| 

تحفل كتب التاريخ بشواهد عديدة تشير إلى قدم نشأة المدارس في فلسطين، وتحديداً في الضفّة الغربية، وإن كان يصعب تتبع بداية هذه العملية بشكل دقيق. بيد أن ما تتناوله كتب التاريخ مثلاً يروي عن المدرسة الصلاحية في القدس، ويبرز إلى حدّ كبير مدى الاهتمام بإقامة المدارس في فلسطين بشكل عام. وينسب اسم المدرسة إلى القائد العسكريّ والسياسيّ صلاح الدين الأيوبيّ، الذي أمر بإنشائها وظلت قائمة لفترة طويلة، إلى أن آلت إلى الخراب بعد زلزال ضرب المدينة المقدسة في العام 1821.
وتشير بعض المراجع التاريخية إلى أن الأرض التي أقيمت عليها المدرسة اشتراها صلاح الدين بعد تحريره القدس من الصليبيين في العام 1187، حيث وقفها (خصصها) كمدرسة فقهية في العام ذاته، قبل أن يتم افتتاحها بعد ذلك بخمسة أعوام في العام 1192.

سيرة "الصالحية"

وتورد بعض المراجع أن موقع "الصلاحية" كان في الأصل يضم معبداً وثنياً أقيم خلال فترة ما قبل الاسلام، حوّله البيزنطيون في أواخر القرن الخامس الميلاديّ إلى كنيسة القديسة حنه (صند حنه) التي دمّرها الفرس إثر احتلالهم للمدينة في العام 614، قبل أن يعاد بناؤها مجدداً خلال فترةٍ لاحقة.
وكانت "الصلاحية"، بحسب هذه المراجع، ذات مكانةٍ علمية كبيرة، وتحلّ في مقدمة المعاهد العلمية التي عرفت بالدور الفكري في المدينة، حيث كان يدرّس فيها الحديث، والفقه الشافعي، والفلك، وعلم اللغات، وغيرها. واستمرت على تلك الحال خلال العهد المملوكي، وأغلب فترات العصر العثمانيّ، إلى أن تعرّضت لزلزالٍ في العام 1821.
ونتيجة الدمار الذي تعرّضت له، هجّرت المدرسة، ولم تعد تؤدي دورها. فطالبت الحكومة اليونانية باستردادها، لكن السلطات العثمانية منحتها لكاثوليك فرنسا في العام 1856 كمكافأة لوقوف فرنسا إلى جانب تركيا في حرب القرم.
وقد استعاد العثمانيون المدرسة مجدداً سنة 1915، وحولوها إلى كلية علمية دينية، إلى أن خضعت فلسطين للانتداب البريطاني العام 1917، حيث قامت السلطات البريطانية بتسليمها إلى ما يعرف بـ "رهبنة الآباء البيض"، الذين حولوها إلى الكنيسة التي تعرف حاليا باسم "سانت آن" وتتبع للحكومة الفرنسية.
واذا كانت هذه هي الحال بالنسبة إلى المدرسة الصلاحية، فإن التاريخ الحديث نسبياً يبرز وجود مدارس عريقة في الضفّة، لعلّ من أبرزها مدرستا "الفرندز" في رام الله والبيرة، اللتان لا تزالان تؤديان دورهما التعليمي حتى اليوم.


