| 

رغم اختلاف المُؤرّخين حول المدرسة الأولى التي أُنشئت في قطاع غزّة خلال فترة الانتداب البريطاني لفلسطين، إلّا أن هناك إجماعا واسعا على أن التعليم إبان تلك المرحلة شهد قصوراً كبيراً، سواء من ناحية عدد المدارس، أو مراحل التعليم المتوفّرة للطلاب، أو نوعيّة المنهاج المُتّبع. فقد شابته عيوب كثيرة، إذ كان واضعو منهج التعليم الأول في مطلع أيام الانتداب، من المعلمين الغُرباء الذين نزلوا إلى مصر، واستخدمهم البريطانيون عيوناً لهم تحت إدارة بعض الإنكليز العاملين في وزارة المعارف المصريّة.

العثمانيون والإنكليز:
تعليمهم لم يكن جدياً


على أيّة حال، تُعد مدرسة "الإمام الشافعي" من أقدم تلك المدارس التي ما زالت تعمل حتّى وقتنا هذا. وكانت المدرسة تُدعى في أول أمرها مدرسة "غزّة الثانوية"، وابتداءً من العام 1946 دُعيت باسمها الحالي نسبةً إلى الإمام الشافعي الغزّي. وبقيت لمدّة طويلة ذات صفين ثانويين، إلى أن فُتح فيها الصف الثانوي الثالث في العام 1946-1947. وكانت منذ عام 1936 حتى نهاية الانتداب تقوم بالتدريس في غرفٍ خشبيّة كان قد أقامها الجيش البريطاني، بدلاً من بنايتها التي احتلها هذا الجيش خلال الثورة الفلسطينية في العامين 1936-1937. في 1948، بلغ عدد طلابها 794 طالباً، يعلّمهم 26 معلماً، تدفع لجنة المعارف المحليّة راتب أحدهم، وبينما تدفع رواتب البقيّة من تحصيل رسوم الطلبة التي كانت تتراوح قيمتها ما بين 42 و50 جنيهاً في السنة، تشمل السكن.
إلى جانب "مدرسة الشافعي"، تقوم مدرسة أخرى اسمها "هاشم بن عبد مناف" في البناية ذاتها التي كانت تقوم فيها "الشافعي". وهذه البناية قديمة، بنيت في العهد العثماني في العام 1911، ثم أُضيفت إليها في العهد البريطاني بنايات وأراضٍ. ولمّا أخلى الجيش البريطاني البناية عام 1945 وسُلّمت إلى إدارة المعارف، أقامت فيها الأخيرة "مدرسة هاشم بن عبد مناف"، وبقيت "مدرسة الإمام الشافعي" في غرفها الخشبية. في 1948، بلغ عدد طلاب المدرسة 566 طالباً، يعلّمهم 13 معلماً، منهم ستّة معلمين على حساب لجنة المعارف المحلية. أما أعلى صفوف المدرسة فكان السادس الابتدائي، وكان من يتخرّج منها ينتقل إلى مدرسة الشافعي الثانويّة لإكمال دراسته.
وكان للبنات نصيب من التعليم، وإن كان قليلاً. فكانت هناك مدرسة "بنات غزة" التي ما زالت تقوم في بنايتها الحالية منذ العام 1930. والبناية نفسها قديمة تعود بتاريخها إلى العهد العثماني، إذ كانت بيتاً لآل رضوان الذين حكموا غزة في أوائل الحكم العثماني. وقد أضيفت إليها في العهد البريطاني أقسام جديدة. وفي العام 1947، ضُمت إليها البناية المجاورة التي كانت تعرف باسم القلعة. وأخذت هذه المدرسة بالتقدّم حتى أصبحت ابتدائية كاملة في العام الدراسي 1927-1928، وكان فيها 310 طالبات تعلمهن 10 معلمات.
