| 

منذ فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزّة الساحليّ في صيف العام 2007، لم ينفكّ المُتضامنون مع القضيّة الفلسطينيّة عن محاولة كسر الحصار الضارب على غزّة، لتقديم المعونات والمُساعدات الغذائيّة والطبيّة لقُرابة 1.8 مليون نسمة يختنقون في أكثر البقع كثافة سكانيّة في العالم. يذوق هؤلاء المتضامنون ألواناً من الذلّ على عتبة بوابة معبر رفح البرّي تارة، وتراهم يلاطمون أمواج البحر تارة أخرى، ولا يُثنيهم ذلك عن إعادة الكرّة، مرّة تلو الأخرى.
إذ مع اشتداد حصار غزّة، باتت الحاجة مُلحّة إلى التفكير بممرٍ آخر يسلكه المتعاطفون مع غزّة، غير معبر رفح البرّي الذي تغلق السلطات المصريّة أبوابه أغلب أيّام الأسبوع بوجه المُسافرين. وإذا كان مفتوحاً، فهي تمنع عشرات الأجانب من دخول غزّة، لدواعٍ أمنيّة. هنا، بدأت سفن كسر الحصار تنسج قصّتها مع قطاعٍ ساحلي يفتقر إلى أدنى مقوّمات مرفأ حقيقيّ لاستقبال السفن الكبيرة!

المحاولة الأولى: ورودٌ في البحر
في حادثة فريدة وغير مسبوقة، نجحت المحاولة الأولى لكسر الحصار، ووصلت سفينتا "الحريّة" و "غزّة الحرّة" إلى شواطئ غزّة، عشيّة يوم الثالث والعشرين من أغسطس/آب 2008، بعدما انطلق حوالي أربعين مُتضامناً دوليّاً من موانئ جزيرة قبرص في رحلة شاقة عبر البحر صوب شواطئ القطاع، جالبين معهم بعض المُساعدات الطبيّة. وعلى الرغم من صغر حجم السفن ورمزيّة المُساعدات، إلا أنّ هذه الخطوة كسرت أوّلى حلقات الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع.
في تلك الليلة، لم يُصدّق سكّان القطاع أعينهم. فقد رأوا للمرّة الأولى سفينتين ترسوان في مرفأ مدينتهم المُحاصرة، بينما نسمات الريح تُعانق أعلام الحريّة التي تُشهرها. سفينتان جاءتا عبر مئات الأميال البحريّة، غير تلك الأميال الثلاثة التي اعتاد الصيّادون ممارسة مهنتهم فيها. آلاف المواطنين والشخصيّات الاعتباريّة استقبلوا المُتضامنين بإلقاء الزهور على مرأى أعينهم في مياه المتوسّط، تعبيراً عن تقديرهم وعرفانهم لمن أحسّ بمعاناتهم، وجاء لتقديم العون، ولو بالقليل.
رمزيّة وصول السفينتين إلى القطاع كانت أكبر بكثير من حجم المُساعدات المُقدّمة. وكان المُتضامنون على علمٍ مُسبق بأن آلاف سفن المُساعدات لن تكفي القطاع المُتعطّش، وإنما تكفيهم سفينة واحدة تخترق الجدران الإسرائيليّة، وتُشعرهم بكيانهم وإنسانيّتهم. فلطالما دقّ الغزّيون جدران الخزّان عطشاً للحريّة وكسر الحصار، وقليلٌ من كانوا يسمعون!
وقت مُغادرة المُتضامنين شواطئ القطاع، رأيناهم لا يتمالكون أنفسهم من شدّة البكاء على مليون وثمانمئة ألف نسمة سيتركونهم خلفهم في سجن كبير، لا يعرفون من سيخترق جداره من بعدهم. تسعة منهم رفضوا مُغادرة القطاع، وفضّلوا المكوث لوقتٍ أطول بين السكّان، والتعرّف على أزماتهم ومشاكلهم أكثر وأكثر، في محاولة لإبراز صورة الحصار الذي يتعرّضون له على الواجهة الإعلاميّة الدوليّة، في وقت بدأ يقل فيه التعاطف العربي مع غزّة، وتحميل "حركة حماس" مسؤوليّة تردّي الأوضاع المعيشيّة.