"الفرندز": البنات ثم البنين

عاصرت "الفرندز" كافة الحقب التاريخية التي مرت بها فلسطين، بدءا من الحكم العثماني، مروراً بالانتداب البريطاني، والحكم الأردني للضفة (1948-1967)، وانتهاء بالاحتلال الإسرائيلي.
وافتتحت مدرسة "الفرندز للبنات" العام 1889 باسم "بيت رام الله لتدريب البنات"، وقد قصدتها أولى الطالبات - وبلغ عددهن 15 طالبة حينها - من مدن اللدّ، ويافا، والقدس، ورام الله، فضلاً عن بلدتي بيرزيت وعابود في رام الله، حيث تخرّج الفوج الأول منها بعد ستة أعوام.
ومع مضي الوقت، تطورت المدرسة عبر إضافة صفوف مختلفة إليها، إلى أن تحولت إلى مدرسة ثانوية، فضلاً عن كونها مدرسة ابتدائية.
وخلال العام 1901، جرى تأسيس بيت تدريب للبنين بهدف توفير برنامجٍ أكاديميّ صارم مدعوم بمبادئ مجتمع الفرندز الدينية "كويكرز"، حيث عملت هذه المدرسة في بناية تقع بالقرب من مدرسة البنات. ومع نمو المدرسة التي بدأت بـ 15 تلميذا، تم شراء أرض في مدينة البيرة العام 1905، إلى أن وضع حجر الأساس لمبنى مدرسة البنين تم العام 1913.
ووفق بيانات "الفرندز"، فإن التجربة الأولى في الصفوف المختلطة تعود إلى العام 1902، عندما بدأ بيتا التدريب بصف مختلط مدة ساعة ونصف يومياً، ما اعتبر نجاحاً كبيراً في ذلك الوقت.
ومع حلول العام 1914، اكتمل بناء مدرسة الفرندز للبنين (الاسم الحالي للمدرسة)، لكنه استخدم في العام 1918 نتيجة اغلاق المدارس خلال فترة الحرب العالمية الأولى.
وقد أعيد افتتاح المدرستين في العام 1919، ما اقترن بإحداث تغييرات متنوعة عليهما، لا سيما على الصعيد العمراني والتعليمي خلال السنوات اللاحقة، وصولاً إلى فترة الاحتلال الإسرائيلي، الذي أدى إلى اقفال الأقسام الداخلية في المدرستين، بسبب عدم امكانية مجيء طلبة من الدول المجاورة لفلسطين.
ومع حلول الانتفاضة الأولى في العام 1987، تدنت نسب الالتحاق بالمدرستين بسبب الاجراءات الإسرائيلية وشملت اغلاق المدارس فترات طويلة، إلى أن جاء العام 1990، لما أصبح مبنى مدرسة البنات مدرسة ابتدائية وروضة مختلطة، بينما أصبح مبنى مدرسة البنين مدرسة ثانوية مختلطة، وهو ما زال قائما حتى اليوم.


مدرسة الضفّة عبر العهود

يذكر الباحث محمد عبد الله شلح في دراسة "التعليم في فلسطين في عهد الدولة العثمانية"، أن "الفلسطينيين مارسوا حقهم في التعليم في العهد العثماني بصورة كاملة، حيث بلغ عدد المدارس الحكومية في متصرفية القدس، ولواءي عكا ونابلس 413 مدرسة، فضلاً عن الكتاتيب والزوايا، فقلما تجد في العهد العثماني قرية دون مدرسة".
