| 

منذ عشرات السنوات، تتفاوض السلطة مع الاحتلال من دون أن تنكب على التخفيف من التبعية الاقتصادية الفلسطينية للدولة الإسرائيلية. لم تنكب أيضاً على تلبية أولوية حيوية وهي إيجاد حلول لاعتماد فلسطين شبه الكلّي على المساعدات والمنح العربية والأجنبية في تغطية نفقات السلطة وديونها.
في المقابل، تفاقمت المشكلة مع انتقال الأزمة الاقتصادية والسياسية إلى داخل المجتمع، الذي على ما يبدو أصيب بحالة من اليأس. فمن ناحية، أدّت سياسات الحكومة المالية إلى زيادة عدد المقترضين من المصارف بدلاً من تحقيق التنمية وتخفيف التبعية. ومن ناحية ثانية، انخفضت ثقة المواطن بالقيادة نظراً لعدم تحقيق مكاسب وطنية حقيقية ولقدرتها على تجيير كلّ حراكٍ شعبي في مصلحة المزيد من هذه التسويات.
على وقع تلك المعطيات والضغوط، انطلقت الهبّة الشعبية لتكشف عن خللٍ في النسيج الاجتماعي بدا أثره واضحاً على نوعية المشاركين في الهبّة، وهم في غالبيتهم: شبان وشابات الجامعات والمدارس. حتى أن دعوات الفصائل لم تفلح في إشراك أطياف الشعب المختلفة.
لذا، لا غرابة في أن تسمع يومياً حواراً يدور بين مواطنين كثر في الضفّة الغربية، يسألون: أين بقية الشعب؟ ويجيبون: البنوك أخذتهم، و: سينزل الشعب لما ينزل المسؤولون وأبناؤهم إلى الميدان.

هندسة التبعية الاقتصادية لإسرائيل
تكرّست علاقات فلسطين الاقتصادية بإسرائيل في العام 1994، في "بروتوكول باريس الاقتصادي" الذي جاء ملحقاً باتفاقية أوسلو الموقعة بين "منظمة التحرير الفلسطينية" وإسرائيل.
ويقوم البروتوكول الذي غطت صلاحيته فترة انتقالية مدتها خمس سنوات تمهيداً لقيام السلطة، على تنظيم العلاقات الاقتصادية بين الطرفين. وتفيد بعض بنوده بأن إسرائيل تتحكم بالمعابر والحدود وكل الموارد الإستراتيجية كالمياه والطاقة، وتربطنا بغلاف جمركي واحد، بالإضافة إلى جباية إسرائيل بدلاً من السلطة إيرادات الضرائب. في نتيجة ذلك، صار الاقتصاد كله تابعاً لإسرائيل.
مثلاً، على مستوى رواتب الموظفين الحكوميين الذي يقدّر عددهم بـ180 ألفاً، تعجز السلطة عن دفع الفاتورة الشهرية إذا قررت إسرائيل معاقبتنا بتجميد تحويل أموال "المقاصة" - وهي الأموال التي تجبيها إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين من حركة السلع والخدمات الصادرة والواردة من فلسطين وإليها عبر الحدود الدولية. تقدر قيمة "المقاصة" بـ550 مليون شيقل شهرياً، وتشكّل ما نسبته 70 في المئة من الاقتصاد الفلسطيني.
وعلى الرغم من تلك السيطرة التي تخنق الاقتصاد، لم يسجّل عبر السنوات الماضية أن طالبت فلسطين رسميّا وبدعم دوليّ، بتغيير بنود في بروتوكول باريس، إنما كانت "الرغبة" تقتصر على المطالبات الإعلامية.
وأتت سياسات الحكومة المالية في ظل هذا الواقع لتفاقم الأمور، إذ أغرقت المواطنين بالديون المصرفية فيما لم تعطِ اهتماما للسياسات التنموية التي يمكنها أن تساهم في تقليل التبعية.
وهنا، أظهرت بيانات الجهاز الإحصاء المركزي أن نسبة 77 في المئة من الأسر مقترضة من المصارف. وبحسب سلطة النقد، فقد طرأ ارتفاع بنسبة 147.5 في المئة منذ العام 2009 على نسبة عدد المقترضين من مؤسسات الإقراض!
وأوضحت تقارير اقتصادية تصدر دورياً أن الحصّة الكبرى من مجمل القروض الممنوحة هي "استهلاكية"، وبالتالي تضيف آثاراً سلبية على الاقتصاد، تتمثل باستنزاف الموارد. إذ، إلى كون هذه القروض غير إنتاجية، فإن معظم السلع الاستهلاكية هي سلع مستوردة. وتأتي القروض العقارية لتستهلك حصّة الأسد من القروض، بالمقارنة مع باقي القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، إذ تصل نسبتها إلى 18.7 في المئة من مجمل القروض.

