| 

في ساعاتنا المتبقية في بوينس آيرس، قرّرنا أن نتناول وجبة أخيرة قبل السفر.
وبما أننا في الدول الأكثر استهلاكاً للحوم الحمراء، اتفقنا أن نأكل "الأسادو"، وهو أحد أبرز الأطباق الشعبية الأرجنتينية. التكنولوجيا الحديثة ستتكفّل بإيصالنا إلى أقرب مطعم يقدّم هذا الطبق.
في أثناء بحثي على الإنترنت، وجدت مطعماً ينصح به، وهو على مقربة منا. ولكني صدمت بموقعه، إذ كان يقع على شارعٍ اسمه "إستادو دي بالستينو". العبارة تعني بالعربية: "دولة فلسطين".
تناولنا وجبتنا وعدنا إلى الفندق "فورسيزنز". في صالة الانتظار، تحضر لافتة كبيرة تعرّف بمالك الفندق، اسمه ألفارو صايغ، وهو واحد من أشهر الأثرياء اللاتينيين، وفلسطينيّ الأصل. أخذنا أمتعتنا، واتجهنا بها إلى جنوب غرب العاصمة حيث مطار "مينسترو بيستاريني"، أكبر المطارات اللاتينية ذي المدرج الثلاثيّ. وقد حمل اسمه هذا في العام 1985، نسبةً إلى الجنرال جوان بيستاريني، بعد وفاته بثلاثة عقود. وتعود فترة حكمه إلى فترة المدّ النازيّ، وعُرف عن الجنرال رفضه الإفصاح بأيّ معلومة حول الضابط النازيّ أدولف آيخمان الذي عقدت له محاكمة شهيرة في إسرائيل، ورفض الجنرال التعاون مع إسرائيل بشأنه. بعد وفاة الجنرال بأربع سنوات، نفّذت عملية مشتركة ضلع فيها "الموساد"، لتسليمه إلى إسرائيل. في الطريق إلى المطار، يحاول سائق الأجرة أن يخبرنا بلغة إنكليزية تطفو على سطحها بعض الكلمات الإسبانية، عن مدى فخرهم كشعب بـ بابا الكنيسة الكاثوليكية (البابا فرانسيس)، وهو الأرجنتيني خورخو ماريو.. ويذكر أنه حسَّن علاقة الفاتيكان مع فلسطين، حيث تم الاعتراف رسمياً بها، كما طوّب راهبتين فلسطينيتين ولدتا في القرن التاسع عشر، لتنضما إلى لائحة القديسيين الذين تعترف بهم الكنيسة الكاثوليكية.
من بيونس آيرس الأرجنتينية، غادرنا إلى سانتياغو التشيلية مكملين جولتنا اللاتينية. في تشيلي، بدت مظاهر فلسطين أكثر وضوحاً. إذ يوجد في تشيلي أكثر من أربعمئة ألف فلسطيني. ومع أن الكثيرين منهم اندمجوا في النسيج الاجتماعي اللاتيني، إلا أنهم بالتأكيد تركوا بصمتهم الفلسطينية ظاهرة. في سانتياغو، تبدو سيارات الأجرة وكأنها سيارات سباق بلونيها الأسود والأصفر. أخذنا سيارة منها متجهين إلى الفندق. في الطريق، رأينا إلى يسارنا ملعب كرة قدم يرفع العلم الفلسطيني فوق بوابته، اتضح لنا أنه ملعب "كيستيرنا" الذي يستضيف مباريات أحد أندية الدوري التشيليّ الممتاز، نادي "بالستينو"، أيّ "فلسطين" بالإسبانية. واشتهر عن الفريق أن الرقم "واحد" على قميص اللاعب كان قد استُبدل بخارطة فلسطين، قبل أن يضطر النادي إلى إزالتها إثر ضغط اللوبي الصهيونيّ على "الفيفا" والجهاز الرياضي التشيلي.