بقي تسعة منهم في القطاع، وانضم سبعة طلاب فلسطينيين مُسجّلون في جامعات أجنبية إلى الناشطين على الزورقين. فهم غير قادرين على مغادرة غزّة بسبب الحصار، وكانوا على وشك أن يفقدوا منحهم الدراسية التي أوشكت مهلها على الانتهاء.
كذلك، سبح عشرات الفتية في وداع المتضامنين. وبالمناسبة، كان أحد السابحين الإسرائيلي جيف هالبر، فاعتقلته السلطات الإسرائيليّة عند عودته إلى إسرائيل. كما رافقتهم بعض قوارب الصيد وهي ترفع أعلاماً فلسطينية لمسافةٍ محدودة يُمنع تجاوزها، والأمل يتجدّد لدى الغزّيين بأن يروا سفناً أكثر، وأكبر.
بعد شهرين من وصول "الحريّة، وغزّة الحرّة"، رست سفينة "الأمل" الليبيّة صبيحة يوم 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2008 في ميناء غزّة، بعد انطلاقها من ميناء "لارنكا" القبرصي، وتحدّيها للبحريّة الإسرائيليّة التي حاولت ثنيها وحرف مسارها. حطّت السفينة، وعلى متنها 27 ناشطاً ينتمون إلى 13 دولة، من بينهم النائب السابق في المجلس التشريعي الفلسطيني الدكتور مصطفى البرغوثي.
الغزّيون هذه المرّة لم ينتظروا على الشاطئ وصول السفينة، وإنما همّوا، وركبوا قوارب الصيد المُتهالكة، واستقبلوا السفينة في عرض البحر، في مشهدٍ اعتبروه كسراً حقيقياً للحصار باستخدام المياه الإقليمية الفلسطينية. الخط البحري بات مفتوحاً أمام السفن من جميع أقطار الأرض تأتي لكسر حصار قطاع غزة، خاصة وأن السفينة هي الثالثة خلال شهرين فقط.

انتفاضة سفن!
بعد أسبوع من مُغادرة سفينة "الأمل" قطاع غزّة، وعلى متنها المُتضامنون وعدد من الجرحى والمرضى الفلسطينيين الذين نقلوا لتلقّى العلاج في الخارج، وصلت إلى شواطئ غزّة سفينة "الكرامة" في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2008، وعلى متنها 22 ناشطاً، بينهم وزيرة التعاون الدولي البريطانية في حكومة توني بلير السابقة كلير شورت.
لم يعد الغزّيون آنذاك يعوّلون على معبر رفح كثيراً. فمن تمنعه السلطات المصريّة من دخول غزّة، يلجأ إلى ميناء لارنكا في قبرص القريبة من غزّة، للانضمام إلى إحدى السفن التي تُسيّر إلى القطاع بهدف كسر الحصار المفروض عليه. الأمر هنا بات أشبه بانتفاضة سفنٍ تُلاطم أمواج البحر من أجل الوصول إلى غزّة، تلك المدينة الساحليّة التي باتت تُذكر عبر وسائل الإعلام أكثر من غيرها.. الكلّ يريد أن يزور غزّة، يراها، يتعرّف إلى أهلها، قضاياهم، ويخوض تجربة بحريّة غير مضمونة عقباها.
بعد ثلاث رحلات بحريّة ناجحة اخترقت الحصار المضروب على غزة من حدودها الغربيّة، أعلن رئيس "اللجنة الشعبية لمكافحة الحصار" جمال الخضري عن انطلاق مجموعة عربية من السفن، من ليبيا، وقطر، والكويت، واليمن، بالإضافة إلى خامسة تركية. الأمر لم يرق للمحتلّ الإسرائيلي بطبيعة الحال، فاعترض سفينة "المروة الليبية" قُبالة شواطئ غزّة، في المياه الإقليميّة، في 1 ديسمبر/ كانون الأول 2008. أجبر الإحتلال السفينة على الرجوع إلى ميناء العريش، وتفريغ حمولتها التي تُقدّر بثلاثة آلاف طن من المساعدات الغذائية والدوائية هناك، ومن ثم إدخالها إلى القطاع من خلال المعابر التي تتحكّم بها السلطات الإسرائيليّة.