في غزّة العام 1942-1943، وجدت ثماني مدارس غير حكومية، ضمّت 1,083 طالباً وطالبة، منهم 339 طالبة، يعلّمهن 15 معلماً. ومن هذه المدارس: مدرسة ثانوية عرفت باسم "كلية غزة" جمعت 283 طالباً، و "مدرسة الفلاح الإسلامية" التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى، وهي ابتدائية كاملة عدد طلابها 305، ومدرسة للبنات تابعة للبلدية تأسست سنة 1930 وأعلى صفوفها السادس الابتدائي، ضمت 325 بنتاً.
ما نخلص إليه من الطرح السابق هو أنّ الحكومة المُنتدبة لم تعمل على تيسير التعليم الثانوي في المدارس، إذ نجد أن غالبيّة المدارس ابتدائيّة، وكانت الحكومة تطلب من سكّان القطاع أن يتعهدوا خطياً بالقيام بجميع النفقات المطلوبة للصفوف الثانوية قبل إنشائها. أما الأموال المخصصة للتعليم فقد كانت ضئيلة، إذ لم تكن ميزانية دائرة المعارف تتجاوز نسبة 5 في المئة من الميزانية العامة، وهي تقل كثيراً عما هو مألوف وطبيعي. ومما يجدر ذكره في هذا السياق، أن الأهالي العرب كانوا ينفقون على المدارس الحكومية سنوياً نحو 150,000 جنيه، بينما نجد أن المبالغ المخصصة في ميزانية الحكومة للعام 1933/1934 قد بلغت حوالي 180,000 جنيه، أيّ بما لا يزيد عن 30,000 جنيه مما تبرع به الأهالي العرب لمدارسهم الحكومية.
وقد تلخّص منهج التعليم في المدارس الابتدائيّة بدراسة القرآن الكريم والدين واللغة العربية قراءة وكتابة، والحساب والجغرافيا والتاريخ. وتركزت مواد التاريخ على تاريخ اليهود في البلاد وعلى التاريخ اليهودي للقدس بصفتها عاصمتهم التي زينوها بالقصور والمعابد. وكانت مواد الجغرافيا تبرز المستعمرات اليهودية، وتوحي بأن فلسطين قطر مستقل ومنعزل عن البلاد العربية الأخرى. وقد امتنع معلمو المدارس عن اقتناء وتدريس هذه الكتب التي ألّفها الغرباء.
أمام هذه النقمة، عمدت حكومة الانتداب إلى امتصاص جزء منها. فعينت المرحوم جورج أنطونيوس - وهو عربي - مساعداً لمدير المعارف، كما حدّت من هيمنة مفتشي المعارف الغرباء. عينت لكلّ فرع من فروع الدراسة مفتشين اختصاصيين، وأبعدت عن الاستعمال الكتب التي ألفها واضعو المنهج القديم، وأقرت بدلاً عنها ما وضعه المختصون من أبناء البلاد. ومع ذلك، فإن منهاجي التاريخ والجغرافيا لم يعنيا عناية كافية بدراسة التاريخ الوطني الفلسطيني والتاريخ العربي. كما كان ينقصهما توضيح الروابط الجغرافية والقومية التي تجعل البلاد العربية وحدة طبيعية وقومية. ولكن الوعي العربي الذي يحمله المعلمون وغيرهم من المشتغلين بالتعليم كان كفيلاً بسد هذه الثغرات في مناهج تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا.

الإدارة المصرية:
نهضة تعليمية شاملة


لم تكن الأوضاع التعليمية في قطاع غزّة أحسن حالاً من الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي عاشها السكان لمّا وصلت الإدارة المصرية لتولي المسؤولية عن القطاع، لكنها لم تتركها على حالها. فقد وجدت السلطات المصرية المختصة نفسها أمام فئتين من السكان في غزّة، هما. اولاً، فئة السكان الأصليين: وهم السكان الفلسطينيون الذين كانوا يسكنون في قطاع غزة قبل حرب العام 1948، وظلوا مقيمين فيه بعد الحرب. وقد بلغ عدد هؤلاء في العام 1948 حوالي 80 ألف نسمة. وثانياً، فئة اللاجئين: وهم السكان الفلسطينيون الذين طردوا من أرضهم وقراهم وتشردوا نتيجة حرب العام 1948، فلجأوا إلى قطاع غزة بحثاً عن الحماية والأمان، وما زالوا فيه حتى اليوم، ينتظرون العودة إلى ديارهم.