وأوضح أنه كان لنظام التعليم سلم تعليمي يتبع "نظارة المعارف العمومية"، وأن مدة الدراسة كانت 12 سنة مع مناهج دراسية متنوعة لكل مرحلة، وفلسفة واضحة في التعليم، مضيفاً: "بلغ مجموع المدارس الرسمية في فلسطين حتى نهاية العهد العثماني لجميع الطوائف (776) مدرسة منها: 413 مدرسة عربية إسلامية، و250 مدرسة مسيحية، و113 مدرسة يهودية، ما يشير إلى أن الدولة العثمانية سمحت لجميع الطوائف بممارسة حقها في التعليم لا كما يُشاع عنها".
وفي المقابل، فإن فترة الانتداب البريطاني في فلسطين (1917-1948)، كما تشير مصادر تاريخية، اتصف فيها التعليم بالقصور من نواح عدة: سواء من ناحية مراحله، أو المبالغ المخصصة له، أو المناهج المتبعة، أو عدد المدارس وغيرها.
وتورد مصادر تاريخية عديدة أن بريطانيا حالت دون استكمال العرب مراحل التعليم، فلم يشمل التعليم أيام الانتداب أولى مراحله وهي رياض الأطفال، كما لم يشمل ذروة مراحله وهي مرحلة التعليم الجامعيز فبالنسبة إلى رياض الأطفال، لم يكن في البلاد سوى صفوف ألحقت ببعض المدارس الابتدائية للبنات، ثم ألغي هذا الأمر بحجة عدم توفر الأموال اللازمة له. في المقابل، أبدى المدرسون والمدرسات الفلسطينيون كما المجتمع الأهلي جهوداً بالغة للحفاظ على القطاع من المضمون الاحتلالي كما من الاندثار العلمي.
بعيد الانتداب البريطاني، وسقوط غالبية فلسطين بيد الاحتلال الإسرائيلي العام 1948، أصبح النظام التعليمي في الضفة تابعاً للأردن، بصفتها صاحبة الولاية. بالتالي، طبقت المناهج الأردنية، وظلّ المعلمون والموظفون والإداريون في حقل التعليم تابعين للحكومة الأردنية حتى فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية العام 1988.
وتؤكد العديد من الجهات والمراجع التاريخية أنه الحكومة الأردنية بذلت جهوداً لتطوير التعليم إلا أن سياسة الاحتلال قوضت هذه الجهود عبر ممارساتها منذ 1967، التي شملت إغلاق المدارس المتكرر معظم أيام السنة، وحرمان التلاميذ من الوصول إليها، عدا سجن واعتقال الطلاب والمعلمين.
كما عمدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى منع بعض المقررات الدراسية لاسيما التاريخية والوطنية من دخول الضفة، وعدم السماح بتدريسها في المدارس، عدا تشجيع الطلبة على التسرب، وذلك بفتح سوق العمل الإسرائيلية أمامهم، ما يضاف إليه عدم الاهتمام بالبنية التعليمية، إلى غير ذلك.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مسألة اغلاق المدارس استخدمتها قوات الاحتلال أيضا خلال الانتفاضة الثانية، وإن كان على صعيد ضيق، لكنها عمدت خلالها إلى ممارسات من أبرزها قتل 407 طلاب، واصابة 3208 آخرين، واعتقال 339 طالبا، وقصف واقتحام 285 مدرسة ما بين أيلول 2000 وتشرين أول 2003.


