| 

ما إن تضع/ي خطواتك الأولى في قرية مجدل بني فاضل، الواقعة في جنوب شرق نابلس، وتسير/ي في جنبات أزقتها العتيقة، حتى تتسلل إلى أنفك رائحة "الطابون" المميزة، وترافقك تلك الرائحة خلال تجوالك في معظم أحياء القرية وشوارعها. فالقرية هي نموذج عن مجموعة قرى أخرى تعدّ على الأصابع ما زال نساؤها يتمسكن بالطابون القديم، رغم تطوّر نواحي الحياة كافة، ويصررن على الاحتفاظ به كركنٍ أساسيّ من أركان البيت الفلسطينيّ، وكجزءٍ لا يتجزأ من الطقوس الشعبية المتوارثة.

طقوسٌ تعاند النسيان
توجّهت إلينا الحاجة أم طلال بابتسامتها العفوية، بينما أخذت يداها تلقّم نيران طابونها، شارحةً آلية عمله في إنتاج أرغفة الخبز. فتوضح لـ "السفير" أنه يتكون من غرفةٍ صغيرةٍ مبنية بالحجارة القديمة، لا يتعدى ارتفاعها المتر الواحد، يتم تحديد حفرةٍ صغيرة في قلبها بانسيابٍ دائريّ لا يتجاوز عمقها المتر أيضاً، ثم تُغطّى أرضية الحفرة بالرماد، تمهيداً لإضافة خليطٍ من القش والتراب إليها.
وتكمل أم طلال: "فوق طبقة القش والتراب، نأتي بقطعة من الصفيح، ونرمي فوقها أحجاراً صغيرة مخصصة لهذا الغرض. تكون هذه الأحجار ملساء مستديرة الشكل، نسميها الرضف". أما وقود نار الطابون فتؤمنه الحاجة من ورق الشجر، والروث، بالإضافة إلى الحطب، وتضيف الحاجة: "نستمر بتلقيم النار في الطابون حتى تصبح حرارة الصفيح عالية، ومناسبة لنضوج الخبز بسرعة فور وضع العجين فوقه".
الحاجة أم نهاد قصراوي تجلس إلى جوار رفيقتها أم طلال، وتعلّق: "روعة الطابون ليست فقط في ما ينتجه من أرغفة خبز ومأكولات شعبية شهية، بل إن اجتماع نسوة الحيّ على الطابون أيضاً له رونق مميز وخاص، لا يعرفه إلا من عايش الزمن الجميل القديم". وتوضح قصراوي قصدها بأن "لمّة الحارة" - كما حبّذت تسميتها - تعدّ من "الأجواء الرائعة" التي ترافق الطابون منذ إيقاد ناره وحتى الانتهاء من استعماله خلال اليوم.

طابون لكلّ بيتين
يقول يوسف عثمان، وهو من سكّان قرية مجدل بني فاضل: "الطابون بمثابة صبغة تراثية ضاربة الجذور في الأرض الفلسطينية منذ عقود طويلة، توارثنها النساء عن أمهاتهن، والحفيدات عن جدّاتهن، وتمتاز بها قرية مجدل بني فاضل شأنها شأن بقية أرجاء الريف الفلسطيني سابقاً". ويشير عثمان إلى الاختلاف ما بين قرية مجدل بني فاضل والمناطق الأخرى حالياً، موضحاً أن معظم القرى والبلدات الريفية غدت بلا طوابين بتاتاً في خضم التطور السريع في أساليب المعيشة وظروفها، بعكس قرية المجدل التي لا تزال تضم في حواريها الطوابين القديمة. وحول عدد الطوابين في القرية، يفيد عثمان بأن عددها بالعشرات موزعة على كافة مناطق القرية، بمعدل طابون لكلّ بيتين تقريباً.
"لا مثيل لخبز الطابون، من يتذوقه مرة عليه أن يعود لطلبه": بهذه الكلمات البسيطة، عبّرت الحاجة أم نسيم زين الدين عن شغفها بخبز الطابون، مشيرةً إلى تعدّد استخداماته، وعدم اقتصار استعماله على إنتاج الخبز: "يُستعمل الطابون أيضاً في الشواء، والطهي، والصواني، بالإضافة إلى تحميص الكستناء وإنتاج مناقيش الزعتر، وحتى صناعة القهوة". وتُرجع الحاجة أم نسيم النكهة الرائعة التي تمتاز بها مأكولات الطابون إلى التدرّج الحراريّ فيه.