وهكذا، بعدما استقر حوالي 200 ألف فلسطيني في قطاع غزّة، برزت مبادرات من عددٍ من المعلمين السابقين المتطوعين، لفتح مدارس وصفوف في أماكن تجمع اللاجئين، بهدف تحقيق دخل بسيط من جهة، وكتعبير عن وعي سياسي اجتماعي يرفض توقيف مسيرة التعليم من جهة أخرى. وكانت هذه المدارس بلا معالم، وقد كان حجم الإقبال على المدارس في ذاك الوقت كبيراً، وبدأت الدراسة بطريقة عشوائية وغير منظمة. وقد أقيمت المدارس والصفوف بشكلٍ تلقائيّ وبدائيّ في العراء أو في الخيام. ونظراً للظروف الخاصة، احتوت مدرسة الصف الواحد على تلاميذ من صفوف مختلفة، وأعمار متفاوتة، فوصل عددهم أحيانا إلى 120 تلميذاً.
عملت الإدارة المصرية ووكالة الغوث الدولية "أونروا" على تحسين أوضاع القطاع من جميع النواحي وخاصة النواحي التعليمية، حيث كانت مستويات التعليم في بداية فترة الإدارة المصرية متدنيّة. في تلك الفترة، ارتفعت نسبة الطلبة لمجموع السكان من حوالي 6.4 في المئة في العام 1948 إلى 21,6 في المئة في العام 1967. وقد تمّ تجهيز المدارس الثانويّة لكلّ من يرغب بالالتحاق بها، رغم أنها كانت بسيطة ومُتواضعة، إذ بُنيت من ألواح الصفيح والأسبست. وقد كانت الحكومة المصريّة تدفع رواتب معلّمي المدارس الحكوميّة التي كانت موجودة قبل 1967 في غزّة، في حين تدفع "الأونروا" رواتب معلّمي مدارس اللاجئين الجديدة.
من أبرز ملامح التعليم في فترة الإدارة المصرية لقطاع غزّة، تزايد أعداد المدارس. كذلك، كان التعليم مجانياً في جميع المراحل، على عكس ما شهده عهد الانتداب، إذ كانت الكتب توزع مجاناً على الطلبة، سواء في المدارس التابعة للإدارة المصرية، أو في مدارس وكالة الغوث الدولية. وكانت المناهج المقررة مصرية في جميع المراحل التعليمية، مع بعض التعديلات البسيطة في مادتي التاريخ والجغرافيا بين المدارس التابعة للإدارة المصرية والمدارس التابعة لوكالة الغوث الدولية.
كما شهدت فترة الإدارة المصرية اهتماماً في تعليم الفتاة، وقد بلغت نسبة الطالبات إلى الطلاب في عام 1967 حوالي 48 في المئة، بينما كانت هذه النسبة في العام 1948م حوالي 18 في المئة. ما يعني ارتفاع نسبة الطالبات ارتفاعا كبيراً، إذا ما قورن بفترة الانتداب البريطاني على فلسطين، أو في عام النكبة.
واقتصر التعليم في قطاع غزّة خلال الإدارة المصرية على التعليم العام بمراحله المختلفة: الابتدائية، الإعدادية، والثانوية، بالإضافة إلى وجود معهد لإعداد المعلمين، ولم تكن في قطاع غزة جامعات. ولتعويض هذا النقص، فتحت الدولة المصرية أبواب جامعتها ومعاهدها العليا أمام الطلبة والطالبات الراغبين في مواصلة تعليمهم العالي، وكان تعليمهم في الجامعات المصرية مجاناً.