تجربة التعليم، آنذاك واليوم
في حوار أجرته معه "السفير"، يذكر يعقوب عودة، الأستاذ المتقاعد السبعينيّ (عمل في سلك التعليم ما بين 1962-2000)، أن الطلبة وذويهم كانوا يبدون اهتماما جليا بالتعليم خلال فترة الانتداب وما تلاه من احتلال اسرائيلي: "الطلاب كانوا مجتهدين خلال تلك الفترة أكثر بكثير من وقتنا الحاضر، وكنت تشعر بمدى الالتزام الكبير الذي يبدونه وحرصهم على التعلم، فأنا مثلا كنت أقرأ على ضوء سراج، وكنت أمشي تحت المطر من اجل الوصول إلى أقرب مدرسة، والتي كانت تبعد عن قريتنا حارس قضاء سلفيت في وسط الضفة، مسافة تصل إلى نحو ثلاثة كيلو مترات".
ويوضح الرجل الذي نال الدبلوم من كلية متوسطة في طولكرم، قبل أن يستكمل دراسته لنيل البكالوريوس في لبنان، أن ظروف الناس المعيشية كانت "على قد الحال"، مضيفاً: "مصروفي وأنا صغير كان قرشا أو قرشين، لكننا لم نكن نتذمر". تنقل عودة بين عدد من المدارس الحكومية في قرى "جماعين"، و"دير استيا"، و"بديا" في سلفيت، ولا يزال ينظر إليه في قريته والمنطقة المجاورة بكثير من الاحترام والتقدير.
تخصص عودة الجامعي هو التاريخ والجغرافيا، لكن ذلك لم يمنعه من تدريس اللغة العربية على مدار سنوات، حيثما اقتضت الضرورة ذلك. ولا يخفي عودة، حنينه إلى التدريس، خاصة عندما ينظر إلى ابنه نادي (34 عاما)، وهو أستاذ اجتماعيات في مدرسة ثانوية في قرية "قيرة" التي لا تبعد كثيراً عن "حارس".
لا يشارك نادي الذي يعمل في التدريس منذ خمسة أعوام، حماسة والده، خاصة أنه خبر التدريس في مدرستين حكوميتين، احداهما في محافظة أريحا وسط الضفة: "هناك اشكاليات كثيرة نواجهها، من ضمنها ارتفاع مستوى المنهاج الذي نشعر أنه يفوق قدرات الطلبة العقلية، وضعف اهتمام الأهالي بمتابعة أبنائهم، عدا عن قلة الرواتب".
ويلفت إلى أنه يشعر بأنه لا يوجد احترام مجتمعي كاف لمهنة التعليم، لافتاً إلى أنه خلال عقود ماضية كان الطلبة يفرون من وجه معلميهم عندما يلمحونهم في الشوارع احتراماً لهم، بينما يسمع اليوم عن معلمين يتلقون الضرب من طلبة في العديد من الحالات.
وتشير معلمة في احدى المدارس الحكومية في احدى قرى رام الله، طلبت عدم الكشف عن هويتها، إلى أنها تشعر أن هناك اهمالا لدى الطلبة وعدم متابعة يومية لدروسهم، عدا عن كثرة عدد الطلبة في الشعبة الواحدة، إذ يصل أحياناً إلى أكثر من 35 طالباً، فلا ينال الطلبة حقهم: "يعتمد الطالب على الحفظ، وليس فهم المعلومات. أما بالنسبة إلى المنهاج فحجمه كبير ولا يتناسب مع عدد أيام الدوام، كما أن بعض المواد مثل التربية الوطنية معروض بطريقة مملة، لدرجة أن الطلاب يكرهون شكل الكتاب".
وتشرح: "لتنفيذ أي إجراء أو أية فكرة، أو نشاط إبداعي لا بد أن نأخذ إذنا عبر كتاب يرفع للمديرة، التي ترفعه بدورها لمديرية التربية والتعليم لأخذ الموافقة، وهذا أمر مزعج ومتخلف، لأننا نرفع الكتاب وننتظر وقتاً طويلاً للرد يصل إلى عدة أشهر. وأحياناً بعد كل هذا الانتظار لا يصل رد، أو يكون الرد بالرفض".
إن المدارس الحكومية تعتبر تاريخيا الأكثر انتشارا واستيعابا للطلبة سواء في الضفة أو القطاع، علما أن عدد المدارس فيهما بحسب نتائج آخر تقرير احصائي صادر عن وزارة التربية والتعليم العالي، بلغ 2856 مدرسة، من ضمنها 2144 مدرسة في الضفة.
وتبعا للوزارة، فإن عدد المدارس التي تشرف عليها في الضفّة يبلغ 2095 مدرسة، مقابل 349 مدرسة تشرف عليها وكالة الغوث الدولية "أونروا"، و412 مدرسة يشرف عليها القطاع الخاص والأهلي، علما أن هناك 3 مدارس فقط في الضفة تداوم في الفترة المسائية، بينما حوالي 237 مدرسة في القطاع تداوم في الفترة المسائية.
وذكرت الوزارة أن هناك 1171596 طالباً وطالبة ملتحقون في كافة مدارس الوطن، بواقع 684699 طالباً/ة في الضفة، و486897 طالباً/ة في القطاع، مع مراعاة أن 772929 من الطلبة ملتحقون بالمدارس الحكومية، و288515 ملتحقون بمدارس الوكالة، و110152 في المدارس الخاصة والأهلية.
وأشارت الوزارة إلى وجود 65175 معلماً/ة في الأراضي الفلسطينية، بواقع 42069 معلماً/ة في الضفة، و23106 في قطاع غزة، وكانت نسبة المعلمات الإناث تشكل حوالي 59.8% من المجموع العام.



