| 

الهجوم الذي نفّذه مستوطنون بزجاجاتٍ حارقة على منزل لعائلة دوابشة في قرية "دوما" في جنوب نابلس في الضفة الغربية، فجر الحادي والثلاثين من تموز الماضي، وذهب ضحيته الرضيع علي (عام ونصف العام)، ووالده سعد (30 عاماً)، قدّم مؤشراً إضافياً على مدى عنف المستوطنين، وخطورة الوضع الذي يعيشه المواطنون الفلسطينيون الذين يقطنون في المناطق المصنفة (ج)، أيّ تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية بالكامل.

350 هجوماً منذ مطلع العام!

تلت الهجوم موجة استنكارات واسعة على المستوى الدوليّ، إلا أنه لم يكن بالنسبة إلى الكثير من المؤسسات الحقوقية والمراقبين أكثر من حدث متوقع، خاصة في ظلّ سياسة الإفلات من العقاب التي تعتمدها سلطات الاحتلال الإسرائيلي مع المستوطنين. وهؤلاء ينتشرون في الضفّة، بما فيها القدس، ويتمتعون بمزايا وتسهيلات مختلفة من قبل حكومتهم. ما أكدته ووثّقته بيانات مؤسسات إسرائيلية تعارض الإحتلال وممارساته، من ضمنها "مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة - بتسيلم". أشارت في بيان تلى مقتل الطفل دوابشة ابن السنة ونصف السنة، وأمّه رهام، وإصابة أخيه الرضيع أحمد إصابة بالغة، إلى أن ذلك يأتي "في ظلّ سياسة السلطات القاضية بعدم تطبيق القانون على الإسرائيليّين الذين يلحقون الأذى بالفلسطينيّين وممتلكاتهم، والتي تمنح الحصانة لمرتكبي جرائم الكراهية، وتشجّعهم على مواصلة أعمالهم، حتى وقوع ما شاهدناه هذا الفجر الفظيع".
وأوضح المركز في بيانه أنّ "مواطنين إسرائيليّين (مستوطنين) قاموا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، منذ آب 2012، بإضرام النار في تسعة بيوت سكنيّة في الضفة. وفي إحدى الحالات، ألقيت قنبلة حارقة على سيارة أجرة كانت تُقلّ عائلة فلسطينيّة، ما أدّى إلى إصابة أفرادها بحروق صعبة. لم تجرِ في أيّ حالة من هذه الحالات تقديم المنفّذين للمحاكمة". وأكمل: "في السنوات الأخيرة، أضرم مواطنون إسرائيليّون (مستوطنون) النار في عشرات البيوت والمساجد والأراضي الزراعيّة والسيّارات والمصالح التجاريّة الفلسطينيّة في الأراضي المحتلّة. وفي الغالبيّة الساحقة من الحالات، لم يُكشَف عن المُنفّذين. وفي الكثير من الحالات، لم تهتمّ الشرطة حتى بإجراء خطوات تحقيق أساسيّة".
على مستوى فلسطيني رسمي، رأى وزير الشؤون الخارجية الفلسطيني د. رياض المالكي أن هجمات المستوطنين ازدادت بشكل كبير وشرس مؤخراً، لافتاً إلى أنه "منذ مطلع العام الحالي، تم توثيق 350 حادثة أو هجوماً أو اعتداء على الأقل، تصنّف كهجمات ارهابية منفصلة من قبل المستوطنين على أهداف فلسطينية مختلفة".
وتشير بيانات "الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان"، وهي مؤسسة أهلية مقرّها في رام الله في وسط الضفة، إلى أن العام 2014 شهد ارتفاعاً ملحوظاً في عدد انتهاكات المستوطنين، حيث شنّ المستوطنون 764 اعتداءً ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، أغلبها كانت في مدينة القدس (290 اعتداء). وقد يكون أبرزها جريمة قتل الفتى محمد أبو خضير (16 عاماً)، الذي خطفه مستوطنون من أمام منزله في منطقة "شعفاط"، وأحرقوه حياً.
كما تورد إحصاءات منظمات "الأمم المتحدة" أنه منذ العام 2006 وأواخر أيلول 2014، تم تسجيل 756 حادثاً متعلقاً بالاستيطان، أدّت الى إصابة فلسطينيين بأضرار جسمانية بدرجات متفاوتة، بينما تم تسجيل 1695 حالة تخريب أملاك أو أراضٍ يملكها فلسطينيون. وقد استشهد 11 فلسطينياً في هذه الحوادث.

