| 

مع بدء العام الدراسي الجديد في المدارس الفلسطينيّة، يواجه أولياء الأمور في قطاع غزّة صعوبات جمّة في محاولة إقناع أبنائهم وبناتهم بضرورة الالتحاق بمقاعدهم الدراسيّة من جديد. ففئة التلامذة هذه تضمّ أطفالاً أبصروا زملاءهم يستشهدون أمامهم خلال عدوان الصيف الماضي، أو تعرّضوا لصدمات عصبيّة حادّة نتيجة استشهاد أحد أفراد العائلة، بالإضافة إلى الأطفال الذين آووا مع عائلاتهم في المدارس الأمميّة التابعة لوكالة "الأونروا"، لظنّهم أنها آمنة، بيد أنّ إسرائيل قصفت المدارس في أثناء تواجدهم فيها.

نور: هذه المدرسة ليست آمنة!
والد الطفلة نور كمال (9 سنوات) يقول لـ "السفير" إنّ طفلته التي تدرس في المستوى الثالث الإبتدائي، أضحت ترفض رفضاً تاماً الذهاب لمدرستها التي استهدفتها المدفعيّة الإسرائيليّة خلال العدوان الأخير، في أثناء تواجدهم فيها، بعد نزوحهم من حي الشجاعيّة. يلفت إلى أنّ نور شعرت بالأمان لمّا لجأوا إلى مدرستها التي كانت قد اعتادت عليها في أثناء الدراسة، بيد أنّها فقدت الأمان حين استهدفها الجيش الإسرائيلي، ووقع فيها عددٌ من الشهداء والمصابين من الأطفال والنساء.
كذلك، يشرح الوالد أسامة كمال، وهو أب لأربعة أطفال يدرسون في مدارس تابعة لـ "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين - الأونروا": "بعد انتهاء عدوان الصيف الماضي على غزّة، واجهتُ تحدّيات كبيرة في أثناء محاولة تخفيف الصدمات العصبيّة والنفسيّة التي لحقت بأطفالي نتيجة قصف المدرسة التي اختبأنا فيها. وبمساعدة أخصائيّة نفسيّة، تمكّنت من تخفيف حدّة الصدمة عند ثلاثة من أبنائي، وقد التحقوا بمدارسهم من جديد، وأمورهم تسير على ما يُرام. إلّا أنّ نور، وهي أصغرهم، ما زالت تخشى إعادة قصف المدرسة وهي على مقعد الدراسة، وحتّى الآن ترفض الذهاب إليها، وهي مُتعلّقة جداً بأمها، ولا تريد مفارقتها".
يُضيف أنّ طفلته المُتغيّبة عن المدرسة هذا العام، بعد التحاقها بها بصعوبةٍ بالغة في العام الماضي، تردّد دائماً أمام العائلة أنّ "المدرسة لم تعد آمنة كما في السابق، ستعود إسرائيل لقصفها ونحن فيها". وعلى الرغم من محاولات العائلة بمساعدة أخصائيّة نفسيّة إقناع الطفلة أن الحرب انتهت، ولم يعد هناك قصف، إلّا أنها ما زالت لا تقتنع بهذا الحديث، وترى في المدرسة خطراً كبيراً على حياتها. وقد طلبت من والدها مؤخراً نقلها إلى مدرسة أخرى غير المدرسة التي قُصفت في أثناء تواجدها فيها مع بقيّة صديقاتها، إلّا أن الوالد ما زال مُتردداً في مسألة نقلها لأن المدارس الأخرى بعيدة عن المنزل، وتستلزم وسيلة نقل.

تدمير البنية النفسية قبل الماديّة
أمّا زينب حدايد فتشكو من انحدار حادّ طرأ على مستوى التحصيل العلمي لأولادها في المدارس الابتدائيّة، منذ انتهاء الحرب. كما لاحظت أن الأولاد باتوا يُعانون من كوابيس ليليّة، وخوف شديد من الأصوات المرتفعة، خاصة حين يسمعون أصوات طائرات في سماء القطاع. كما أنهم باتوا يسجّلون حالات تبوّل لاإرادي ليلاً، وضعف في الذاكرة، وتشتت، وسلوكيّات عدوانيّة عامة، خاصة عند الذكور منهم.
ربّة المنزل حدايد تشرح لـ "السفير" أنّ هاجس العدوان ما زال مُسيطراً على أبنائها، وقد أثّر على مستواهم الدراسي، خاصة بعدما فقدوا أصدقاء لهم في المدرسة، كانوا قد استشهدوا مع عائلاتهم إبان الحرب. وتكمل: "الحرب الأخيرة على غزّة دمّرت البنية المعنويّة والنفسيّة للأطفال وطلاب المدارس قبل أن تُدمّر البنية الماديّة. فالأطفال ما زالوا في حالة من الخوف والترقب والتوتر لحدوث شيء سلبي على أرض الواقع".
ذاكرةٌ تُسجّل: ردّ الفعل ظاهرة وليس فردياً

