| 

قبل أن تبدأ الشمس بنثر أشعتها الذهبية صباحاً، يوقظ الثمانينيّ أبو جابر أفراد عائلته من نومهم، استعداداً لبدء اليوم الأول من موسم الزيتون. يُجهّز الحاج حماره، ويهمس بصوتٍ خفيض متفقداً الأمتعة اللازمة: "راديو، عدّة الشاي والقهوة، المفارش البلاستيكية، الأكياس الفارغة، المنشار، والسلّم الحديدي". رافقت "السفير" الحاج في أول يومٍ له في قطاف زيتونه، متجهاً نحوه على ظهر واحدةٍ من دوابه، بينما استقل بقية أفراد العائلة سيّارةً للوصول إلى الأرض.
"آلاف العائلات تنتظر هذا الموسم بفارغ الصبر لتجني ثمار ما زرعت ورعت طيلة عامٍ كامل"، يقول الحاج أبو جابر. ثم يستدرك ساخراً: "كما ترى، العالم يتغيّر، وكبار السن لا يتغيرون. فهم يفضّلون ركوب الحمار على السيارة، على الرغم من التطور الذي واكب شتى مناحي الحياة حتى وصل موسم الزيتون". يلفت إلى أن السيارة توصل العائلة حتى منتصف الطريق نحو أرضه فقط، ثم يتوجب بعدها على أفراد عائلته الوصول إلى غايتهم /ن مشياً على الأقدام. ومضى أبو جابر بضحكته العفوية: "موسم الزيتون بلا حمار كالخيمة بلا أوتاد!". فعملية نقل أكياس الزيتون المعبأة تتم على الحمار، نظراً لوعورة الطرق بين الأراضي الزراعية، خاصةً في المناطق البعيدة وغير المعبّدة.

لا تضربها!
وصل الحاج أبو جابر إلى أرضه فوجد عائلته قد سبقته في الوصول إليها، تنتظره. بدأت زوجته وأبناؤه وأحفاده بفرش المفارش البلاستيكية أو "الفلّ" تحت أول شجرة زيتون ينوون قطفها. أحد الشبّان أحضر السلّم الحديدي، بينما الحاج الذي غزاه الوهن بعد مسيرةٍ حياتيةٍ طويلة مع الأرض أصبح يُدرك مهمته جيداً: سارع في تنفيذ جولةٍ في كرم الزيتون ليتفقد أشجاره، الواحدة تلو الأخرى، قبل البدء بعملية القطف.
الحاجة أم جابر تجاذبت أطراف الحديث مع "السفير" بابتسامةٍ لم تفارق محياها بينما يداها تقطفان حبّات الزيتون: "الجميع هنا في العائلة يعرف دوره جيداً، الصبايا والصغار يقطفون أطراف الشجرة، بينما الحاج يُعطي توجيهاته ويُحضر اللوازم، أما أولادي فيتوزعون على الشكل التالي: إثنان منهما على السلّم الحديدي لقطف الأغصان العالية، والثالث يتسلق الشجرة".
تشرح أم جابر سبل القطاف: "الحلب باليد أو الضرب بالعصي أو القطف بالأمشاط البلاستيكية هي طرق قطف ثمار الزيتون، لكننا لا نفضّل الضرب بالعصي". الوسيلة الأساسية التقليدية هي القطف باليدين، لكن بعض المناطق تستخدم العصي بدرجة كبيرة، ما يؤثر في ثمار الزيتون سلبا في الأعوام التالية، بحسب أم جابر. وتدلّل على ذلك بالمثل الشعبي القائل: "الزيتونة مثل ما بدك منها بدها منك"، أيّ: مثلما تريد منها خيراً، هي تريد منك اهتماماً ورعاية.
تصمت الحاجة قليلاً، فيقول الفتى سبيل ضاحكاً: "لو أمسكتُ عصا وبدأتُ بضرب الشجرة الآن، لا تستغرب إذا لحق بي جدّي ليعاقبني وهربت راكضاً بين كروم الزيتون! العصي فقط لبعض الأغصان العالية جداً والتي لا ينجح السلّم في قطفها".