معادلة المنطقة "ج"

رغم قسوة هجمات المستوطنين، فإن كثيراً من الفلسطينيين يستغربون كيف بات الواقع الحالي مباحاً، بالمقارنة مع سنوات الانتفاضة الأولى (1987-1993) لمّا لم يكن المستوطنون يجرؤون على التحرّك في شوارع الضفّة من دون حراسة سيارات "جيب" عسكرية إسرائيلية.
ولعلّ ما يشجّع المستوطنين على مواصلة اعتداءاتهم ليس فقط التسامح المفرط الذي تُبديه مؤسسات الدولة العبرية إزاءهم، من قضاءٍ وجيشٍ وغيرهما، بل أيضاً طبيعة الاتفاقات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي التي تمنع أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية من التصرّف أو التحرّك في المناطق المصنفة "ج"، علماً أن مساحتها تقدّر بنحو 60 في المئة من أراضي الضفة؛ وفيها، توجد المستوطنات.
هنا، يشرح مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة غسان دغلس إن "اسرائيل استغلت الوقت جيداً خلال الفترة الممتدة بين بدء عملية السلام وحتى اليوم. فإبان بداية هذه العملية، كان عدد المستوطنين نحو 180 ألف مستوطن، بينما يصل عددهم الآن في الضفة إلى نحو 650 ألفاً". وتقدر مؤسسات مختلفة عدد المستوطنين في الضفّة بنحو 400 ألف مستوطن إسرائيلي، وإن كان هناك بعض التباين في الأرقام المتعلقة بعدد المستوطنات. إذ تشير "الهيئة المستقلة" إلى أن عدد المستوطنات بلغ في العام الجاري 135 مستوطنة، بالإضافة إلى 100 بؤرة استيطانية. يُذكر أن البؤر هي عبارة عن تجمعات عشوائية تكون مكوّنة عادة من بيوتٍ جاهزة يقوم بتركيبها مستوطنون لتشكّل نواة مستوطنات مستقبلاً، وتغض سلطات الاحتلال النظر عنها.
وتبرز معطيات مؤسسات حقوقية أن غالبية المستوطنات الموجودة في الضفّة صغيرة حين تقاس بعدد السكان، بمعنى أن فيها ما بين 100 و1000 مستوطن.
تحدّد الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية عدد المستوطنات ذات الطابع المديني (يزيد عدد سكانها عن 5000 نسمة) بما لا يزيد عن 12 مستوطنة، يسكن فيها 65 في المئة من مجموع المستوطنين، علماً أن معدّل النمو السكاني في مستوطنات الضفة دون القدس يبلغ 4.6 في المئة. في المقابل، فإن أرقام "بتسيلم" تفيد بأنه "حتى نهاية 2013، تم إحصاء 125 مستوطنة في أنحاء الضفّة (باستثناء القدس الشرقية والأحياء اليهودية في الخليل) معترف بإقامتها من قبل الحكومة في إسرائيل".
وأضافت: "تنتشر في أنحاء الضفة، حوالي مئة بؤرة استيطانية، وهي مستوطنات لم يتم الاعتراف بها بصورة رسمية رغم إقامة جزء كبير منها بمساعدة من السلطات، وهي مستوطنات أصغر من تلك المعترَف بها، بينما يُقدّر عدد المستوطنين في الضفة بقرابة 547 ألف شخص".
أما عضو اللجنة المركزية في "حركة فتح" ورئيس "المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار - بكدار" محمد اشتية فقد أشار في كتابٍ أصدره حديثاً، بعنوان "الاستيطان الإسرائيلي وتآكل حلّ الدولتين"، إلى أن عدد المستوطنين بلغ في بداية العام 2015 حوالي 651 ألف مستوطن، يعيشون في 185 مستوطنة. إليهم، تضاف 220 "عشوائية" (بؤرة استيطانية)، بحيث يشكل مجموع عدد المستوطنين 21 في المئة من مجمل سكّان الضفّة والقدس.

