفرديّ صار مغامرة بالنسبة إليهم.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "هآرتس" عن رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" الجنرال هارتسي هليفي، قوله في جلسة مغلقة: "فيديوهات عمليات الطعن المنتشرة على شبكات التواصل خلقت أجواءً من القلق. لو كانت موجودة في العام 1948، لما قامت إسرائيل".
أما الحاخام اليهودي الشهير في إسرائيل مائير مزوز فقد وصف الأحداث، وخاصة مقتل المستوطنين قرب بيت فوريك قبل شهر، بـ "عقاب ربّاني" ردّه هو إلى مسيرة المثليين جنسياً التي نفذها مئات اليهود في القدس قبل أشهر وقُتل فيها أحد المشاركين على يدّ يهوديّ متدين!

أحاديث في أروقة السلطة
تختلف الفصائل في ما بينها، ولكن الغالبية الفلسطينية تجمع على ضرورة دعم الهبّة الجماهيرية التي أشعلها شبّان فلسطينيون، حيث أصبحت تعبّر عن موقف الأغلبية في الشارع الفلسطينيّ. إلا أن السلطة الفلسطينية تتعامل معها بحذر فيما يرفضها التجار نتيجة تراجع استثماراتهم مثلما تظهر أرقام الغرف التجارية الصناعية في الضفة الغربية. الأرقام تؤكد تراجع ميزان المبيعات إلى نصف معدّله تقريباً، وتحديداً في محال الألبسة والمطاعم والفنادق. وقد أكد هذا التراجع في القدرة الشرائية للمواطنين مدير الغرفة التجارية في نابلس عصام أبو زيد، في حديث لـ "السفير" شرح فيه أن "نسبة التراجع الاقتصادي منذ بداية شهر تشرين الأول شملت جميع مرافق الحياة في الضفة، لكن المطاعم والفنادق ومحال الألبسة كان لها النصيب الأكبر في تراجع المبيعات، لدرجة أن المطاعم بدأت بتسريح العمال أو إعطائهم إجازات من غير راتب".
وعلى مستوى اجتماعات القيادة، نقل مصدرٌ مقرّب من مقرّ الرئاسة الفلسطينية حادث تلاسن وتراشق بزجاجات المياه بين العضوين في مركزية "فتح" محمود العالول وتوفيق الطيراوي، حين قال العالول إن "فتح" مسيطرة على الأمور الميدانية وإن "الهبّة يمكن إشعالها ويمكن وقفها متى أردنا". هذا القول لم يرق لتوفيق الطيراوي، مدير المخابرات السابق، الذي تواجد في الاجتماع بحضور الرئيس محمود عباس، فقال: "الهبّة الشعبية جاءت بفعل الناس من الشارع ولا نستطيع السيطرة عليها، لأنها للناس، تحرّكها أوضاعهم الصعبة".
على مستوى التحليل السياسيّ، هناك من يدّعون أن هذا الشباب غير واعٍ للواقع، وإنما يتصرّف بانفعاليه. ما لا يبدو مقنعاً، إذ يبدو أن الشباب واعٍ تماماً لواقع البلد، ولذلك لم يصطدم بسلطةٍ ضعيفة ولم يواجهها في الميدان، إذ وصل بعمق الوعي إلى أن سبب وجود سلطة على هذه الشاكلة أساساً هو الاحتلال، فراح يقارع السلطة الأصلية لا التفرعات الناشئة عنها. ويرى المحللون السياسيون أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يحاول أن يستثمر الهبّة الشعبية الفلسطينية، لكن بحذر.
يقول المحلل السياسي جهاد حرب لـ "السفير" إن "الرئيس يتعامل بحذر شديد في لغته الديبلوماسية التي يستخدمها خلال تجواله في العالم أو حتى خلال استقبال الضيوف الدوليين الذين يزورون فلسطين وإسرائيل في محاولة لإخماد الهبّة". ويجمع المحللون على أن الشارع الفلسطيني سبق قيادته الرسمية والفصائلية بخطوات كبيرة، وهو غير راض عن أداء القيادة برغم محاولات الفصائل الحثيثة اللحاق بركب الشارع، لكن من دون جدوى.
ووفقاً للمحلل السياسي هاني المصري فإن "أكثر ما يميز الهبّة الشعبية الفلسطينية، برغم قساوة الإعدامات الميدانية التي تنفذها قوات الاحتلال وعصابات المستوطنين المتطرفين، هو ابتعادها عن كل ما هو فصائلي". وتابع: "الهبّة الشعبية يقودها شباب بشكل فردي، وهم جيل أصغر من عمر اتفاقية أوسلو، ولم يعش الانتفاضتين الأولى والثانية. إنهم شباب ثائرون نتيجة ممارسات الاحتلال وقطعان المستوطنين ضد عائلاتهم. شباب ليس لديهم ما يخسرونه".
من جانبه، علق عضو اللجنة التنفيذية في "منظمة التحرير" غسان الشكعة على الهبّة الشعبية في حديث مع "السفير"، بالقول إن "الشعب الفلسطيني دائماً يسبق قيادته في أخذ زمام المبادرة في مواجهة الاحتلال. حتى أن هذه الهبّة فاجأت الاحتلال الذي أساء الحكم على الأمور وصعّد من إجراءاته في المسجد الأقصى".
وأكد أن إسرائيل راهنت في حفظ "الاستقرار" على انشغال العالم العربي في قضاياه الداخلية وتراجع القضية الفلسطينية عن سلم الأولويات، كما كثّفت إجراءاتها على الأرض من الاستيطان وعدم الالتزام بكل الاتفاقيات مع السلطة الفلسطينية: "الهبّة الشعبية شكلت حماية مؤقتة للمسجد الأقصى، وأكدت للعالم أن المسّ بالمسجد الأقصى خط أحمر، وأعادت قضية فلسطين إلى سلم الأولويات على المستويين السياسي والإعلامي".
وأشار إلى أن "ردود الأفعال الفلسطينية ضد إجراءات الاحتلال تأتي دائماً من الشارع. وبرغم الدعوات للمقاومة الشعبية القائمة منذ أشهر أو سنوات إلا أن رد الفعل هذا لم يكن بالحسبان، ولا أحد توقع أن يأتي بهذا الحجم والقوة وهذا الأسلوب". وختم بالقول محقّاً: "لا أحد يستطيع التكهن بمستقبل هذه الهبّة في المرحلة الحالية".