المناهج تساهم في تكريس الوضع القائم

يذكر الباحث عمر عساف، وهو أستاذ متقاعد يعيش في رام الله، وكان قد عمل مدة 20 عاماً في مدارس حكومية و13 عاما في التعليم الخاص، أن من أكبر الاشكاليات التعليمية غياب فلسفة واضحة في ما يتعلق بالتربية: "المنظومة التعليمية لدينا بما فيها المناهج تساهم في تكريس الوضع القائم، والقبول بالواقع، وهي بحاجة إلى اصلاح".
وكانت أقرت مسألة وضع منهاج فلسطيني العام 1998، لاستبدال المنهاج الأردني في الضفة ونظيره المصري في القطاع، حيث تم البدء بالمنهاج الموحد بدءا من السنة الدراسية 2000/2001، وذلك للصفوف الأول والسادس الابتدائي، لتتواصل هذه العملية وتشمل كافة الصفوف.
ويقول: "اتفاق أوسلو (1993)، يريد جعل التعليم في خدمة المسيرة السلمية. فخضع وضع المنهاج لرقابة دولية، ما جعل هناك رقابة ذاتية لدى من قاموا بإعداده من أكاديميين وأساتذة جامعات، من هنا روعي فيه ألا يتضمن أية اشارة إلى المقاومة أو تحريض من أي نوع".
ويكمل: "حصول الطلبة لدينا على معدلات تصل إلى 99 في المئة، وأكثر في الثانوية العامة "التوجيهي"، لا يعكس الواقع بشكل دقيق، باعتبار أن موقع فلسطين في نتائج الاختبارات الدولية المخصصة لبعض المواد العلمية متأخر، بل أن هناك موادا يحفظها الطلبة ويجيبون عليها حرفيا كما نص عليها الكتاب المدرسي".
وهو إذ ينتقد ضعف الرقابة الحكومية على المدارس الخاصة، يرى أن "التعليم الخاص نوعان، أحدهما تجاري محض، بالتالي لا تتوفر فيه للطلبة البيئة التعليمية اللازمة، بينما الآخر ويمثله عدد قليل من المدارس يسعى إلى التميز، لكن بمجمل الأحوال فإن أقساطها عالية".
وتتراوح الأقساط المدرسية في بعض المدارس الخاصة للأطفال في المرحلة الأساسية أي الصفوف من الأول حتى العاشر الأساسي ما بين 1000-1500 دولار، لتصل إلى نحو 3000 دولار للمرحلة الثانوية في بعض المدارس.
واللافت في تجربة المدارس الخاصة تدنّي رواتب معلميها التي تتراوح ما بين 450-500 دولار، بينما يتلقى المعلم الحكومي الجديد راتباً يصل إلى نحو 600 دولار، قبل أن يتم زيادته تدريجياً بنسب محدودة بناء على قانون يعرف باسم "الخدمة المدنية". ويبدو وضع المعلم في مدارس الوكالة أفضل حالاً، باعتبار أن راتب المعلم الجديد لديها يبلغ نحو 750 دولاراً.
ويقول عساف: "كلفة التعلم في المدارس الخاصة ترتفع، بالتالي يصبح التعامل معها نوعا من البرستيج المحصور بشرائح اجتماعية واقتصادية عليا، بينما لا يتمكن الطلبة المتفوقون من أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة من الالتحاق بها، ما يكرس حالة من التمايز الطبقي".



أكبر جهاز في السلطة، وبالتالي..

