| 

منذ بداية الانتفاضات الشعبية في العالم العربيّ، ظهر مفهوم جيل "الشباب" كمفهومٍ عام يُستخدم في توصيف الحراكات الاجتماعية، على اعتبار وجود طاقة تحليلة في المفهوم بذاته. أصبح المفهوم يجيّر ضمن أي توجّه إيديولوجي يريده الباحثون (الليبراليون يرون في الشباب العربي حاملاً لواء التحرّر الفردانيّ والتوق إلى الديموقراطية الليبيرالية، الماركسيون يرون فيهم حاملي لواء الصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية، بينما القوميون والإسلاميون يحمِّلونهم مشروعاً سياسيّاً فوق دولة ما بعد الاستعمار القطرية).
في السياق الفلسطينيّ، عاد مفهوم الشباب ليبرز نتيجة التأثر بالعالم العربي. وهذه المرة، لم تستحضره السلطة أو المؤسسات غير الحكومية أو الخطابية الغربية فحسب، وإنما بعض الفاعلين والناشطين أيضاً، حيث تم استخدام دال "الشباب" كمدلول مستقلّ عن السياق الاجتماعي الاقتصادي. وفي معظم الأحيان، تمّ الاسترشاد بالإرث التاريخيّ للنضال ضد الاستعمار حيث كان جيل الشباب الرافعة الأساسية للعمل المقاوم المباشر. في الكتابة والتنظير لمفهوم الشباب، يتم أيضاً وعادةً استحضار تجربة الانتفاضة الشعبية الكبرى، كنموذج عن دور الشباب الفاعل في المجتمع. في هذه المقالة، سأحاول التفكير بعمليات التمثيل لمفهوم الشباب وتسويقها، وتبيان ضرورة إما التخلّص من المفهوم ذاته أو تحديده حتى لا نقع في فخّ التوصيفات الجاهزة والفارغة دلالياً.

الشباب، الانتفاضة، والبنية الأبوية
في تحليله الذاكرة الفلسطينية للانتفاضة الأولى، يخبرنا الأنثروبولوجي جون كولنز عن ستة أنماط بلاغية يستحضرها الفلسطينيون عند تذكّر الانتفاضة الأولى. من بينها وربما أهمها، نمط "البطولة". ولكن هذا النمط البلاغي لا ينطبق على البطل الفرد، وإنما انسحبت البطولة على جيلٍ كاملٍ سُمّي "جيل الانتفاضة". في القصص الشفاهية وذاكرة الأفراد، سمّوا "جيل الحجارة" أو "أطفال الحجارة". وفي إحدى التسميات الدارجة والأكثر شعبية، هم "شباب الانتفاضة"، وقد استخدمت هذه التسمية في النصوص السوسيولوجية والإثنوغرافية كـ "شباب". هذا الجيل (تحديداً الذكور منه)، قاربته الأنثروبلوجية جولي بتيت واصفةً مشاركته بالعمل الانتفاضي كأقرب ما يكون إلى طقس عبورٍ بين الطفولة والرجولة، من خلال تجربة المجابهة العنيفة مع جيش وشرطة الاحتلال. في السياق ذاته، قدّم الأنثروبولوجي شريف كناعنة نموذجاً تحليلياً مشابهاً، يقارب فيه ما بين بطولة ذلك الجيل وأنماط الشخصيات في القصص الفلولكلورية المحلية. واعتمد كناعنة على قصصٍ تم جمعها خلال الانتفاضة الأولى تركّز على شخصيات الطفل، المرأة، والشاب الذكر. وعن توصيف الشاب الذكر، يخبرنا أنه "واثق، لا يقبل الخضوع لا للسلطة الاستعمارية ولا للمعايير الاجتماعية، وغالباً ما يكون خارج بيت العائلة".