الزيت ليس حدود الزيتون
انتقلت "السفير" إلى عائلة أخرى في بلدة كفر الديك الواقعة غرب سلفيت، وقد بدأ فيها موسم الزيتون باكراً. هناك، يستقبل الشاب وسام الديك الوافدين بالتأكيد على تعدّد منافع موسم الزيتون بالنسبة إلى العائلة الفلسطينية، إذ لا تقتصر على الزيت السائل الصافي فقط، بل تمتد لتشمل جوانب كثيرة. يدلّل الديك على ذلك بالمثل الشعبي: "الزيت عماد البيت".
يشرح الديك المنافع الأخرى للموسم متحدثاً عن الزيتون الأخضر الذي يسمّى "الرصيع"، وفي مناطق أخرى "رصيص". يُقطف من الشجرة ويُراعى ليكون ذا لونٍ أخضر وكبير الحجم. ثم يُفتح في كلّ حبّة شقاً، ويتم خلط الحب الأخضر بالملح والماء، تمهيداً لتخزينه داخل عبوات بلاستيكية محكمة الإغلاق. وينتقل الديك بحديثه إلى الزيتون الأسود المكبوس: "هناك طريقتان لإعداد الزيتون الأسود، الأولى عبر وضعه داخل كيسٍ وتمليحه ووضع الحجارة فوقه، والثانية من خلال دفنه في أكياسٍ تحت كميات الجفت الناتج من عصر الزيتون، ثم استخراجه وغسله ورشّه بالملح".
يوضح الديك أن الصابون البلدي هو منتج أساسيّ في كلّ بيتٍ فلسطينيّ. ويشكّل زيت الزيتون المادة الخام الرئيسية في صناعته. أيضاً، تُعتبر مادة "الجِفت" التي تستخرج من عملية عصر الزيتون ذات فائدةً أيضا، إذ تُستخدم المادة في التدفئة خلال فصل الشتاء عبر وضع الجِفت في "موقد الحطب" و "الداخون" و "نار المنقل". أما الأخشاب الناتجة من شجرة الزيتون فتُعدّ من أفضل المواد المستعملة في إيقاد النار، نظراً لبطء احتراقها وعدم انبعاث الدخان منها، بحسب الديك.

"قلم الزيت"
منذ قرنٍ كاملٍ من الزمن، لا تزال مدينة سلفيت (وسط الضفة الغربية) تحتفظ بتقليد "تضمين قلم الزيت" كطقسٍ يتم تنظيمه سنوياً قبيل بدء موسم الزيتون. ويتلخص هذا الطقس في دفع المزارعين ضريبة إنتاجهم من الزيت، ليستعيدوا لاحقاً المبلغ الذي دفعوه. يشرح مدير الزراعة في سلفيت إبراهيم الحمد للـ "السفير": "تنادي مكبّرات الصوت داعيةً المزارعين للتجمّع في موعد حفل التضمين السنويّ، فيحضر الجميع في الموعد المحدد، ويتم البدء بمزاد علني يفوز به مزارعٌ واحد". ويشرح الحمد قلم الزيت: "كلّ مزارع يدفع قرشين بالعملة الأردنية أو ما يعادل ذلك عن كلّ كيلو زيتٍ ينتج من عصر الزيتون. والمزارع الفائز يجمع الضريبة من المزارعين عبر كشوفٍ يحصل عليها من مالكي معاصر الزيتون".
عن أبرز الفوائد التي تعود على المزارعين من دفعهم لضريبة "قلم الزيت"، يوضح الحمد أن المزارع الفائز بقلم الزيت يُسلّم أموال الضريبة لصندوق اللجنة الزراعية التابعة لمجلس بلدية سلفيت، ليتم استغلال الأموال على الوجه الأمثل على مستوى الأمور الزراعية، كأجور حرّاس أراضي الزيتون قبل بدء موسمه. ويضيف الحمد: "الحراسة ضرورية لحماية الموسم سواء من المستوطنين أو من اللصوص والعابثين، بالإضافة إلى منع المزارعين من القطف قبل الموعد الرسمي المحدد. أيضاً، يتم دفع أموال ضريبة قلم الزيت لشراء المستلزمات الزراعية كالمبيدات وبعض المعدّات، بالإضافة إلى منح قسمٍ من الأموال لتنفيذ مشاريع زراعيةٍ كشقّ الطرق أو استصلاحها".
ما يجنيه المزارع الفائز بالتضمين هو احتفاظه بالمبلغ الزائد من المال الذي وصل إليه المزاد. فمثلاً في هذا العام بلغت قيمة الضمان أربعة آلاف دينارٍ أردنيّ. ما يزيد عنها يكون من نصيب المزارع الفائز بالمزاد، تقديراً لتعبه وجهوده في جمع الضريبة من كل مزارعي مدينة سلفيت، حسبما يشرح الحمد.