انتفاضة السفن هذه، نجحت في تحديد معالم جديدة للسياسة الإسرائيلية لم تكن واضحة من قبل. صحيحٌ أن إسرائيل لم تعترض سفن كسر الحصار الأولى، الثانية، الثالثة، ولا الرابعة، وكلهم جاءوا على متنها عبر قبرص، لكنها أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما جاءت سفينة "المروة الليبية". وفي المقابل، فتحت المعابر جزئياً لإدخال مساعدات إنسانية في محاولة لنفي دواعي وصول السفينة الليبية.
ينبغي هنا إدراك الفوارق بين كافة هذه الرحلات. ببساطة، رحلة "المروة" لم تكن رمزيّة. فهذه السفينة هي سفينة شحنٍ حقيقية، عليها حمولة كافية لإنعاش غزة - الفقيرة في كلّ شيء – شهوراً. الأمر الآخر الذي أشارت إليه مصادر أمنية إسرائيلية، هو أن "المروة" قدمت من دولة "غير مشجعة لإسرائيل". وفي ظل هذا الاعتقاد، أطلقت مزاعمها بوجود "أسلحة وخبراء إيرانيين وأشخاص غير مرغوبٍ بوجودهم في غزة"، أملاً في إقناع العالم بالقواعد التي تريد إسرائيل ترسيخها.
بعد منع "المروة" من الوصول إلى ميناء غزّة، اعترضت البحريّة الإسرائيليّة بعدها بستّة أيّام فقط، في 7 ديسمبر/ كانون الأول 2008، سفينة "العيد"، التي كانت تحمل مساعدات طبيّة ومعونات إغاثيّة مُقدّمة من فلسطينيي الداخل المحتلّ في العام 1948. وكأنّ إسرائيل في ذلك الوقت اتخذت قراراً داخليّاً بمنع أي سفينة تضامنية من الوصول إلى غزة. لكن، حينها أيضاً، حقّق حصار غزّة ذروة التناقضات في كل شيء: ففي حين تعترض إسرائيل وصول السفن إلى القطاع، تراها لا تمانع أن تفرغ تلك السفن حمولتها في ميناء أسدود المحتلّة، ومن ثم نقل تلك المساعدات إلى القطاع بمعرفة المحتل.
إسرائيل سمحت في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول 2008 لمركبٍ صغير ينقل ناشطين أجانب متضامنين مع الفلسطينيين، بدخول شاطئ غزة. ونقل هذا المركب صحافيين، وأساتذة بريطانيين، وجراحاً بريطانياً تطوّع للعمل في المستشفيات المحلية، وناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان.
في الشهر ذاته، وقُبيل حرب غزّة الأولى بأسبوعٍ واحد، وصلت سفينة "الكرامة" القطريّة إلى ميناء غزّة في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2008، وكانت قادمة من ميناء لارنكا القبرصي، تحمل على متنها مساعدات إنسانية مقدمة من أهل قطر للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومتضامنين أجانب وصحافيين، وشخصيات تمثل جمعيات خيرية قطرية.
الأمر حينها بات يشبه الكرّ والفرّ: مرّة، تسمح إسرائيل بدخول السفن الصغيرة والتي لا تحمل مساعدات كبيرة، ومرّات أكثر تمنع السفن الحقيقية من الدخول لأن دخولها يعني كسراً فعلياً للحصار المفروض على غزّة. في 14 يناير/ كانون الثاني 2009، منعت البحريّة الإسرائيليّة سفينة "الكرامة" التي سيّرتها حركة "غزّة الحرّة"، ومقرها قبرص، من دخول غزّة، واحتجزت كافة ركاب السفينة، قبل أن تُفرج عنهم بعد استجوابهم.
أما في 2 فبراير/ شباط 2009، وبعد عدوانٍ دامٍ على قطاع غزّة، اعترضت القطع البحريّة الإسرائيليّة سفينة "الأخوة اللبنانيّة" في المياه الإقليميّة الفلسطينيّة، ومنعتها من بلوغ شواطئ القطاع، ومن ثم اقتادتها إلى ميناء أسدود، واعتقلت ركابها الثمانية. وكالعادة، ولأن السفينة تحمل مواد إغاثيّة حقيقيّة، وبكميّات كبيرة، قالت إسرائيل إنها تشتبه بوجود أسلحة وذخائر على متن السفينة. الأمر الذي تكرر مع سفينة "روح الإنسانية"، التي اعترضتها إسرائيل في 30 يونيو / حزيران 2009، وكانت تتبع أيضاً لحركة "غزّة الحرّة"، وحملت مساعدات، ونشطاء أوروبيين وعرباً.