أستاذ الإرشاد التربوي في وزارة التربية والتعليم في غزّة محمد يوسف، يُؤكّد لـ "السفير" أن الأطفال في القطاع هم الفئة الأكثر تضرّراً نفسيّاً من الحروب الإسرائيليّة المتكررة، لاسيّما سكّان المناطق الحدوديّة منهم، الذين نزحوا من منازلهم بعد تدميرها تجاه مراكز الإيواء التي افتُتحت في بعض المدارس الأمميّة، وعانوا الأمرّين هناك. يقول: "مشاهد العنف والقتل والدمار وأشلاء الشهداء، بجانب أصوات الانفجارات التي هزّت القطاع، جميعها مشاهد تُسجّلها عدسة عين الطفل/ة الفلسطيني/ة، وتترك أثراً نفسياً طويل الأمد في نفوس الأطفال الذين باتوا يعانون من أزمات نفسية حادّة، تكون أحياناً أشد ضرراً من الإصابة الجسدية. لذلك، هناك مئات الأطفال باتوا لا يثقون في أمان المدارس، ويرفضون الالتحاق بها، خوفاً على حياتهم".
يُشير يوسف إلى أنّ المدرّسين/ات، بالشراكة مع بعض المؤسسات المدنيّة في قطاع غزّة، يقومون بتنفيذ عدّة برامج علاجية تستهدف الأطفال الذين تضرروا نفسيّاً من العدوان الأخير، وتعرّضوا لصدمات عصبيّة متفاوتة. ويلفت إلى أن البرنامج يُركّز حالياً على الأطفال الذين يرفضون الذهاب إلى مدارسهم، ويبدون تعلقاً شديداً جداً بأمهاتهم. إذ يشير إلى أنّ أزمات نفسية متنوعة بدأت تظهر على أطفال غزة منذ اندلاع الحرب، منها التبول اللاإرادي، والتشبث بالوالدين، ورؤية الكوابيس.

الفقد العام، والخاص
تشرح أخصائيّة الصحّة والعلاج النفسي د.ريم أبو فايد لـ "السفير" أنّ أطفال غزّة ما زالوا يعانون من صدمات نفسية شديدة واضطرابات سلوكيّة، بفعل فظاعة الحرب التي طبعت في مخيلتهم بصور أشلاء واستغاثات الشهداء: "أصبحوا لا يرون غيرها في أحلامهم التي تتحول إلى كوابيس مُزعجة. وجزءٌ كبيرٌ منهم بات يرفض الذهاب إلى مدرسته بعد الحرب، خاصة هؤلاء الأطفال الذين كانوا مع عائلاتهم في المدارس الأمميّة وتم قصفها أثناء تواجدهم فيها".
توضح أبو فايد أنّ أغلب الحالات التي تقصد المراكز المُختصة بالعلاج النفسي في قطاع غزّة هي من فئة الأطفال دون سن الثامنة عشرة، الذين يُعانون من أعراض ما بعد الصدمة، مثل: القلق، الإكتئاب، التوتّر الدائم، العصبية، التبوّل اللا إرادي، قلّة النوم، ... كلّها أعراض ناتجة عن جذور نفسية تتمثّل في الصدمة. وتشير إلى أن أكثر الاضطرابات النفسيّة ظهوراً عند الأطفال في غزّة هي شعورهم بعدم الأمان، وبأن الأهل لا يقوون على حمايتهم من الموت وقت الحروب.
وحول الإختلاف في تأثير الصدمات النفسيّة على الأطفال الذين عانوا بشكل أو بآخر من فقد أحد أفراد أسرتهم، قالت: "الأطفال الذين يُعايشون الحرب، ويكونون في بؤرتها، يختلفون نفسيّاً عن الأطفال الذين يكونون في أماكن بعيدة نوعاً ما عن الحرب، رغم أن الحرب الأخيرة على غزّة لم تعف أحداً في القطاع من نارها. كلّ أطفال قطاع غزّة تأثروا بالحرب، سواء بالمشاهد الحيّة التي رأوها، من قتل ودمار ونزوح، وأصوات الانفجارات والصواريخ، أو من خلال مشاهدة التلفاز. لذلك، من الطبيعي أن يتأثّر الجميع، لكن الطفل المعني بالفقد العام يختلف عن الطفل المعني بشكل خاص".
تُشدد أبو فايد هنا على أن الأسرة لها دور كبير جداً في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للطفل، لكي ينجح العلاج. لا بد من إشراك الأسرة في العمليّة العلاجيّة: "حتّى نتدرّج في علاج الصدمات عند الأطفال لا نستطيع سلخ الأسرة من العلاج. يجب أن يكونوا شركاء معنا في العمليّة العلاجيّة، الطبيب له دور، الأخصائي له دور، المدرسة، والأهل كذلك".