مستوطنات الضفّة، بالأرقام

تشير مراجع تاريخية عديدة إلى بدايات الاستيطان الصهيونيّ في فلسطين بأنها تعود إلى العهد العثماني، وتحديداً العام 1840، حيث جرت محاولات وطرحت أفكار لهجرة اليهود إلى فلسطين. لكنها لم تنجح في حينه لعوامل عدة، من ضمنها عزوف اليهود أنفسهم عن الهجرة إلى فلسطين، وتفضيلهم الانخراط في مجتمعاتهم أو التوجه إلى الولايات المتحدة الأميركية.
ولكن، خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين (1917-1948)، بدأ الاستيطان الفعلي في فلسطين. إذ تمّ تكثيف عمليات استملاك اليهود للأراضي الفلسطينية، وتدفّقت الهجرة اليهودية ثم تسارعت الوتيرة إثر حربي 1948 و1967، وملا تلاهما من احتلال إسرائيل لكامل أراضي فلسطين.
وتبعاً لمصادر تاريخية، فإن هدف الاستيطان اختلف في بداياته عن الفترات اللاحقة، إذ كان هدفه قبيل قيام الدولة العبرية هو التمهيد لإنشاء الدولة. وتحوّل هدفه بعد العام 1948 ليصبح ترسيخ القاعدة البشرية والاقتصادية والعسكرية للدولة الجديدة، بما يخدم أغراضها التوسعية المستقبلية.
وقد تبنّت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ العام 1948، سياسات استيطانية متجانسة، بهدف تغيير الوضع الديمغرافي، وخلق وقائع جديدة والعمل على تثبيتها. ما استمر حتى ما بعد بدء عملية السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، والتوقيع على اتفاق "أوسلو" في العام 1993. حينها، تسارعت حركة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، واستمرت أعمال توسيع المستوطنات واقامتها، وصولاً إلى إقامة جدار الفصل العنصري، الذي سيطرت من خلاله إسرائيل على أكثر من ثلث مساحة الضفة. ويقدّر ما تنفقه إسرائيل بنحو 2.3 مليار شيكل (قرابة 550 مليون دولار) سنوياً لتطوير البنى التحتية الاستيطانية.
وقد أكدت مؤسسات حقوقية إسرائيلية عديدة أن حكوماتها اتبعت - ولا تزال تتبع - سياسة منهجية مشجّعة لهجرة الإسرائيليين إلى الضفّة، تشمل منح مكافآت ومحفزات اقتصادية مباشرة للأفراد أو للسلطات المحلية في المستوطنات (أشبه ببلديات)، من أجل رفع مستوى حياة الأفراد بغرض تشجيع الهجرة للمستوطنات. ويذكر "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار" (مؤسسة أهلية مقرها رام الله) أن أفضلية المستوطنات تظهر أيضاً في موازنة الدولة العبرية، حيث تحوّل موازنة المستوطنات عن طريق ما يُعرَف بـ "دائرة الاستيطان"، التي تحوّل تستثمر في المستوطنات.
وبحسب "مدار"، خصّص العام 2013 لهذه الدائرة نحو 58 مليون شيكل (16 مليون دولار)، لكن مع نهاية السنة ذاتها، وصلت الموازنة إلى 614.5 مليون شيكل (161 مليون دولار)، أي بزيادة نسبتها 955 في المئة، بينما وصلت موازنة الدائرة في العام 2014 إلى 525 مليون شيكل، أيّ بزيادة نسبتها 803 في المئة.
وتبعاً للمركز، فإن مساحة الأراضي التي تستغلّ زراعياً في المستوطنات تبلغ 86400 دونم، أيّ ما يشكل نسبة 2.9 في المئة من مساحة الأراضي المستغلة في الدولة العبرية. أما قوة العمل في المستوطنات فغالبيتها تعمل خارج منطقة سكنها، بواقع نسبته 67 في المئة: بمعنى أن نحو ثلثي المستوطنين يتجهون إلى داخل الخط الأخضر للعمل.