ما يقدّمه كناعنة حول فكرة الخروج من المعيارية الاجتماعية يتمركز تحديداً في سلطة العائلة أو ما يصطلح عليه في العلوم الاجتماعية ببنية العائلة وتراتيبة القوى داخلها. السوسيولوجي سليم تماري يستمر بالسير في الاتجاه ذاته ليخبرنا أن من نتائج الانتفاضة الأولى إعادة تعريف الصراع بين الأجيال، بحيث تشوشت المعيارية السلوكية التقليدية تجاه الأفراد الأكبر سناً. يستمر تماري في موضعٍ آخر بالمجادلة حول أن الشبان والفتيات، في لحظة معينة، وجدوا المبررات الوطنية للخروج من المنزل، حيث فقدت العائلة سلطتها لمصلحة الأحزاب السياسية التي رأى فيها الشباب تمثيلاً أكبر للمصالح الوطنية.
في كلّ ما سبق ذكره من عمليات تمثيل "الشباب" (representation)، بقيت عملية البناء النظري قائمة على المحدّد الجيليّ، فينظر إلى القول بأبوية العائلة العربية من دون وضعها في سياق علاقات القوى الأوسع، وتحديداً السياق الاستعماري. العلاقة مع العائلة أصبحت، بحدّ ذاتها، هي المعيارية والعدسة تحدّد ماهية الجيل. فيتمّ تمثيل الشباب بحالة تحدٍّ إما للعائلة أو للأب أو للأبوية، من دون البناء على العلاقة بين السلطة الأبوية واستخدامها أو إنشائها ضمن عملية صناعة الهيمنة الاستعمارية في الأراضي المحتلّة. لقد بقيت هذه التصورات أسيرة الدراسات البنيوية للمجتمع العربي (هشام شرابي، سعاد جوزيف، وحليم بركات مثلاً).
ما يمكن وصفها بلحظة الانتباه إلى "الجيليّة" كنعصرٍ تحليليّ في الانتفاضة الأولى، أي صورة الشاب المنتفض على تراتيبة القوى في المجتمع، كانت قد استحضرت في سياقٍ سابق من قبل الأديب غسان كنفاني، ولكن حول تجربة الفلسطينيّ الشاب الذي ينتمي إلى فصائل العمل الفدائيّ. ففي روايته القصيرة "أم سعد"، يخبرنا كنفاني عن سعد المسجون بين السلطات اللبنانية بسبب نشاطه الفدائي، وبين المختار الذي جاء للتوسط بغية إخراجه ورفاقه من السجن. في الحوار، يقول سعد للمختار بطريقةٍ ساخرة: "سلّم على المخيم يا ابني"، لتبادره أم سعد: "هذا دوره، مش دورك". في تلك اللحظة، يظهر انقلابٌ رمزيّ في تراتبية القوى الاجتماعية بين الشاب الصغير والمختار. عند كنفاني، لم يكن المختار سوى أداة أخرى من أدوات الهيمنة السياسية والثقافية على الفلسطيني، ما لم يظهر في تحليل باحثي الانتفاضة الأولى، حيث بقي الحديث عن "الجيليّة" من خلال موضعتها في العائلة العربية أو فصل الهيمنة الاستعمارية عن إحدى أدواتها، أي استخدام النموذج التحديثي في العلوم الاجتماعية من خلال مقابلة التقليدي/الحديث. في هذا السياق، لا بد من العودة قليلاً إلى العقل الاستشراقي الصهيوني في تعامله مع الفلسطيني، عبر هذه الثنائية. فقد جعل الإدارة الاستعمارية العسكرية تعتمد على البنية التقليدية لمتنفذي العائلات والمخاتير في إحكام سيطرتها على المجتمع لفترة غير قصيرة. وهو المنطق ذاته المكرّس في تشكيل روابط القرى، وقد تم استخدام رجالات العائلات والآباء في السيطرة على أبنائهم.