هل واقع الاقتصاد يضعف الهبّة؟
يشرح عدد من التجار والخبراء في الضفة لـ "السفير" أن الهبة، حتى تنجح بقوة، تحتاج إلى متانة اقتصادية وطنية تتم عبر إعادة رسم السياسيات الاقتصادية الداخلية بهدف تقوية النسيج الاجتماعي وتخفيف التبعية ثم التفاوض مع إسرائيل.
في سياق حديثه حول ذلك، طلب تاجر الأغذية (من رام الله) ن. أ. عدم نشر اسمه كاملاً، بسبب حساسية الحديث في الخسائر في ظل هذه الأحداث الوطنية. قال: "إن المبيعات تراجعت بنسبة 50 في المئة، ولم تعد الشركات والمصانع التي نشتري منها المواد الأولية تقبل بالشيكات إنما تطالبنا بالدفع كاش فقط. كما أن المواطنين، على ما يبدو، صاروا يدّخرون أموالهم ويؤجلون شراء ما لا حاجة ماسّة لهم به".
وفي محافظة نابلس، اشتكى عددٌ من التجار من ضعف الحركة التجارية، حتى أن بعضهم أغلق محالّه نظراً لعدم القدرة على دفع التكاليف الشهرية. ويشرح التجار أن "عدم دخول فلسطينيي الداخل إلى هنا أثّر على البيع، بالتزامن مع خوف سكان المدينة من صرف أموالهم هذه الفترة".
وفي السياق ذاته، أوضح الناطق باسم وزارة الاقتصاد الوطني عزمي عبد الرحمن أن الوزارة تلقت شكاوى من مصالح تجارية تشغّل 60 عاملاً وأكثر، تفيد بأنها لم تعد تمتلك القدرة على العمل، وباتت مهددة بالتوقف.

لا يمكن إنهاء "باريس".. ولكن!
يعتبر الباحث الاقتصادي بكر اشتية أن إنهاء بروتوكول باريس هو "ضرب من الخيال"، إذ لا نستطيع العيش من دون تنظيم العلاقات مع إسرائيل، نظراً لكونها الطرف الأقوى. إلا انه أكد أن "باستطاعة القيادة أن تعدّل على البروتوكول من خلال مطالبات دولية".
ويؤكد الباحث الاقتصادي فراس جابر أنه، "حتى نضمن ألا يضعف الواقع الاقتصادي في الهبة الحالية أو أي هبة مستقبلية، يجب دعم الحراك الاقتصادي لأن شعبنا معرّض للكثير من الأدوات العقابية في ظل عدم سيطرتنا على مواردنا ووجود نحو مئة الف عامل فلسطيني في إسرائيل".
ورأى أن إغراق الموظفين والمواطنين بالقروض حدّ من التحرك الوطني، إذ "جعل المواطنين يفكرون ألف مرة قبل أن يتحركوا".
وتمكن ملاحظة قوة التبعية لإسرائيل بالنظر إلى الموازنة التي صار معظمها مخصصا للرواتب والأجور. والمشكلة هنا أن دفع الرواتب يتم من خلال إيرادات "المقاصة" التي تجبيها اسرائيل بدلاً من السلطة، وفق بروتوكول باريس، بالإضافة إلى اعتمادها على المنح والمساعدات لتغطية نفقاتها.
لذا، تعمد الدول المانحة وإسرائيل إلى تجميد المنح وإيرادات "المقاصة" كلما احتاجوا الضغط على السلطة، ما يشلّ الحركة الاقتصادية.
وحتى الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، بلغ إجمالي المنح والمساعدات للموازنتين العامة والتطويرية، الذي تلقته الخزينة 2.305 مليار شيقل (593 مليون دولار)، أيّ ما نسبته 30 في المئة فقط من إجمالي المنح والمساعدات!
ومنذ بداية العام حتى شهرنا هذا، وكسابقة تُسجّل، لم تحوّل الولايات المتحدة مساعداتها المالية إلى السلطة بذريعة عدم التزام الأخيرة بالاتفاقات وحماية أمن إسرائيل.
وكان إجمالي العجز الجاري في الميزانية قد بلغ 420 مليون دولار أميركي خلال الأشهر التسعة الأولى. وينتج العجز الجاري عن واقع أن نفقات الحكومة أكبر من الإيرادات، بالإضافة إلى عدم وصول المساعدات لتغطية النفقات التطويرية. كما وصلت قيمة الدين العام الإجمالي الذي يتوزع بين داخلي وخارجي إلى 8.782 مليار شيقل.
ولتخفيف الاعتماد على المساعدات الخارجية والتبعية لإسرائيل، اقترح الباحثان عدداً من الحلول، نذكر منها: التشديد على سياسة مراقبة التهرّب الضريبي والتفاوض مع إسرائيل بوساطة دولة ثالثة من أجل وضع قوة دولية تسيطر على المعابر أو السماح بتمثيل فلسطيني عليها.
ويقدر التهرّب بقيمة 500 مليون دولار، بمعنى أن الحكومة ستوفر نحو ملياري شيقل سنوياً من التهرّب الضريبي لمصلحة الخزينة. ما يقلل التبعية، وما يمكنه أيضاً أن يفشل مخطط إسرائيل بمعاقبة الفلسطينيين عبر الرواتب، إذا أحسنت الحكومة التصرف بالأموال.
حلٌّ ثانٍ اقترحه الخبيران يتعلّق بالتنمية. فمثلاً: يمكن ضخّ أموال في القطاع الزراعي لزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي. وكانت الزراعة تساهم في الناتج المحلي قبل أوسلو بنسبة 44 في المئة بينما لا تقوى راهناً إلا على تأمين ما تقارب نسبته الخمسة في المئة. وبحسب تقارير اقتصادية، تتوفر فلسطينياً مساحة تقارب الـ950 ألف دونم صالحة للزراعة، غير مستخدمة!
أيضاً، رأى الباحثان أن إنفاق الحكومة على الأمن، الذي يستهلك نسبة تقارب 40 في المئة من الموازنة، هو أمر مبالغ فيه، حيث بالإمكان خفض الإنفاق بنسبة 10 في المئة، ما سيوفر أموالاً للخزينة. يمكن تخفيض ميزانية الأمن لمصلحة مؤسسات تنموية على المستوى البعيد كالتعليم والصحة.. ناهيك عن المحاكم التي تجمد فيها القضايا المتعلقة بالأموال (إدارة الأراضي والميراث والشركات، مثلاً) بما يعيق العجلة الاقتصادية.
وأكدا ضرورة رفع الجباية المحلية تدريجياً، من خلال رفع الإيرادات، بإحلال المنتجات المحلية في الأسواق، وإيجاد بدائل عن تلك الإسرائيلية.
يذكر هنا أن سياسة مقاطعة الاحتلال تنجح في فلسطين. بحسب بيانات البنك الدولي، تراجعت الصادرات الإسرائيلية إلى الضفة والقطاع بنسبة 24 في المئة في الربع الأول من العام الجاري.
وتستورد فلسطين من العالم منتجات بقيمة 5 مليارات دولار سنوياً، معظمها (70% منها) من اسرائيل، فيما تصدّر للأخيرة بقيمة 870 مليون دولار سنوياً. وإذا عاقبنا المنتج الإسرائيلي وأحللنا البضائع المحلية مكانه، يمكن أن ننتج بضائع إضافية بقيمة ملياري دولار، حسبما يتوقع الخبراء.
وتطرق الباحث جابر إلى آلية منح القروض. إذ تعمل المصارف على تسهيل منح القروض الاستهلاكية وللشركات الكبيرة، فيما يجد أصحاب المشاريع الصغيرة صعوبة في الاقتراض: "الاقتصاد الفلسطيني قائم على الأرباح العالية والقطاعات المضمونة".
ومن خلال ملاحظاته التي جمعها على مرّ ندوات عقدها مع المسؤولين، يلفت جابر: "من الواضح أن إستراتيجية السلطة تقوم على مصالح الشركات الكبرى. إذ يتم التفاوض على ترددات الجيل الثالث والرابع للهواتف والمعابر والمقاصة، لكن لا يتم التفاوض على الإنتاج الحيواني والزراعي".