بعد الغداء، قصدنا أحد المقاهي المميزة بأن النادلين فيها يجلبون للزبائن مع كلّ فنجان قهوة صحيفة. فأخذت صحيفة "لا ترسيرا"، مع أني لا أقرأ الإسبانية. ولكن، لا تهمّ اللغة.. فقد كنت سعيداً لرؤية علم فلسطين، وأخبار فلسطين منثورة على صفحات الجريدة.. وقد علمنا لاحقاً أن مالك الجريدة، كارلوس أبو مهر، هو فلسطينيّ، ومن رجال الأعمال المسيطرين على الإعلام التشيلي. ومن الملاحظ هنا في تشيلي أن معظم أفراد الجالية الفلسطينية من الطبقة العليا والوسطى. وهم من المتعلّمين والبارزين في شتّى المجالات، رياضيين وفنانين ورجال/نساء أعمال وحتى سياسيين. فرانسيسكو شهوان مثلاً، كان قد شغل منصب نائب رئيس الجمهورية ومناصب سياسية عدّة أخرى. والوجود الفلسطيني لا يقتصر على الأرجنتين وتشيلي، بل هو ينسحب على القارة اللاتينية بأكملها. ومن المفارقات الطريفة التي سجلت في العام 2004 خلال الانتخابات الرئاسية في دولة السلفادور، أنها كانت تدور بين مرشحين فلسطينيي الأصل، بل كلاهما من مدينة بيت لحم: شفيق حنضل، وأنطونيو سقا! كذلك، في دولة بيليز، شغل الفلسطينيّ الأصل سعيد موسى منصب رئيس الوزراء لعقدٍ من الزمن (1998 – 2008). وفي دولة الهندوراس، تبدو الحال شبيهة، إذ شغل الفلسطينيّ الأصل ألبيرتو فقوسة منصب رئيس الدولة من العام 1998 إلى العام 2002. في المقابل، أتت البصمة مختلفة مع ميشال ماريا حزبون وفرح زالاكويت اللتين توجتا ملكتي جمال في كلّ من بنما في العام 1998 ونيكارغوا في العام 2012.. علماً أن سعاد مرقص هي واحدة من أبرز الشعراء في نيكارغوا.
إليهم، تُضاف المئات من الأكاديميين الضالعين في شتّى المجالات، وفي مختلف الدول اللاتينية. برعوا وتميزوا واضعين بصمة وجود للشعب الفلسطيني الذي يخوض حرب وجود، ومعرّفين بقضيته وبتاريخه. ولعل هذه البصمة قد ساهمت في دفع العديد من أبناء "اللاتينية" إلى الالتحاق بصفوف المقاومة. لا أزال أذكر مذكرات وديع حداد، رائد العنف الثوري في تاريخ المقاومة، حيث ذكر العديد من الأسماء الوافدة من "اللاتينية". فقد كانت تلك الأسماء تدفعني إلى التساؤل: لماذا؟ لماذا يضحّي شخص بحياته من أجل دولة تبعد عنه آلاف الكيلومترات؟ فالنيكارغوي الأممي باتريك أرغويلو استشهد في إحدى عمليات المجال الخارجيّ في بريطانيا، في أثناء عملية اختطاف طائرة "العال" الإسرائيلية المتجهة من لندن إلى تل أبيب، في أيلول/سبتمبر 1970. وكذلك، المناضل الأممي الفنزويلي ايليتش سانشيز، المعروف بـ "كارلوس الثعلب"، قاد عدداً من عمليات العنف الثوريّ في أوروبا في فترة السبعينيات، تحت قيادة وديع حداد، بدءاً من محاولة اغتيال جوزيف سييف، رئيس محلات "ماركس أند سنسر"، لكونه صهيونياً داعماً لإسرائيل، وصولاً إلى عملية اختطاف وزراء النفط في اجتماع "الأوبك" للعام 1975. إليهما، يضاف العديد من أسماء ممن تدربوا في معسكرات الفدائيين في الأردن ولبنان، وكانوا يعرفون بلغة "السوبر يسار".