التعليم تحت الاحتلال:
استبدال صلاح الدين بالبحر المتوسط!


بعد هزيمة 1967 واجتياح إسرائيل لقطاع غزّة، ترك الاحتلال الكثير من الأمور السابقة تجري على غواربها أولاً، من ضمن ذلك القوانين والمناهج المصريّة التي كانت تُدرّس في مدارس القطاع. ولكنهم أقدموا في الوقت نفسه على "الردع" بحزمٍ وتشدّد، ولقد غطّت الإجراءات الرادعة جميع مجالات التربية والتعليم. ولم تكن سلطات الاحتلال تقدم على عملٍ تطويري، إذ كان يسبقها دائماً الفعل النابت من واقعٍ شعبيّ متحرّك. وكان عليها أن تستجيب بردّ الفعل الرادع، لجهة محاولتها تنقية الكتب المدرسية والمناهج من كلّ ما اعتبرته ضاراً بمصلحتها، أو إغلاق المدارس والجامعات واعتقال الطلاب والمعلمين، وحجب الترفيع والترقية عن المعلمين، أو أن تحول دون مساعي التحسين في نوعية التعليم وانتشاره، وحصر الدخول إلى الجامعات، وغيرها من الإجراءات.
تغيّرت أوضاع التعليم كليّة في قطاع غزّة بعد هزيمة 67، إلا أن الصورة العامة عن أنواع المدارس التي كان الفلسطينيون يقصدونها للتعلم لم تتغير كثيراً. فبقي بعضهم يدرس في مدارس الحكومة، واللاجئون في مدارس الوكالة ("الأونروا"). أما التأثيرات الضخمة على التعليم فقد ترافقت مع انتقال المرجعية التربوية من حكومة قبل العام 1967 إلى يدّ حكومة أخرى بعدها. والحكومة في كلتا الحالتين لم تكن فلسطينية، مع الاختلاف الشاسع والجذري بين المرحلتين، فالأولى عربية شقيقة، والأخرى عدوة محتلّة.
بعد إصدار الأوامر، كانت الخطوات الإجرائية الأولى التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال من النوع الإداري، بغية إحكام السيطرة. فتمّ تقسيم مناطق القطاع إلى إداراتٍ تربوية يرأس كلاً منها موظفٌ عربيّ يكون مسؤولاً أمام الضابط في الجيش الإسرائيليّ، الذي تعود إليه صلاحيات وزير التربية بالتفويض. ويعرف هذا الضابط في الأوامر والتوجيهات العسكرية باسم "الضابط المشرف". وهو في الحقيقة الحاكم العسكري المختص بالشؤون التربوية، ولا يُحل أمر في التربية من دون موافقته. ولعلّ مجمل السياسة التي رعتها وأشرفت على تطبيقها سلطات الاحتلال بقيادة "الضابط المشرف" متعلق بالتعديلات الجارية على الكتب المدرسية، وعلى كلّ ما يتعلق بمضمون التعليم، وقمع كلّ الأنشطة أو التحرّكات التي اعتبرتها السلطات منافية لمصالحها.