كيف سيكون حالنا؟
أكّد جابر أنه لو تم العمل بتلك الخطوات القليلة فسيصبح اقتصادنا ومجتمعنا قادرين على حماية الذات بنسبة 70 في المئة. فإذا تعطلت العلاقات مع الاحتلال بالكامل، "فسنرى ردّ الأسواق فورا: العمّال الفلسطينيون في إسرائيل سيجدون عملاً والمصانع ستحتاج إلى عمّالٍ جدد. بالإضافة إلى ذلك، سنكون قادرين على التماسك اجتماعياً".
وأوضح جابر أنه حتى لو عادت قوات الاحتلال وشنّت هجوماً على الفلسطينيين، فسنتكيف فوراً لأن ما سيخربه الاحتلال لن يتجاوز منشآت صغيرة ومتوسطة: "سيكون لدى الفلسطينيين الكثير منها، وهو ما سيزيد التماسك الاجتماعي"، مؤكداً ضرورة دعم المنشآت الموجودة من قبل الحكومة فوراً وفتح مشاريع جديدة.
واستحضر الباحث الاقتصادي الانتفاضتين الأولى والثانية، إذ ساهمت المنشآت الصغيرة والمتوسطة الكثيرة التي كان يملكها المواطنون في تحقيق التماسك الاجتماعي.
ومع ذلك كله، فإن حالة اليأس تجلل يوميات الكثير من المواطنين جراء الأوضاع الاقتصادية والسياسية، قد لا تتماسك في ظل استمرار الضغط الإسرائيلي المرفق بمشاهد القتل والانتهاكات اليومية. ما قد يؤدي إلى انفجار الشارع في أية لحظة، انطلاقاً من حقيقة أن الانتفاضة لا تنتظر قراراً من أحد.