كيف يكون التعليم الآن في غزة!
بحسب وزارة التربية والتعليم في غزّة، تم تدمير 24 مدرسة بشكل كامل خلال العدوان الأخير، كما دمّر الجيش الإسرائيليّ أكثر من 120 مدرسة بشكل جزئي. وفي المدارس التي تشرف عليها "الأونروا"، طالت الأضرار أكثر من 70 مدرسة. وفي قطاع التعليم العالي، طال الدمار 11 مؤسسة، بالإضافة إلى العشرات من رياض الأطفال. كما طال التدمير محتويات هذه المدارس والمؤسسات، من مختبرات وأجهزة وأثاث، بما في ذلك مخزن الوزارة الرئيس للأثاث.
ومن بين أكثر من 2100 شهيد سقطوا خلال العدوان، يوجد 22 شهيداً، وعشرات الجرحى من العاملين في وزارة التربية والتعليم العالي، ومئات الشهداء وآلاف الجرحى من الأطفال وطلبة المدارس.
وكان مركز "الميزان" لحقوق الإنسان قد أورد في تقرير سابق له حول التعليم في قطاع غزة، إن "العدوان الإسرائيلي استهدف قطاع التعليم"، راصداً جملة من المؤشرات التي تدلّ على تدهور واقع الحق في التعليم العام والعالي، بسبب سنوات الحصار الطويلة وما تسببت به من انتكاسات خطيرة في التعليم. وتوقّع التقرير حصول مزيد من التدهور في الأوضاع التعليمية نتيجة تداعيات هذا العدوان الذي شكل انتهاكاً صريحاً لأحكام القانون الدولي، خاصة لجهة التمييز والتناسب والضرورة العسكرية التي تحظر استهداف هذه المؤسسات كونها من الأعيان المدنية المحمية.
وبحسب إحصائيّات سابقة، فإنّ 25 مدرسة حكوميّة، و90 مدرسة تابعة لوكالة الغوث "الأونروا" استخدمت كمراكز إيواء للنازحين بسبب العدوان الإسرائيلي، حيث بلغ عدد النازحين 460 ألف نازح/ة. ما أدّى إلى تأجيل بدء العام الدراسي العام الماضي، لاسيما أن هذه المدارس تضررت أيضاً من استخدامات النازحين، كونها غير مؤهلة كمراكز للإيواء.
خلال تلك الفترة، استهدف الإحتلال الإسرائيلي 6 مدارس يتخذها السكان النازحون كمراكز للإيواء، على الرغم من إبلاغ "وكالة الغوث" سلطات الاحتلال مراتٍ عديدة بمواقع هذه المدارس وإحداثياتها الهندسية. فاستشهد 39 شخصاً، وأصيب 290 شخصا داخل هذه المدارس أو في محيطها. واستشهد 19 موظفاً يتبعون لوزارة التربية والتعليم العالي.
أمّا على صعيد الطلبة فقد استشهد وجُرح الآلاف في مختلف المراحل التعليمية نتيجة للعدوان. وأصيب العديد منهم بإعاقات متنوعة، ما يرفع من إشكاليات المؤسسات التعليمية في التعامل معهم بسبب ضعف مواءمتها للتعامل مع الطلبة من ذوي الإعاقة. كما أن تدهور الحالة النفسية للأطفال نتيجة للخبرات الصادمة في أثناء العدوان على القطاع، وزيادة اكتظاظ الطلبة في الصف الواحد، وزيادة نسبة المدارس التي تعمل بنظام الفترتين، لاسيما بعد الدمار الذي لحق بها خلال العدوان، ونزوح العائلات الغزية من المناطق الحدودية والمناطق التي لحق بها دمار واسع وتركزها في مراكز المدن، هي عوامل سترفع من تعداد الطلبة في مدارس تلك المدن، وستلقي بظلالها السلبية على قدرة الطلبة على التحصيل العلمي.
من جهته، يتوقّع د. محمد أبو ركبة، وهو محاضر في "جامعة الأزهر" في غزّة، أن تكون هناك تداعيات سلبية على سير العملية التعليمية خلال العام الدراسي الحالي كما الأعوام المقبلة: "من الخطر أن نتجاهل ما سيواجهه الطلبة في قطاع غزّة من تدنّ في التحصيل الدراسي نظراً إلى حجم الدمار وتشتت الطلبة وانتقالهم من أماكن سكنهم. فقد انتقل العديد من الطلاب من أماكن سكناهم إلى أماكن أخرى، وانتقلت مدارس بأكملها ودمجت في مدارس أخرى، بالإضافة إلى إتباع نظام الفترات الصباحية والمسائية، الذي أدى إلى تشتت الطلاب والمعلمين وضيق الوقت في الحصص الدراسية. ما أثر على عطاء المعلم/ة، وأيضاً على عدم تكيّف الطلاب في المدارس التي انتقلوا إليها أحياناً".