"المعونة"، ومعانيها الحديثة
كثيرةٌ هي الطقوس والتقاليد التي تخصّ موسم الزيتون وترافقه، ربما يكون أبرزها مصطلح "المعونة" التي بدأت تأخذ أشكالاً أكثر تطوراً وشموليةً بشكلٍ تدريجيّ. ويشرح منسق حملة "إحنا معاكم" التطوعية خالد منصور للـ "السفير" أن مصطلح "المعونة" كان يُطلق قديماً عندما يُنهي أفراد العائلة قطف الزيتون، فيتوجهون لمساعدة عائلة أخرى في قطف زيتونها في البلدة ذاتها. وقد تستمر المعونة ليومين أو ثلاثة وربما أكثر". هذا الطقس بحدّ ذاته يُعطي أبعاداً عميقة للتكاتف والتكافل الاجتماعيين، حتى أن العائلة التي تصلها المساعدة كانت في آخر النهار تعطي كميةً من ثمار الزيتون للفتية الصغار. يُطلق على هذه الكمية تسمية "الشروة" أو "الجاروعة" تعبيراً عن العرفان والتقدير للعائلة التي جاءت للمساعدة من دون دعوة.
اليوم، أخذت "المعونة" منحى أوسع. وحملة "إحنا معاكم" هي نموذجٌ بارزٌ عن ذلك، إذ يقول منصور: "تنطلق الحملة بتنظيمٍ من "جمعية الاغاثة الزراعية" وبالاشتراك مع عددٍ من المؤسسات المجتمعية. وتستهدف الحملة التطوعية قطف الزيتون مع العائلات التي تمتلك أراضي زراعية في المناطق المحاذية للمستوطنات الاسرائيلية، كما العائلات التي لا تحوي أفراداً قادرين على قطف الزيتون. وهي حملة سنوية تشمل هذا العام 33 موقعاً وتجمعاً سكانياً، يشارك بها حوالي 1410 متطوعين فلسطينيين ودوليين". ومن المقرر أن يستفيد من الحملة التطوعية حوالي 140 مزارعا وسيجري قطف الزيتون في أراضٍ مساحتها حوالي 653 دونماً، بحسب منصور.

عصر الزيتون
يستحضر الشاب معتز الخطيب تفاصيل عصر الزيتون قديماً، ناقلاً ما رواها له والده. فيوضح للـ "السفير" أن المزارعين كانوا يعصرون الزيتون بطرقٍ تقليدية بدائية لعقودٍ طويلة قبل ظهور المعصرة الحديثة والأوتوماتيكية، إذ كان من أبرز الطرق تاريخياً ما يُعرف فلسطينياً بـ "حجر البَد" القديم أو حجر الزيت. تتلخص آلية العصر في حجرٍ كبيرٍ مدّور على شكل إطار يجرّه زوجٌ من الدواب كالأحصنة أو الأبقار، وتظل الدواب تُدير الحجر عبر ربطه بالحبال، بعد أن توضع ثمار الزيتون داخل الحجر.
ويشير الخطيب إلى أن الحجر كان يهرس ثمار الزيتون، فيوضع الثمر المهروس في أوعية مستديرة مصنوعة من الكتان، ثم يتم ضغط "المكبس" اليدوي بقوة الرجال البدنية بعد وضع أوعية الزيتون المهروس في "قفف بلاستيكية"، ويستمر الضغط حتى يسيل الزيت من المكبس.
كان الزيت ينساب من "المكبس" مع عكارته، ولم يكن يخرج صافياً كاليوم، نظراً لعدم وجود "الفرّازات" الحديثة في ذلك الوقت، وهي تفصل الزيت عن كل ما يعكّر صفوه. بعد نزول الزيت من المكبس، يكون جاهزاً في أكياسٍ جلدية تسمى "سعون" تشبه "القربة" ويتسع الواحد منها لكمية تتراوح ما بين ثلاثة وأربعة غالونات بلاستيكية، ثم يُنقل إلى البيوت بمساعدة الدواب ليتم تخزينه داخل البراميل البلاستيكية.
ينتقل الخطيب في حديثه إلى تقديم آلية عصر الزيتون في الحاضر: "تكاد كل قريةٍ فلسطينية لا تخلو من وجود معصرةٍ حديثة للزيتون. وخطوات العصر فيها تتم بسلاسةٍ وسرعة بدءًا من تكفل صاحب المعصرة بنقل أكياس الزيتون مروراً بتفريغ العمّال للزيتون، ثم الغسيل والفرز والكبس، وصولاً لنزول الزيت الصافي عبر "الفرّازة". وفي النهاية، تتكفل المعصرة أيضاً بنقل غالونات الزيت البلاستيكية إلى منزل المزارع".