يقرّ ثروت زيد، مدير عام الإشراف والتأهيل التربوي في وزارة التربية والتعليم العالي، بأن التعليم المدرسي في الضفة والقطاع يواجه تحديات عديدة، وأنه ليس في أفضل أحواله خاصة في ما يتعلق بنوعية مخرجاته من الطلبة، وما يمتلكونه من معارف وقدرات.
ويذكر زيد، أنه رغم العديد من المؤشرات الإيجابية مثل ارتفاع نسب الالتحاق بالتعليم الأساسي وتصل إلى أكثر من 96 في المئة، فإن الواقع التعليمي الفلسطيني بما شهده من تطورات، مقارنة مع نظيره على صعيد الدول العربية، لا يمكن القول بأنه بات منافساً من ناحية النوعية: "نوعية التعليم لدينا تعاني من أزمات عديدة، ما يعود لأسباب عديدة. ففي ظل القرن الـ (21)، يفترض بأية منظومة تعليمية أن تقوم على المهارات المرتبطة بهذا القرن، وتعتمد على اقتصاد المعرفة، ناهيك عن أنه لتحقيق الجودة في التعليم، لا بد من توفير البيئة الملائمة في ما يتعلق بالموارد المادية والبشرية، فهل ذلك قائم لدينا؟".
ودلل على ما ذهب إليه بمادة التكنولوجيا: "معظم المختبرات لدينا هي مختبرات حاسوب وليس تكنولوجيا، فـ 71 في المئة من مدارسنا فيها مختبرات حاسوب، لكن لدينا فقط ما بين 10-15 مختبر تكنولوجيا في الضفة، ما يعني أننا نعلم حاسوبا وليس تكنولوجيا".
ويذكر أنه رغم أن نسبة 70 في المئة من المدارس في الضفة موصولة بشبكة الانترنت، إلا أنه لا يمكن الاستفادة منها على نطاق واسع نظراً للعديد من المحدّدات، من ضمنها عدم امكانية انزال ملفات، عدا عن ضعف وبطء الخدمة، نظراً لقلة الموارد المادية المتاحة للمدارس: "رغم ما يقال عن أن حصتنا من الموازنة تصل إلى نحو 20 في المئة، فإن معظمها يذهب إلى الرواتب باعتبارنا أكبر جهاز في السلطة، بينما يتم تمويل مشاريع الوزارة من دعم المانحين، الذي نتنافس عليه مع مؤسسات أهلية، يذهب الكثير مما تتحصل عليه من الجهات المانحة لمصاريف تشغيلية وأجور.
ويكمل زيد شارحاً: "لدينا مجموعة مدارس قديمة، لكن بكل الأحوال يفترض تأهيلها لتحقق مفهوم التعليم المدمج، بما يشمل الأشخاص ذوي الإعاقة. لكن بحكم الظروف القائمة، فهناك مثلا مدارس فيها مساحات مثل تلك الموجودة في الريف، بعكس نظيرتها في المدن، التي تعاني من ضيق مساحتها ومحدودية فرص توسيعها، حتى لو توفرت الامكانيات".
وفي ما يتعلق بالمنهاج، يرى أن المشكلة ليست فيه، لكن ربما في طريقة وسرعة اعداده في ظل غياب فلسفة اجتماعية على صعيد فلسطين، ما يعتبره قصورا من قبل المجلس التشريعي، والفصائل، والمؤسسات المجتمعية المختلفة: "كافة هذه الجهات لم تطرح رؤية واضحة حول ما هو المجتمع الفلسطيني الذي نريد، فهل نريده مجتمعا علمانيا، أو متدينا، أو براغماتيا ...الخ، فغياب هذه الفلسفة يعني افتقارنا إلى سياسات اجتماعية عامة، يفترض أن تكون موجودة وتشمل كافة القطاعات وليس التعليم فحسب".
ويشرح ظروف كتابته: "عندما وضع المنهاج كان الهم الأكبر لدى مؤلفيه والوزارة، اعداد منهاج يحمل اسم فلسطين أكثر من اهتمامنا بما يحتويه، بالتالي كانت عملية متسارعة بعض الشيء، بحيث خرج هذا المنهاج لا يختلف عن المنهاج الذي كان موجودا سابقا الأردني في الضفة، أو المصري في القطاع. كان أشبه بدليل للمعلم أكثر منه كتاباً للطالب. لكن بالمحصلة فإنه ليس أصعب من أي منهاج مماثل في أي بلد في العالم، إلا أنه قد تكون هناك مشكلة في طريقة ايصال المعلومات".
وهو ينتقد ضعف مساهمة القطاع الخاص في دعم التعليم واصفا إياه بـ "الخجول"، لافتاً إلى ضرورة التعاطي مع التعليم باعتباره مسؤولية مجتمعية، وليس مسؤولية المؤسسة التربوية فحسب.
ويقرّ أن إحدى الجوانب التي تعاني منها العملية التعليمية، تتمثل في "ضعف الدافعية لدى المعلمين"، خاصة في المدارس الحكومية، نظراً لتدني الرواتب وعدم وجود حوافز، مبيناً أنه لا بد من إعادة النظر في قانون "الخدمة المدنية"، ووضع قانون للتعليم عوضا عن ذلك المعمول به، وهو القانون الأردني لسنة 1964.
ويلفت زيد إلى أن وجود بعض التدخلات من قبل أهالي بعض المناطق خاصة القروية في التعليم، لا سيما في المناطق التي توجد فيها خلافات عائلية، لكنه يؤكد أن تأثيرها ليس كبيراً على المدارس. إلا أنه يؤكد أنه "لم تسجل أية اشكالية تتعلق بالمدارس المختلطة ومعظمها ثانوية وتوجد في القرى، رغم أن وجود مدارس مختلطة ليس أمرا منهجيا بالنسبة إلى الوزارة، التي تعنى أساسا بوجود فرص تعلم لا سيما للفتيات في كافة التجمعات بما فيها البدوية منها، وهو ما حققته بالفعل".
وبخصوص نسب التسرب، يلفت إلى أنها تمثل تحدياً، خاصة في ما يتعلق بمدارس القدس، ويتبع بعضها لما يعرف بـ "وزارة المعارف الإسرائيلية". ويوضح أن نسب التسرب في المرحلة الثانوية في القدس باتت مقلقة خلال السنوات الأخيرة، حيث تصل إلى 20 في المئة، لاعتبارات تتصل بالالتحاق بسوق العمل للفتيان، والزواج للفتيات.