بكلمات أخرى، ما سيطر على عملية التمثيل الجيلية في الانتفاضة الأولى، هو وضع الشباب كنقيض للعائلة / المجتمع التقليدي / تراتبية السلطة في العائلة العربية، من دون وضع عمليات صناعة التقليد ذاتها في المعرفة الاستشراقية كمنظومة خطابية وكأداة ممأسسة للهيمنة الثقافية الاستعمارية. عند القيام بذلك، يمكن أن نرى أن الجيلية (الشباب في حالة الانتفاضة الأولى)، لم تكن تصنيفاً اجتماعياً وإنما وحدة تحليلٍ سياسية. فالفرد يصبح من الشباب في حال انخراطه في العمل السياسي، أي أن دالّ "الشباب" ليس معطى أسبقيّاً مرتبطاً بالعمر بقدر ما هو وحدة تحليلٍ سياسيّ في الصراع مع الهيمنة الاستعمارية واستدخالها في البنية الاجتماعية.
"الشباب" بعد أوسلو: الرياضة، الريادة، التهديد
بعد اتفاق أوسلو، تحوّل الخطاب الوطني الفلسطيني حول الشباب، من ذوات أو ذات (جيل الانتفاضة) إلى موضوع للمأسسة السياسية ضمن مشروع بناء الكيان السياسيّ. هذا التحوّل أخذ عدة أشكال، وهو مرتبط بطبيعة عناصر الهيمنة السياسية التي يمكن فهمها باعتبارها تركيباً متشكّلاً من السلطة الفلسطينية، والمؤسسات غير الحكومية (محلية ودولية)، والمؤسسات الدولية السياسية /الغربية تحديداً. فالسلطة الفلسطينية، منذ البداية، تعاملت مع الشباب بأسلوب أيّ نظام شموليّ (شبه شموليّ)، حيث كانت وزارة الشباب والرياضة هي العنوان الذي سعت من خلاله إلى السيطرة على هذا القطاع الاجتماعي، بتحويله إلى قطاع غير سياسي، وإنما رياضيّ تحديداً، أيّ قصر الجيلية على الرياضة، أو استقطابه ضمن عملية بناء البيروقراطية والأجهزة الأمنية.
هنا، نرى المؤسسات غير الحكومية تعمل تحت مسمى الشباب (التقديرات تتحدث عن أكثر من خمسمئة مؤسسة تعمل مع فئة "الشباب" في الضفة الغربية وقطاع غزة)، حيث يتم التركيز على الفاعلية الاجتماعية. وهو تركيز مرتبط بتصنيف الشباب ضمن الفهم الاستشراقي، أو الليبرالي في أحسن الأحوال، للتحديث والتقليدية، بحيث يصبح موقع الفعل في هذه المؤسسات يخاطب الوعي أو المنظومة الثقافية. فيتم التركيز على التدريب والثقفيف أو إعادة التثقيف. هذا التوجه الثقافوي تحديداً، ينسجم مع المنظومة الاقتصادية الليبرالية، بحيث يصبح العمل مع قطاع الشباب قائماً على الاندماج في آليات السوق. وتلاحظ ليزا تراكي ببراعة أن الأحلام الفردية أصبحت عنصراً اساسياً في تشكيل الطبقة الوسطى الثقافيّة في فلسطين، بحيث يتمّ التركيز على فكرة النجاحات الفردية، ومفاهيم الريادة، والمشروعات الصغيرة، والمباشرة بمشروعٍ اقتصاديّ.
في المقابل، يبقى الحديث عن الجيل (الشباب) محصوراً بعلاقته بجيل آخر، حيث إن الجيل الجديد هو حامل لواء التقدّم الفرديّ والفاعلية الاقتصادية والمعرفة التقنية والمهارات التي يحتاجها السوق الرأسمالي، مقابل أجيال سابقة "فشلت" في النهوض المجتمعي لتركيزها على السياسيّ الجمعيّ بدلاً من المهارات التي يتطلبها عالم الرأسمال.