المدرِّس أحمد السوافيري:أصابه الاحتلال في جسمه لا إرادته
بعد سبع سنوات من إصابته بإعاقة في أطرافه جرّاء غارة إسرائيليّة على غزّة إبان عدوان 2008، لم تورِّث هذه الإصابة المُدرّس الشاب أحمد السوافيري (26 عاماً) سوى المزيد من المُثابرة والنشاط، وتحدّي الاحتلال. جاهد أحمد حتّى عاد مُدرّساً لمادة "التربية الإسلاميّة"، يتنقّل بين تلاميذه على كرسي مُتحرّك، رافضاً الاستسلام.
حين كان الشاب السوافيري طالباً في الثانويّة العامة في العام 2008، وقبل الاختبارات النهائيّة بأسابيع، ذهب لحضور درسٍ عند أحد المُعلّمين. على الطريق، تعرّض لصاروخ رمته طائرة استطلاع إسرائيليّة، فأُصيب بجروح خطيرة، أدّت لفقدانه يده اليسرى وساقيه وإصبعين من يده اليمنى.
لم يستسلم أحمد للإصابة وتحدّياتها، فأكمل دراسة الثانويّة العامة، ومن ثم التحق بدبلوم تأهيل الدعاة. وبعد تخرّجه في العام 2012، درس وحاز على بكالوريوس في مادة التربيّة الإسلاميّة من إحدى جامعات غزّة، حتّى أصبح مؤخراً مُدرّساً في مدرسة "صفد" الابتدائيّة في شرق غزّة. هي المدرسة التي كان أحد طلابها، قبل سنوات.
أحمد يقول إنّه اختار مهنة التدريس بعد إصابته البالغة، بهدف "غرس معاني الإرادة القوية والقدرة على تحدي الواقع الصعب لتحقيق الأحلام والطموحات لدى التلاميذ والأطفال". ويضيف: "أحاول أن أساهم في تربية جيل يحمل حب الوطن، والأخلاق الإسلامية، ويعمل من أجل تحرير فلسطين".
قبل أن يتمكّن من تحقيق طموحه بأن يُصبح مُعلّماً، واجهت أحمد تحديّات جمّة وواجهها، بدءاً من حاجته الدائمة لمُساعدة الآخرين، خاصة عند الجلوس على كرسيّه المُتحرّك، ودفعه، وتحريكه، بيد أنّه استطاع بمُساعدة زوجته التي ارتبط بها في عام إصابته أن يتغلّب على هذه الظروف القاسية.
وبإرادته التي تقهر المعتدي، يقول أحمد إن "الاحتلال الإسرائيلي نجح فعلاً في بتر أطرافي، وجعلني قعيد كرسي مُتحرّك، إلّا أنه لم يستطع منع إرادتي في الحياة، وتحقيق الأهداف والطموحات التي أحددها لنفسي. فقد أكملت تعليمي، وتزوّجت، وأنجبت طفلين".
على كرسيّه المُتحرّك، يُسيّر أحمد حياته بشكل يومي بات معتاداً عليه بين واجبات المنزل ومُستحقّات العمل. يتنقّل بين تلاميذه على كرسيّه المُتحرّك الذي يحرّك عجلاته بيده الوحيدة، ويشرح لهم الدروس. وبيده الوحيدة أيضاً، يقلّب صفحات كتابه الذي يقتبس منه ما يسجّله من مواقف وأقوال تاريخية وإسلامية على سبورة الفصل.
ص. أ. ج.
(غزّة)