اقتصاد المستوطنات في الضفّة

للمستوطنات أهمية اقتصادية تبقى تأثيراتها سلبية على المواطنين الفلسطينيين في الضفّة، خاصة على الصعيد البيئي. وتصنّف بعض المستوطنات على أنها صناعية، كحال مستوطنة "بركان" المقامة على أراضي بلدات عدّة في سلفيت في وسط الضفّة، ويعمل فيها آلاف العمال الفلسطينيين.
وقد أعلنت سلطة "جودة البيئة" أن المصانع الإسرائيلية توثر بيئياً وصحياً على أكثر من سبعين ألف نسمة، منهم أكثر من واحد وثلاثين ألف طفلٍ من عمر يوم إلى 14 عاماً. وبيّنت أن هذه المصانع تتوزع جغرافياً على مستوى الضفّة من شمالها إلى جنوبها، علماً أن مستوطنة "بركان" تحوي أكثر من ثمانين مصنعاً، وهي تعدّ أكبر منطقة صناعية في الضفّة.
إن المصانع في مستوطنات "الون موريه"، و "معاليه أفرايم"، و "ايتمار"، و "أرئيل"، و "حومش"، و "مجداليم"، و "كرني شومرون"، و "قدوميم"، و "شيلو"، تنتج كميات ضخمة من النفايات الملوثة الصلبة والسائلة، ومواد مسرطنة تتأثر بها محافظتا نابلس وسلفيت. وتورد معطيات "جودة البيئة" أنه "رغم تذبذب عدد العمال الفلسطينيين في المستوطنات، ويصل عددهم إلى نحو 25 ألفاً، إلا أن أوضاعهم الصحية تزداد سوءاً، وتشكّل خطراً على حياتهم، نتيجة تعرّض بعضهم للمبيدات الحشرية والمواد الكيماوية، خاصة في ظل قيام ربّ العمل الإسرائيلي بإجراء فحصٍ طبّي دوري للعمال اليهود، من دون إجرائه للعمال الفلسطينيين الذين يعملون في المصانع الكيماوية المنتجة للأصباغ، والزجاج، والألمنيوم، والدهان، وغيرها من المواد الكيماوية. ما يؤكد تعرّض العامل الفلسطيني لخطرٍ صحّي".
إلى ذلك، تلفت معطيات "جودة البيئة" إلى أن حصّة المستوطن الواحد من المياه تعادل نحو 7-8 أضعاف حصّة المواطن "الضفّاوي" منها. ما يفسّر في أحد جوانبه المعاناة المتزايدة للمواطنين الفلسطينيين من نقص المياه خلال الصيف.
في أرياف الضفّة، تمثّل المستوطنات للمواطنين الفلسطينيين مصدر إزعاجٍ كبير، ليس فقط بسبب التأثيرات السلبية للمستوطنات من الناحية البيئية، بل أيضاً عبر محاولات المستوطنين وضع أيديهم على أراضيهم.
المواطن يعقوب عودة (74 عاماً) من قرية "حارس" في قضاء سلفيت، يقدّم أرضه نموذجاً، إذ لا تكاد تتوقف محاولات المستوطنين السيطرة على أرضه تحت ذرائع مختلفة. إلى جانب أرض عودة (ومساحتها 42 دونماً)، توجد مستوطنة "رفافا" التي أقيمت في العام 1991 على أراضي "حارس" وقرى أخرى، وتبلغ مساحتها الإجمالية نحو 2800 دونم. يقول عودة: "لا يكاد يمر عام من دون أن يعرض عليّ مستوطنون من "رفافا" بيع أرضي، حتى أنهم عرضوا علي قبل عامين شيكاً مفتوحاً، بمعنى وضع الرقم الذي يناسبني حتى ولو بلغ عشرات الملايين من الدولارات، وتسهيل عملية السفر مع أسرتي إلى أميركا. لكني رفضت، وأخبرتهم بأنني لا أقبل بيع أرضي بأي ثمن".
ويلفت إلى أن محاولات الاستيلاء على أرضه تعود إلى مطلع العقد الماضي، متوقفاً عند تنوّع أشكال المضايقات التي يتعرّض لها لإجباره على بيع أرضه: "ذات مرة، حاول مستوطنو "رفافا"، وضع بوابة حديدية داخل أرضي فرفضت، ومنعتهم من ذلك. في مرةٍ ثانية، قاموا بوضع أنابيب مياه داخل الأرض، فاعترضت على ذلك. لكن سلطات الاحتلال أجازته، بادعاء أن الأنابيب ضرورية للمستوطنة ولا ضرر منها على الأرض. وقبل نحو عامٍ، حاولوا وضع أعمدة كهرباء داخل أرضي، فتوجّهت إلى الارتباط العسكري الفلسطيني الذي تابع القضية، ونجح في منع هذه الخطوة". ويتابع: "قام المستوطنون وجنود الاحتلال على مدى سنوات بمنعي من الوصول لأرضي، لكن كافة ما يقوم به المستوطنون لن يحول دون عنايتي بأرضي، وتشبثي بها".
