| 

مرة، مرتين، ثلاث مرات.. حاول البروفسور روبرت لوفلاس الإبحار على متن سفن الأمل إلى غزة وخاب أمله في كل مرة، وكأنّه كتب لـ "لوفلاس" ألا يجتاز الجدار. السفينتان الأوليان لم تبحرا، وكان مصير السفينة الثالثة أن اقتيد ركابها إلى السجون الإسرائيلية للتحقيق معهم ومن ثم ترحيلهم تباعًا.
"أمضيت وقتي في مراقبة السفينة لما يناهز الساعتين يوميًا. أنا بطبيعتي أحبّ أن أحدّق في الأشياء. كنت أرى حركة النشطاء تضخّ الحياة على متنها. عندها، أيقنت فعلًا أنني في طريقي إلى غزّة، وأنّنا سنمضي الأسابيع الأولى على متن السفينة هذه متجهين رويدًا رويدًا نحو حلمنا ببلوغ القطاع المحاصر. رحت أمارس عملي، فاستأنفنا حلقات الحوار مع فريق العمل والمندوبين لنضع استراتيجيات تحرّكنا. عندها، انشغلت لبعض الوقت، إلا أنني كنت أعود بين الفينة والأخرى لأراقب المشهد، كان فعلًا عالمــًا جميلًا حصّنني بالقوّة".
هكذا يصف لوفلاس بداية رحلته على سفينة "مريان" في الأسطول الثالث المتّجه إلى غزة، متحدّيًا الحصار الإسرائيلي.


أصول متجذّرة في الأرض

لا نعرف إن كانت محض صدفةٍ أن يولد لوفلاس لأبٍ أميركي وأمّ هندية في العام 1948، أو أن يغادر أميركا بسبب نشاطه السياسي في العام 1969. إلا أنّ ما لا لبس فيه أنه بإيمانه بأحقية القضية الفلسطينية، شارك لوفلاس، ومنذ قرابة الـ15 عامًا، في المؤتمر الأول للإبادة الإسرائيلية التي تُمارس بحق الشعب الفلسطيني في تورنتو، بصفته مناهضًا للاستعمار، وفي طليعة الداعمين لحرية الشعوب.
في هذا الإطار، يقول روبرت: "استوقفني إصرار الفلسطينيين على إثارة موضوع الاستعمار في بلدهم الأم، وهم، كوافدين، يعيشون في ظلّ التهديدات التي قد تتوعدهم بها الحكومة الكندية. شعرت هنا بأن اهتمامي بدأ يزداد تّجاه قضايا الاستعمار بشكل عام، منها ذاك الذي عانت منه كندا آنفًا وتعاني منه فلسطين دائمًا".
ويضيف: "في الحقيقة، أجدني اليوم عاجزًا أمام سؤال كبير: ما هو الحلّ لما يحدث من إبادة للشعب الفلسطيني؟!
لا أدّعي أنني أفهم التعقيدات بما يكفي عمليًا وعلميًا لأجيب على هذه المعضلة، سواء حلّ الدولة الواحدة أو الدولتين، إلا أنني على يقين تام من أن هناك شعبًا سُلِبت أرضه واستبيحت بيوته. بإمكانك تغيير الحكومة والدولة وحتى الاسم، ولكن هذا لا يلغي وجود دولة أمّ تعود إليها جذور شعب بأكمله ينتظر عودته إلى دياره.. وفلسطين هي هذه الأرض المتجذّرة فيها أصول هذا الشعب".
وفي هذا الصدد، أكدّ روبرت أن "الشعوب الوافدة إلى كندا غالبًا ما تسعى للحصول على رضا الحكومة، إلا أن الأمر مختلف بالنسبة إلى غالبية الفلسطينيين الذين يستميتون في الدفاع عن قضيتهم". ويؤكد أن هذا هو الدافع الأساسي الذي حدا به إلى المشاركة في غالبية المؤتمرات الداعمة لقضية فلسطين التي كانت تعقد في تورنتو، فيما تغيّب قسرًا عن بعضها بسبب وجوده في السجن كأسيرٍ سياسيّ في قضايا أخرى.