إذاً، إسرائيل ترحّب بأي سفينة صغيرة تُقل متضامنين، وحبّذا لو كانوا من دول غربية. تشجع إسرائيل ذلك، طالما الحراك لا يقدّم معونات حقيقية للمحاصرين. ويشترط أن تنطلق من ميناء "لارنكا القبرصي"، مع إقامة لعدة أيام فحسب، وتسمح بخروج طلاب حاصلين على تأشيرات من دول غربية، ولا مانع من وجود وسائل إعلام أو تجهيزات كاملة للتغطية الإعلامية على كلّ سفينة. فمع الأيام، ستثبت هذه الصور رواية أن إسرائيل لا تحاصر قطاع غزة إلا لدواعٍ أمنية، وهذه السفن تشهد بذلك.
ومن اللافت أنّ غالبيّة المتضامنين الذين وصلوا غزّة بحراً كانوا ناشطين في الدول التي فرضت الحصار. فمنهم الأوروبي، ومنهم الأميركي، وحتى الإسرائيلي، في إشارة واضحة إلى عدم الرضا عن سياسة دولهم المعادية لشعب يدافع بالأظافر عن كرامته في مواجهة احتلال مدعوم بترسانة عسكرية.

من السفن إلى الأساطيل
سنة تلو الأخرى، يشتد الحصار على غزّة. تخمّر الغضب الشعبي في جميع أنحاء العالم ضد حصار هذا الشعب، وظهرت فعاليات شعبية ودولية حاولت كسر الحصار بأيّ شكل من الأشكال، إن عبر تنظيم المسيرات إلى المعابر، أو توجيه الرسائل إلى الحكّام عبر وسائل الإعلام، وكذلك، عبر المؤتمرات الصحافية التي تشرح أبعاد هذا الحصار وآثاره على كلّ نواحي الحياة في هذه البقعة من العالم.. وكان ذلك بعدما أحجمت دول الجوار عن تقديم يد العون لأشقاءٍ استنجدوا طلباً للمساعدة، بل ومنعت وصول المساعدات براً.
في تلك الفترة، تطوّرت محاولات تسيير سفن صغيرة لكسر حصار غزّة إلى ما هو أكبر من ذلك. فقد قررت ستّ منظمات دولية غير حكومية، أبرزها "هيئة الإغاثة الإنسانية التركية" (İHH)، تطوير محاولات كسر الحصار البحريّ على غزة عبر الانتقال إلى مرحلة "الأساطيل"، وعدم الاكتفاء بسفنٍ صغيرة. تم تجهيز "أسطول الحرية الأوّل"، المكوّن من خمس سفن، أكبرها سفينة "مافي مرمرة" التركية، وعلى متن الأسطول قُرابة 750 ناشطاً من 37 دولة.
ولكن، في 31 مايو/أيار 2010، وفي أثناء إبحار الأسطول في المياه الدولية في عرض البحر المتوسط، هاجمت قوات كوماندوس تابعة للبحرية الإسرائيلية السفينة التركية، طليعة الأسطول، بالرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، وكانت تحمل على متنها أكثر من 500 متضامن، معظمهم أتراك.
استشهد عشرة من المتضامنين الأتراك، وجرح خمسون آخرون، ما أحدث توتراً في العلاقات التركية الإسرائيليّة، وأدى إلى استنكار دولي واسع، أجبر إسرائيل في ما بعد على التخفيف من حصارها على قطاع غزة.

الحاضر: قراءات غزّية
بعد جريمة "أسطول الحرية" الأول، حاول العديد من المؤسسات تكرار المحاولة، وإطلاق أسطول جديد، وتحديداً في العام 2011. وكان من المفترض أن يبحر أسطول "الحرية 2" من ميناء كريت في اليونان متجهًا إلى غزة، إلا أن ضغوطاً إسرائيلية مُورست على الحكومة اليونانيّة حالت دون انطلاقه من موانئها. وكان الأسطول يتكون من أربع سفن تضامنية، تُقل على متنها نحو 60 ناشطًا من 22 دولة، منها: النرويج، اليونان، إيرلندا، ودول عربية.
وأخيراً، في 29 حزيران/يونيو الماضي، وعلى غرار القرصنة الإسرائيليّة التي تعرّض لها أسطول الحريّة الأوّل، اعترضت البحريّة الإسرائيليّة طليعة أسطول الحريّة الثالث، سفينة «ماريانا» السويدية، وسيطرت عليها بالقوّة في أثناء إبحارها في المياه الدولية في طريقها إلى القطاع.