من التعديلات التي أجراها الضابط المُشرف على مضمون المناهج المصريّة التي كانت تُدرّس آنذاك في القطاع: حذف تعبير "الوطن العربي" من جميع الكتب واستبداله بـ "البلاد العربية"، وحذف جميع الجمل المتعلقة بالاحتلال الاستعماري الصليبي ومقاومة العرب له، ودفاع صلاح الدين عن فلسطين، واستبدل السؤال: "أين يقع قبر صلاح الدين؟" بـ "أين يقع البحر الأبيض المتوسط؟"، كما استبدلت العبارة "دافع أجدادنا عن البلاد دفاعا مجيداً" بـ "حافظ أجدادنا على القيم الخلقية، وسنحافظ عليها كذلك"، واستبدال "الوطنية أن تعمل لا أن تقول" بـ "العزم أن تعمل لا أن تقول"، واستبدل "حافظ على وطنك فإن من لا وطن له لا كرامة له" بـ "حافظ على صحتك فإن من لا صحة له لا عقل له"، و "كم رجل قدّم نفسه فداء لوطنه" بـ "كم رجل تسرّع في كلامه فندم"، و "المجاهدون في سبيل الوطن مخلدون" بـ "المتمسكون بحبل الله فائزون"، و "هؤلاء الجنود هم الذين أنقذوا الوطن" بـ "هؤلاء الأصنام هم الذين عبدهم العرب في جاهليتهم".
تُظهر هذه الاستبدالات بوضوح أن ما سعت سلطات الاحتلال إليه لم يكن مجرد "إزالة الكراهية لإسرائيل"، وإنما إزالة كل شعور عند الطالب العربيّ بالانتماء والاعتزاز الوطني.

في ظلّ السلطة:
منهاج فلسطيني.. وتفرقة


نشأت السلطة الوطنية الفلسطينية في أعقاب اتفاقية أوسلو، التي عقدت في العام 1993 بين إسرائيل و "منظمة التحرير الفلسطينية". وكان أول عمل قامت به هو تسلّم مسؤولية التعليم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتسلمت وزارة التربية والتعليم بنية تعليمية مهدمة، إذ لم يُعنَ الاحتلال بالتعليم ومؤسساته. ولذلك، كان على الوزارة أن تبذل الجهود في الاتجاهات كافة، كبناء المدارس الجديدة، وترميم المدارس القديمة، وبناء صفوف إضافية، وتعيين الكوادر التعليمية اللازمة، وتعيين المعلمين، وتطوير المناهج، وفتح المديريات الجديدة، والاهتمام بالتقنيات التربوية. فزاد عدد المعلمين والشُعَب والمدارس، وأصبحت المدارس الحكوميّة كافة تتبع لوزارة التربيّة والتعليم مُباشرة، بينما بقيت مدارس "الأونروا" تتبع لها، وبإشرافٍ عام من وزارة التعليم.
وضعت الوزارة نظاماً جديداً لامتحانات الثانوية العامة وشهادتها الفلسطينية، بالإضافة إلى تنسيق منهاج فلسطيني يساير الخصوصية الفلسطينية، ويعبر عن احتياجات الطلبة الفلسطينيين ومتطلبات مجتمعهم، ويوحد النظام التعليمي الفلسطيني، ويحلّ مسألة الازدواجية بين الضفة وغزة. أعدّت كتب تضم بين طياتها المنهاج الفلسطيني، وأبقت على بعض المقررات المصريّة في غزّة، والأردنيّة في الضفّة، مثل الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، والعلوم. في المقابل، أضافت مقرر التربية الوطنية والمدنيّة.
إن أغلب الطلاب في قطاع غزّة يلتحقون إما بالمدارس الحكوميّة، أو الأمميّة التي تتبع للأونروا. لكن هناك ثمّة طبقيّة في الانتساب، بحيث يُلزم الطلاب المواطنون ـ سكان قطاع غزّة الأصليون - بالالتحاق بالمدارس الحكوميّة، ولا تقبلهم الأونروا في مدارسها، لعدم امتلاكهم "بطاقة التموين" الخاص باللاجئين. ويقضي هؤلاء الطلاب من الصف الأوّل الابتدائي حتّى الثانويّة العامة في المدارس الحكوميّة: ست سنوات في المرحلة الابتدائيّة، ثلاث سنوات في الإعداديّة، وثلاث أخرى في الثانويّة.