وصلنا في جولتنا إلى "ريو دي جينيرو" البرازيلية، طالبين رؤية واحد من أهم معالم تلك المدينة، وهو "تمثال المسيح الفادي". توقفت الرحلة على الطريق بسبب تظاهرة ضخمة في شارع "دوم هنريكي"، أحد أبرز شوارع المدينة، وهو يحمل اسمه نسبةً إلى البحّار البرتغالي هنري إنريكه – البحار الذي لم يُبحر-، وهو يعدّ رائد الاستعمار الأوروبي. كانت تلك التظاهرة تنادي بالعدالة الاجتماعية، وتندّد بالفساد المنتشر في البرازيل. ومن اللافت بالنسبة إلينا فيها حضور العلم الفلسطيني، يرفرف فوق تلك التظاهرة الضخمة. وبشكل عام، مع كلّ حدث أو مناسبة فلسطينية، تحدث في البرازيل "انتفاضة" في الرأي الشعبي، بدءاً من التظاهرات والاعتصامات وصولاً إلى الندوات التعريفية والمقالات. ثم أن رسام الكاريكاتير العالمي كارلوس لاطوف هو برازيلي من أصل لبناني، وقد اتخذ من القضية الفلسطينية تخصصاً في أعماله. إن مبادرات الأفراد تنسجم نوعاً ما مع المزاج الرسمي في هذه الدول اللاتينية.. فقد صارعت هذه الدول في كثيرٍ من الأحيان الضغوط الأميركية، كما ضغوط اللوبي الصهيونيّ، لنصرة فلسطين. ومن الواضح أن دول "اللاتينية" اعترفت جميعها بدولة فلسطين، مع تمثيلٍ ديبلوماسي تُستثنى منه دولتا كولومبيا وسورينام. وكذلك، خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزّة، كانت الدول اللاتينية سبّاقة إلى إدانة إسرائيل، والحرص على حملات المقاطعة، بل إن دول البرازيل وسلفادور وتشيلي وبيرو والإكوادور استدعت سفراءها من إسرائيل. أما بوليفيا فقد أدرجت إسرائيل ضمن قائمة الدول الإرهابية، وعلّقت اتفاقية خاصة بالتأشيرات كانت موقعة بين الدولتين في العام 1973. ويجدر هنا بالذكر أن بوليفيا التي قطعت علاقاتها الديبلوماسية مع إسرائيل في العام 2009 كانت قد سبقتها دول لاتينية قبل ذلك، كفنزويلا وكوبا. أما دولة كولومبيا فقد أدانت "حماس"، وشرعنت لإسرائيل جرائمها.. ولكن الموقف الكولومبي الرسمي الذي انحنى للضغوط الأميركية لا يعكس المزاج الشعبي، فقد خرجت عشرات التظاهرات المندّدة بموقف الحكومة، مطالبة بإغلاق سفارة إسرائيل. كذلك، قامت فنزويلا في ظل حكم هوغو تشافيز بمواقف عدّة مؤيدة وداعمة لفلسطين كطرد السفير الإسرائيلي مرتين، الأولى في العام 2006 خلال حرب لبنان والثانية في العام 2009 رداً على قصف غزّة.
نحن الآن في أشهر الشواطئ البرازيلية، شاطئ "كوبا كابانا"، ذي المتنزه الطويل الذي يتميّز بالاحتفالات وبدوري الكرة الطائرة. ذهبت لكشكٍ قريب كي أشتري بعض "الإمبادو" الذي وقعت في حبه، وهو من المقبّلات الأساسية في البرازيل. وأنا في الطابور، سمعت صوتاً يصرخ بتعجّب: "عزا.. في حدا بلبس هيك؟". مصدر الصوت امرأةٌ فلسطينية جديدة العهد في البرازيل، فجلسنا جانباً وتحدّثنا. اتضح أنها لاجئة حديثاً من مخيم اليرموك. أخبرتنا عن مئات الفلسطينيين الموجودين في البرازيل بعدما هاجروا بسبب مآسي الزمن الحديث. كذلك، وبعد اندلاع الحرب الأهلية في العراق إثر احتلاله، نزح فلسطينيو العراق – إسوة بسواهم من الهاربين من أهله - إلى مخيمي "الوليد" عند الحدود السورية و "الرويشد" عند الحدود الأردنية، في ظل ظروف معيشية مأساوية. رفضت دول الجوار العربي إدخالهم، فما كان من البرازيل ثم تشيلي إلا أن استقبلت المئات منهم، مع توفير كامل الحقوق المدنية، وتخصيص مصروف لكلّ فرد منهم لمدة عامين، ومساعدتهم على الانخراط في الحياة العامة وتعلّم اللغة البرتغالية أو الإسبانية وإيجاد وظائف لهم.
في تلك الأراضي البعيدة، رأينا معنى أن يكون الإنسان مناصراً للعدالة. رأينا اليسار اللاتيني يتحدّى الضغوط الأميركية لنصرة فلسطين. غادرنا البرازيل عائدين إلى بلادنا العربية، انتهت جولتنا اللاتينية التي كانت كل محطةٍ بها صفعةً ودرساً.. شكراً أيّها اللاتينيون، فقد رأينا فيكم ما كنا نردّده في الصغر تندّراً: "بلاد اللاتين أوطاني"..
رأينا ذلك كله، وعدنا. عدنا إلى حيث بدأنا.