أخيراً، فإن المؤسسات الدولية وتحديداً الغربية تسعى إلى الظهور بدور مكتشفة الأجيال الجديدة ومشجّعتها. ففي كلّ زيارة إلى فلسطين (وربما للعالم العربي أيضاً)، يحرص قادة الغرب على لقاء مجموعة من الشباب الفلسطينيّ. وعلى الرغم من المعرفة البيّنة بأن المجموعة التى يلتقيها هؤلاء لا تمثّل سوى أفرادها أو أقل، فإن التركيز على فكرة لقاء الشباب بحدّ ذاته يندرج ضمن المنظومة الخطابية حول الجيلية، وتحديداً ما بعد الإنتفاضات العربية. وتعود فكرة الجيلية عند الغرب إلى الطريقة التى صُنع فيها العالم العربي/والعالم الثالث، بشكل عام، في عيون الغرب الأميركي ـ الأوروبي. إذ يتم التعامل مع هذه المناطق كخطرٍ استراتيجيّ، وخاصة لجهة الزيادة السكانية، بحيث يتحوّل الشباب إلى قضية سياسية، وعنصر تحليل، في فهم ما يسمى بعدم الاستقرار السياسي والارهاب والهجرة إلى الغرب. إذ يكفي النظر إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير في العام 2004، أو الكتابات حول الهجرة، أو تقارير التنمية في العالم العربي، أو منشورات مراكز الأبحاث الغربية، لنلحظ التعامل مع ارتفاع نسب الشباب بين السكّان كمصدر تهديدٍ إستراتيجيّ.
إن استخدام مفهوم الشباب في فلسطين باعتباره مدلولاً خارجاً عن السياق الاجتماعي أصبح استخداماً ايديولوجياً صرفاً لا يفيد كإطار تحليليّ أو حتى وصفيّ. فالشباب، كفئة عمرية، هم بالأساس منقسمون إيديولوجياً وطبقياً، بحيث يصبح الانقسام بين الوحدات الاجتماعية أفقياً (داخل الفئة العمرية) أكثر منه عمودياً (بين الأجيال). والفوارق داخل الوحدة التحليلة المسماة "شباب" هي أكبر من الفوارق بين تلك الوحدة والوحدات الأخرى. ويمكن القول إننا إذا ما أخذنا كيفية تمثيل مفهوم "الشباب" في السياق الفلسطيني، فسنجد أنه في البداية حلّ كوحدة تحليلٍ سياسية، أخضعت بعد أوسلو لعملية لا- تسييس، ثم كانت أخيراً العودة إلى المفهوم كإيدولوجيا ليبيرالية.
لذلك، ومن أجل توفير معرفةٍ أفضل لمجتمعاتنا، يجب إما التخلّص من مفهوم الشباب، أو إعادة الاعتبار للمفهوم كعنصرٍ في القطع المعرفيّ (النسبيّ) مع الماضي، لا كمحدّد جيليّ.

* أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية في "جامعة بيرزيت"

مراجع:
Collins, John. The Intifada Generation and the Palestinian State of Emergency (New York: New York University Press, 2004)
Peteet, Julie. Male Gender and Rituals of Resistance in the Palestinian”Intifada “: A Cultural Politics ofViolence. American Ethnologist, Vol. 21,No. 1. (Feb.,1994), pp.31-49.
كناعنة، شريف. دراسات في الثقافة والتراث والهوية. مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديموقراطية - مواطن، 2011
Tamari, Salim. “The Transformation of Palestinian Society: Fragmentation and Occupation”in Palestinian society in Gaza, West Bank and Arab Jerusalem: a survey of living conditions. Oslo: FAFO, 1993.
تماري، سليم. الجبل ضد البحر: دراسات في اشكاليات الحداثة الفلسطينية. مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديموقراطية، 2005
منتدى شارك الشبابي: نتائج مسح المؤسسات العاملة مع الشباب تراكي، ليزا. المتخيل الاجتماعي الجديد في فلسطين بعد أوسلو. "إضافات" (المجلة العربية لعلم الاجتماع) ، العددان 26 -27 ربيع وصيف 2014