أما الطلاب اللاجئون فأمامهم خياران: الالتحاق إما بالمدارس الحكوميّة أو بتلك التابعة للأونروا. وغالباً ما يلتحق اللاجئون بمدارس الأونروا، ولا تُعرف حقيقة هذا التمييز بين المواطنين واللاجئين بالنسبة إلى المدارس، لكن البعض يُرجعه لاعتبارات إنسانيّة واجتماعيّة تتعلّق بقضيّة اللاجئين، ورعايتهم. وبأيّ حال، فبعد المرحلة الإعداديّة، سيكون لزاماً على الطلاب الذين أمضوا تسع سنوات في مدارس الأونروا أن ينتقلوا إلى المدارس الحكوميّة لإكمال المرحلة الثانويّة، لأن التعليم في الأونروا في غزّة يقتصر على المرحلتين الابتدائيّة والإعداديّة فقط، ولا توجد مدارس ثانويّة تتبع للأونروا.
يبدأ التفريق بين الطلاب الذكور والإناث في المدارس الحكوميّة من الصف الأوّل الابتدائي، ويستمر حتّى الثانويّة العامة. وتُخصص الحكومة مدارس بهيئة إداريّة مُستقلة للذكور، ومدارس أخرى للإناث، رغم تجاورها في كثير من المناطق، حتّى أن بعض مدارس الذكور والإناث لا يفصل بينها سوى حائط بسيط. وكذلك هي الحال بالنسبة إلى المعلّمين: ففي المرحلة الابتدائيّة، يُسمح أن تكون الهيئة التدريسيّة من المعلّمين والمُعلّمات، بيد أن ذلك غير دارج في مدارس المرحلتين الإعداديّة والثانويّة. فمدارس الذكور الإعداديّة والثانويّة تكون كافة الهيئة التدريسيّة من المعلمين، لكن في مدارس البنات الإعداديّة والثانويّة يتواجد أحياناً عدد من المعلمين الذكور، لكن بصورة مُقننة. وتضطر الوزارة إلى توظيف مُعلّمين في مدارس الإناث الإعدادية والثانوية لوجود شواغر وظيفيّة يصعب تغطيتها من المعلمات في بعض المواد التدريسيّة.

الانقسام وتبعاته:
قلق في الرواتب، ومن الأداء


هناك اعتقاد سائد في أوساط السكّان في القطاع يُفيد بأنّ مدارس "الأونروا" أفضل تربويّاً وتعليميّاً من المدارس الحكوميّة، رغم أن المنهاج في النوعين واحد، وهو المنهاج الفلسطيني الذي تم توحيده واعتماده في العام 2007 من قبل هيئة المناهج الفلسطينيّة. لكن البعض يعتقد أن المدرسين في الأونروا يبذلون جهداً، ويُقدّمون علماً يتميز عن ذاك الذي يقدمه نظراؤهم في المدارس الحكوميّة، خاصة أن رواتب مُعلّمي الحكومة أقل بكثير عن مُعلّمي الأونروا، حيث يتقاضى الأول ما لا يزيد عن 2600 شيقل إسرائيلي، بينما يبدأ راتب مُعلّم الأونروا من 700 دولار أميركي، وقد يصل مع سنوات الخبرة إلى 1500 دولار.
هذا التمايز الكبير في الرواتب بين الحكومة والوكالة جعل آلاف متخرّجي التربية في القطاع يعقدون آمالاً كبيرة على الالتحاق بالهيئة التدريسيّة لمدارس الأونروا. لكن من الصعب توظيف أيّ متخرج في الأونروا فور تخرّجه، لصعوبة الامتحانات من جهة، وتدخّل الواسطة والمحسوبيّة في مسألة التوظيف من جهة أخرى. ومؤخراً، أُصيب آلاف المتخرجين في القطاع بخيبة أمل كبيرة، بعدما أعلنت الأونروا أنها لن تستطيع استيعاب أي مُعلّم جديد لغاية الخمس سنوات المقبلة، بسبب الأزمة الماليّة التي تُعاني منها حاليّاً. ولسد العجز في المُعلّمين نتيجة إيقاف عمليّة التوظيف، عملت إدارة الأونروا على دمج بعض الصفوف في المدارس، وزيادة عدد الطلاب في الصف الواحد، إلى حدّ بات يستوعب الصف فيه 55 طالباً، ما أثار غضب السكّان والأهالي، لكن دون جدوى.