ضمّ "أسطول الحريّة 3" أربع سفن غير "ماريانا"، أبحرت صوب شواطئ غزّة في 27 حزيران الماضي، تُقل على متنها ناشطين وبرلمانيين عربا وأوروبيين مُتضامنين مع غزّة، يسعون لكسر الحصار المفروض عليها منذ ثماني سنوات. كما حملت السفن مساعدات غذائية ودوائية إلى القطاع، وشحنة ألواحٍ شمسية للمساعدة في تخفيف وطأة مشكلة الكهرباء التي يعاني منها حوالي 1.9 مليون فلسطيني داخل القطاع.
وبحسب القائمين على الأسطول، فإنّ السفن الأربع التي رافقت "ماريانا" في رحلتها البحريّة لكسر الحصار عن غزّة، عادت إلى الموانئ الأوروبيّة التي انطلقت منها بعد انقطاع الاتصال مع طاقم "ماريانا"، قائدة الأسطول، مُشيرين إلى أن تراجع السفن الأربع تم بناءً على الخطّة الموضوعة، وأنه سيتم استخدام تلك السفن في تسيير أسطول رابع قريباً.
عندما انطلق أسطول الحريّة الثالث من أوروبا صوب شواطئ غزّة، كانت عيون الغزّيين مشدودة نحو الأفق، وكان كلّ نتوء زائد فوق صفحة الماء يحسبه أهل غزة الظمآنين سفناً. مع ذلك، فإن مخاوفهم الداخليّة من اعتراض البحريّة الإسرائيليّة للأسطول في عرض البحر كانت أكبر بكثير من شغفهم لوصول الأسطول، واستقباله. لهم تجربة طويلة مع سفن كسر الحصار التي اُعترضت، وقُرصنت، قُبالة شواطئ غزّة.
غالبيّة السكّان في غزّة يجزمون أن أياً من تلك السفن لن تصل إلى القطاع، لا اليوم، ولا غداً. ولن تسمح إسرائيل باختراق الحصار البحري الذي تضربه على سواحل غزّة، لأسباب نفسية كثيرة تتعلّق برمزيّة الحصار وكسره في آن معاً. إسرائيل تعلم جيداً أيضاً أن أسطولاً واحدا فقط، إذا اخترق الحصار ووصل غزّة، فذلك يعني الكثير بالنسبة إلى الغزّيين أولاً، والمجتمع الدولي الذي لن تستطيع الوقوف في وجهه مرّة أخرى ومنع سفن الحريّة الآتية منه بحجّة أنها تخترق القوانين الإسرائيليّة.
إذاً، ما هو المطلوب لمنع "فوضى السفن"، وتحقيق النجاح الكامل لانتفاضتها؟ يرى مُراقبون أنّه لنجاح التجربة، يجب أن تعتمد انتفاضة السفن على الشعب، بمعنى أنه لا ينبغي أن تأتي أيّ سفينة رسمية للتضامن مع شعب غزة، وإنما سفن تنطلق بمبادرةٍ من مؤسسات أو لجان شعبية أو منظمات أهلية، رغم أن التضامن الرسمي مطلوب، ولكن من البرّ، وتحديداً من معبر رفح.
إلى ذلك، يجب أن يستمر التخطيط الواعي لتلك الرحلات، بحيث تُوضع أهداف واضحة لكل رحلة، وتوضع الخطط البديلة لكلّ طارئ تتيح الالتفاف على "مفاجآت البحر الإسرائيلي المتخبط". وكذلك، يتوجب تحديد تاريخ الوصول المتوقع، وليس تاريخ الانطلاق. والأهم من ذلك، يجب أن تكون هناك إدارة لعملية وصول السفن ومغادرتها، والمحتوى الذي تحمله، وهذه الإدارة يجب أن تكون على تنسيق وثيق مع داخل القطاع.
فماذا الذي ستفعله إسرائيل إذا التقت 20 سفينة عربية، أو أجنبية، أو مختلطة، في المياه الإقليمية في محاذاة شواطئ غزة، ثم اتجهت مجتمعة إليها؟ خياران أحلاهما مُرّ: إما أن تسمح لها بالدخول، وهو المرجّح.. أو تغرقها!