أهازيج ومصطلحاتٌ خاصة
تُطلق الحاجة أم عطا تنهيدةً طويلةً وتستطرد: "ما في أحلى من اللمّة جمب الطابون، وكنا نغني مع بعض واحنا نخبز". نسالها عن الأهازيج الشعبية المرافقة للخبز، فتستذكر أم عطا مقطوعة تقول: "غنّي يا زهر الدحنون.. وارقص يا خبز الطابون.. طاح الشومر والزعتر.. وودعنا سقعة كانون".
أما على صعيد أبرز المصطلحات التي تدخل في إعداد الطابون منذ البداية إلى النهاية، توضح أم عطا أن تشغيل الطابون يسمّى "تدوير"، حيث تقول إمرأة عن أخرى "دارت الطابون"، أي جهّزته وشغّلته للمرة الأولى في بداية موسم الشتاء. أما تلقيم نار الطابون بالحطب والروث فيسمّى "تزبيل"، وتعقّب أم عطا: "كنا نقوم بتزبيل الطابون مرتين في اليوم، عند الفجر وعند الغروب، بغرض أن يبقى جاهزاً وناره قوية مستمرة الاشتعال". إخراج الخبز بعد جهوزيته أو الصينية الناضجة من الطابون يسمّى "القلع".
"الطابون لا يخص النساء فقط بل الرجال أيضاً"، وفق أم عطا. فقد كانوا ينتظرون إخراج النساء للخبز المحمّر من قلب حفرة الطابون ليغمسّوه بزيت الزيتون الطازج فور عصرِه. فخبز الطابون مع الزيت الجديد يمتلك نكهةً خاصةً بالنسبة إلى مزارعي الأرياف الفلسطينية. وتضيف أم عطا: "وليس الرجال وحدهم من يتحلّقون حول الطابون، بل الأطفال الصغار أيضاً كانوا ينتظرون إخراج البيض المشوي على الخبز.. فهي وجبتهم المفضلة قديماً".

تخوّفات من الانقراض
يشرح أمين سر "متحف يبوس" والباحث في شؤون التراث أحمد السدة أنه على الرغم من العدد الكبير نسبياً للطوابين في قرية مجدل بني فاضل مقارنةً ببقية أرجاء الريف الأخرى، "إلا أن الأهالي يتخوفون من سطوع شمس أحد الأيام، ليجدوا معظم طوابينهم قد اختفت! فعدد الطوابين في التسعينيات مثلاً، كان يفوق العدد الحالي بأضعاف". ويلفت السدّة إلى أن عدد الطوابين الشعبية يقلّ عاماً تلو آخر، بفعل انفتاح الأرياف الفلسطينية واتجاهها نحو التمدن التدريجي والتحديث المستمر لشتى المناحي الحياتية.
ويضيف السدة: "حتى لو اختفى الطابون نهائياً من الأرض الفلسطينية، عليه أن لا يختفي من عقول الأجيال المتعاقبة. وهذه المهمة منوطةٌ بمؤسسات المجتمع عامة، والمهتمة منها بالتراث خاصة". وهو يرى ضرورة في الحفاظ على التراث الفلسطيني بشتى أشكاله، في ظل محاولات السرقة الإسرائيلية، معدّداً في هذا الصدد قرصنة شركة الطيران الاسرائيلية "العال" لمطرزاتٍ فلسطينية خالصة واستخدامها في الزي الرسمي لمضيفات الشركة، ناهيك عن سرقة عددٍ من المطاعم لأكلة "الفلافل" الشعبية، وتقديمها كأكلة إسرائيلية.
إن الطابون الفلسطيني التراثي هو منهاجٌ أسسته الجدّات وتناقلته الأجيال، لينتج أشهى ما صُنع، بنكهةٍ خاصة جداً، عبر وسائل تقليدية بدائية. وعلى الرغم من التناقص التدريجي في أعداد الطوابين المنتشرة في الريف الفلسطيني، إلا أن الطابون يبقى بمثابة البصمة الدامغة التي تدلّ على عشق الأرض والارتباط الوثيق بثراها، والانتماء لتربةٍ شديدة الارتباط بأجساد ناسها، على مرّ العصور.