قبل العام 2007، كان المنهاج الذي يُدرّس في قطاع غزّة هو المنهاج الذي وضعته إدارة المعارف المصريّة إبان إدارتها لقطاع غزّة، وفي الضفّة الغربيّة المنهاج الأردني، وقد تم توحيده حينها في شقّي الوطن. وعلى الرغم من أن وزارة التربية والتعليم تقول إنّ المنهاج يُساهم بتأسيس الشخصية الفلسطينية والمحافظة على هويتها، ويتناسب واحتياجات المجتمع الفلسطيني، ووُضع بأيدٍ وخبرات فلسطينية، بعيداً عن استيراد أي عقول أجنبية أو حتى عربية للمشاركة، إلّا أن السكّان يشكون مراراً من صعوبة المنهاج، ويقولون إنه لا يتناسب مع الفروقات العقليّة ما بين الطلاب، ويجدون صعوبة بالغة حين يدرسون أبناءهم.
لكن مسؤولين في وزارة التربية والتعليم في قطاع غزّة قالوا لـ "السفير" إنّ المشكلة ليست في المنهاج وحده، وإنما في قدرات بعض المُدرسين الذين يحملون شهادات قديمة، ولم يتلقّوا دورات حديثة لشرح المنهاج الحديث، وتدريبهم على طريقة شرحه. ويؤكد المسؤولون على ضرورة رفع كفاءة المعلمين وتدريبهم، سواء الجدد أو القدامى، لتمكينهم من التعامل بشكل أفضل مع المناهج.
وعلى الرغم من اتفاق المسؤولين في غزّة ورام الله على تحييد وزارة التربية والتعليم عن الخلافات السياسيّة في العام 2007 بعد سيطرة حركة "حماس" على القطاع بالقوّة، إلا أن مشكلة برزت على السطح فور استنكاف آلاف المُعلّمين في مدارس الحكومة عن العمل في العام ذاته، خوفاً من قطع رواتبهم الآتية من رام الله، بحجّة أنهم يعملون مع "حماس" المُسيطرة على القطاع. في هذا الوقت، اضطرّت "حماس" لسدّ العجز في المدارس عبر توظيف آلاف المُعلّمين الجدد، وقد تم توظيف أكثر من 12 ألف مُعلّم جديد بدلاً من الذين استنكفوا، لكن الكارثة أن غالبيّة هؤلاء المدرسين هم من المتخرجين الجدد، وليست لهم أيّ خبرة في التعليم. لم تجر "حماس" لهم اختبارات وظيفيّة لحاجتها إليهم بأسرع وقت، والأدهى من ذلك أن عدداً كبيراً من هؤلاء المدرسين لا يحمل شهادات جامعيّة، وقد تم توظيفه بناءً على الواسطة والمحسوبيّة!
بدأت "حماس" في تلك الفترة بصرف رواتب لهؤلاء الموظّفين الجدد في التعليم وفي بعض الوزارات الأخرى الذين تم تعيينهم بالطريقة ذاتها. ومنذ حكومة "حماس" السابقة، كانوا يُعانون من تأخّر صرف رواتبهم حيناً، وأحياناً كثيرة لا يتم صرفها لشهور عدّة، نتيجة الأزمة المالية التي تعصف بالحركة، إثر تعرضها لحصار مالي وسياسي خانق، خاصة في أعقاب إغلاق الأنفاق الحدوديّة بين قطاع غزّة ومصر، والتي كانت تُعتبر مورداً هاماً لرفد الحكومة بالمال اللازم.