"هي فعلاً قضية تحرير الشعوب"

يبدو لوفلاس ناشطًا إنسانيًا بالدرجة الأولى، عاشقًا للحرية ومتفانيا في الدفاع عمّا يؤمن به من أحقية الشعوب في تقرير مصائرها. يعتني بحديقته، ويستمدّ منها فلسفته الحياتية، بحيث يشبّه البشر بجذوع الشجرة المتساوية. لذا، يبدو لوفلاس متنقلًا على ظهر شاحنته في الطبيعة في اللقطات التي أخذت له في الفيلم التصويري الذي تضمن مقابلات عدة مع رواد سفينة "ماريان".
درس لوفلاس الفلسفة والعلوم الدينية، وهو أستاذ في "جامعة كوين" الكندية. يبدو حازمًا في آرائه، وإنما بهدوء المدرك المطّلع الذي يبدي رأيه من دون أن يفرضه. فيؤكد: "القصة تتعلّق فعلًا بتحرير الشعوب. إن فكرة الصراع العربي - الإسرائيلي ابتكرها الغرب للاستفادة منها بغية استخدامها في شدّ الخناق على الشعب الفلسطيني الذي ترك وحيدًا أمام مهمة التصدي لاحتلال يفتك وينكل به وينتهك أرضه وعرضه كل يوم". ويضيف: "يتوجب على العالم أن يعرف الحقيقة، خاصة الشعوب الغربية. لطالما آمنتُ بأن بعض الشعوب تعيش آمنة لأن هناك شعوباً أخرى تنغمس في المعاناة حتى النخاع".
وبشيء من الانفعال الصادق، تعلو نبرة صوته فيما تشوبها غصّة واضحة: "على الفلسطينيين أن يحكوا حكايتهم الخاصة للعالم بأسره". ويعقب موضحًا: "لطالما سوّقت دولة اسرائيل لنفسها على أنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهذا ليس صحيحًا، لأن الديموقراطية لا تلتقي مع الاستعمار. لا يمكن لإسرائيل أن تكون دولة مستعمِرة، وأن تدعي الديموقراطية".
تجدر الإشارة إلى أن لوفلاس الذي اعتنق الإسلام، وهو المولود لأبّ وأمّ مسيحيين، يقول إنه لم يختر هذه الديانة كونها سهلة الممارسة، بل لأنها رحيمة وصادقة في النظر إلى العالم. وقد وجد فيها الطريقة الـمُثلى للتعرّف إلى نصفه الهندي وسبر أغوار جذوره الهندية المـُلهِمة.


"قمّة الروعة في المتوسط"

يرى لوفلاس أن القضية الفلسطينية هي البوصلة الأساسية للعديد من القضايا حول العالم. ولذلك، تراه قصد اليونان وتركيا في العامين 2011 و2012 بغرض المشاركة في رحلتي السفينتين الذاهبتين آنذاك إلى غزة. لم تبحر السفينتان حينها بسبب الضغوطات الكبيرة التي مارستها السلطات الإسرائيلية على كلّ من البلدين، وانطلاقًا من ذلك يقول: "لقد كان لي الشرف الكبير أن أكون على متن مريان، هذه المرة".
يتذكر لوفلاس الرحلة قائلًا: "بالنسبة ليّ، كانت الرحلة أكثر من مهمة.. كانت مهمة ورسالة أردت أن أنجزها على أكمل وجه". ويضيف: "تعرضنا في البدء إلى التهديد بالأسلحة، ثم دخلوا غرفة القيادة واعتقلوا الكابتن. احتُجزنا جميعًا وأعلنّا الإضراب عن الطعام لحوالي 18 إلى 20 ساعة، كنا فقط نشرب المياه. وقد تمّ الإفراج عن كلّ منا تباعًا خلال أيام".
يستطرد مسترسلًا في الوصف: "قمة الروعة كانت في التواجد على شواطئ منطقة البحر الأبيض المتوسط.. إنّها تجربة مذهلة ولكم تمنيت فعلًا أن أصل إلى غزّة". يعقّب سريعاً وكأنه يشعر بذنب الاستمتاع على متن السفينة، فيقول: "إن ما حصل للشعب الفلسطيني في غزة، وللشعب الفلسطيني بشكل عام على مدى 67 عامًا من الاضطهاد، هو حالة غير صحّية على المستويات كافة. هذا الشعب ينحصر همه الأول بالمقاومة والبقاء على قيد الحياة، ما أفقده كل المقومات الأخرى. كل شيء تحوّل إلى صراع: صراع البقاء، صراع الجوع، آلة الحرب، الخطر، الموت... الخ". ويجزم: "الناس في غزة بحاجة ماسة لكلّ أساسيات الحياة".