وبشكلٍ عام، تعاني محافظة سلفيت بصورة كبيرة جرّاء المستوطنات المقامة على أرضها، وعددها 17 مستوطنة، تحتل ما مساحته 38134 دونماً (38.1 كيلومتراً مربعاً)، أي ما يعادل نسبة 18.6 في المئة من المساحة الإجمالية للمحافظة.
وتعود بداية إنشاء المستوطنات في سلفيت، بحسب مؤسسات حقوقية، إلى العام 1977، عندما تأسست مستعمرة "القنا" على أنقاض معسكرٍ للجيش الأردني في منطقة "جبل الحلو" على أراضي قرية "مسحة". وتلى ذلك إنشاء المزيد من المستعمرات، منها الصناعي مثل "بركان"، والزراعي مثل "معاليه إسرائيل"، والسكني مثل "رفافا"، والتعليمي والديني مثل "ارئيل".
يروي المواطن ياسر الحاج محمد (51 عاماً - من قرية "المغير" في شرق رام الله) أن والده "دأب على فلاحة أرض في قرية "ترمسعيا" المجاورة لقريتنا منذ 37 عاماً، لكن محاولات بعض مستوطني "عادي عاد" المقامة على أراضي قريتنا و "ترمسعيا" الاستيلاء على أرضنا لم تتوقف". يتذكر: "قبل فترة، جاءني خمسة من المستوطنين المعروفين بمضايقاتهم للمزارعين في المنطقة، وهدّدوني، وطالبوني بالخروج من الأرض، فأخبرتهم أن طلبهم مرفوض بالمطلق". يكمل: "اعتداءات المستوطنين أمرٌ دارجٌ هنا، خاصةً بحق مزارعي المغير وأهاليها. وبين حين وآخر، نتعرض لاعتداءات مختلفة".
على مدار الأعوام القليلة الماضية، أحرق مستوطنون مسجدي القرية وعدداً من السيارات الخصوصية، كما خطّوا عبارات عنصرية على منازل في القرية. وقد ترافق ذلك أحياناً مع اعتداءات بالضرب، كما حصل قبل أشهر عدّة مع شابٍ تعرّض لضربٍ مبرح بالعصي من مستوطني "كوكب الصباح" (مستوطنة مقامة على أراضي القرية) في أثناء بحثه عن نبتةٍ تعرف بـ "العكوب" في أطراف القرية.
وتسود مواطني القرى والبلدات الفلسطينية مشاعر متباينة، يمتزج فيها الغضب بالخوف، ما ينطبق بالذات على حالة أهالي "دوما" الذين شهدوا الجريمة بحق عائلة دوابشة. وقد عمد أهالي هذه القرية، أسوة بقرى أخرى، إلى تشكيل لجان حراسة ليلية على أمل النجاح في منع اعتداءات جديدة للمستوطنين.
ويرى غسان دغلس أن تشكيل هذه اللجان أثبت نجاحه: "ورغم المحدّدات لقدرة السلطة وأجهزتها على مواجهة اعتداءات المستوطنين، لا بدّ من قيام السلطة بدعم هذه اللجان". ويضيف: "لضمان نجاح هذه اللجان، لا بدّ من توفير دعمٍ لوجستيّ لها، مثل اتخاذ وزارة الحكم المحلي قراراً يُلزم البلديات بدعم هذه اللجان وتوفير مستلزماتها المختلفة. كما يمكن لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية أن تعطي مفاتيح المساجد لهذه اللجان، من أجل استعمال مكبّرات الصوت عند تنفيذ المستوطنين لهجوم".
كذلك، يعتبر مسؤول "برنامج الضفة" في "الهيئة المستقلة" المحامي موسى أبو دهيم أنه "لا يجب أن تكتفي السلطة بعرض ملف الاستيطان أمام "الجنائية الدولية" فقط، بل أن تلجأ أيضاً إلى الآليات الدولية في الأمم المتحدة، باعتبار أن الاستيطان غير شرعي ويمثّل جريمة حرب".