منذ توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي "حماس" و "فتح"، وتشكيل حكومة التوافق الفلسطينيّة في نيسان/أبريل 2014، لم تصرف الحكومة الجديدة أي رواتب أو سُلف للموظّفين الذين عيّنتهم حركة "حماس" في قطاع غزّة. وحتّى اللحظة، يتقاضى هؤلاء الموظفون كلّ شهرين سُلفة ماليّة تبلغ حوالي 300 دولار أميركي من حركة "حماس". لكن تذبذب صرف رواتبهم أثر في طبيعة عملهم، فتجد أغلبهم يعملون من دون رضى وظيفي، ما يؤثر في المحصلة التعليميّة للطالب، وهذا سبب رئيس في شكوى الطلاب والأهالي من صعوبة المنهاج، وضعف مهارة المدرسين، خاصة في المدارس الحكوميّة.


واقع مدارس غزّة بالأرقام

أعدّت وزارة التربية والتعليم إحصائيّة حديثة في غزّة، خلال شباط/فبراير الماضي، حصلت "السفير" على نسخة منها، تشير إلى أن عدد المدارس في القطاع يبلغ 698 مدرسة، موزعة على النحو التالي: 395 مدرسة تشرف عليها وزارة التربية والتعليم العالي بنسبة بلغت 56,59 في المئة، و252 مدرسة تشرف عليها وكالة الغوث الدولية بنسبة بلغت 36,10 في المئة، بالإضافة إلى 51 مدرسة يشرف عليها القطاع الخاص بنسبة بلغت7,31 في المئة.
أما عدد الشعب/الصفوف فبلغ 13317 شعبة، موزعة على النحو التالي: 6256 شعبة في المدارس الحكومية، بمعدل كثافة صفية 37,11 طالب/شعبة، و6318 شعبة في المدارس التابعة لوكالة الغوث الدولية، بمعدل كثافة صفية 37,91 طالب/شعبة، و743 شعبة في المدارس الخاصة، بمعدل كثافة صفية 22,39 طالب/شعبة.
وبلغ إجمالي عدد الطلبة في القطاع، في المراحل الأساسيّة: الإعداديّة والثانويّة 488315 طالباً، موزعين على النحو التالي: 232186 طالبا في المدارس الحكومية بنسبة بلغت 47,55 في المئة، و 239492 طالبا في مدارس وكالة الغوث الدولية بنسبة بلغت 49,04 في المئة، و 16637 طالبا في المدارس الخاصة بنسبة بلغت 3,41 في المئة. بينما بلغ عدد العاملين - معلمين، إداريين، فنيين، مستخدمين، أذنة - 24654 عاملاً، منهم 14148 في المدارس الحكومية بنسبة بلغت 57,39 في المئة، و9171 عاملا في المدارس التابعة لوكالة الغوث الدولية بنسبة بلغت 37,20 في المئة، و1335 عاملا في المدارس الخاصة بنسبة بلغت 5,41 في المئة.
أما بالنسبة إلى توزيع المدارس بحسب فترة الدوام في محافظات غزة، فتُشير الإحصائيّة إلى أنّ 131 مدرسة فقط من مُجمل عدد المدارس الحكوميّة (عددها 395) تعمل بنظام فترة واحدة صباحيّة، والبقيّة تعمل بنظام الفترتين، صباحية ومسائية. وفي مدارس الأونروا، تعمل 36 مدرسة فقط بنظام الفترة الواحدة، فيما تعمل 216 مدرسة بنظام الفترتين. وفي القطاع الخاص، فإنّ مُجمل المدارس وعددها 51 تعمل بنظام الفترة الواحدة. ويعود سبب عمل مدارس القطاع بنظام الفترتين إلى النقص الشديد في عدد المدارس مُقابل الارتفاع المهول لعدد الطلاب، في ظل تذبذب بناء المدارس من فترة لأخرى، نتيجة شح مواد البناء اللازمة.