| 

من دون أن يعلم ما يُخبئ له قدره، وبهمّةِ الفلاح الفلسطيني، أخذ يروي غراس الزيتون الصغيرة. فجأةً، داهمته قطعان الخنازير البريّة، وأصابته برضوضٍ في أنحاء مختلفة من جسمه. تلك هي قصة الشاب شادي محمد (من بلدة ديراستيا - قضاء سلفيت)، وهي مثال يدلّ على ظاهرة الخنازير البريّة ذات التبعات الكارثية على المواطنين في الضفة الغربية. يسرد الشاب شادي تفاصيل المشهد: "في العام الماضي، خرجت للعمل في الأرض المحاذية لأطراف بلدتي. كان الوضع طبيعياً في ساعات الصباح. لكن مع حلول الظهيرة، وفي أثناء تنقلي بين الأراضي، فوجئت بقطيع من الخنازير البرية يهاجمني آتياً من قلب إحدى الأشجار الحرجية". ويُتابع الشاب: "خلال هروبي، سقطت أرضاً في منطقة صخرية وعرة، ما أدّى لإصابتي برضوضٍ، ثم واصلت الفرار. نجوت بأعجوبة".

سياسة إسرائيلية ذات تاريخ
على الرغم من عدم بديهية الربط، إلا أن السبب الأبرز خلف انتشار ظاهرة الخنازير البريّة هو الاحتلال، حسبما يؤكد الباحث في شؤون الاستيطان خالد معالي. ويشرح معالي لـ "السفير" أن منطقة سلفيت تعيش واقعاً خاصاً يختلف عن بقية المحافظات الفلسطينية نظراً لحجم توسّع نطاق الاستيطان وتبعاته في مختلف مناطقها: "الخنازير أسلوبٌ إسرائيلي ممنهج يعتمده المستوطنون لجلب ضنك العيش وتعكير صفو حياة المزارعين في المناطق القريبة من المستوطنات الاسرائيلية". وحول الخطوات التنفيذية، يقول معالي: "شاحناتٌ إسرائيليةٌ محملّة بالخنازير البرية تفرغ حمولتها ما بين فترة وأخرى في المناطق المحاذية للقرى والبلدات الفلسطينية، فتنطلق الخنازير على شكل قُطعانٍ تهاجم المواطنين وتعيث فساداً وخراباً في أراضيهم الزراعية".
ويؤكد معالي أن المستوطنين يُلقون مخلّفات المستوطنات بشكل متعمدٍ قرب الأراضي الفلسطينية، مثل "فقّاسات البيض" وغيرها، مؤكداً أن هذه المخلّفات، إلى إضرارها بالبيئة، تشكل ملاذاً للخنازير، ما يزيد من رقعة انتشارها ويرفع أعدادها. ويضيف معالي: "مسألة الخنازير البريّة التي يُطلقها المستوطنون ليست وليدة اليوم، بل ظهرت منذ وجود الإحتلال في العام 1967. لكن ضررها آنذاك كان بسيطاً نسبياً. وفي بداية التسعينيات، تحولت الخنازير البرية إلى ظاهرة بمنطقة سلفيت، حيث غدت أسلوباً ينتهجه الاحتلال ومستوطنوه لجلب ضنك العيش للمواطن الفلسطيني والتضييق عليه".
يُذكر أن الحادي عشر من شهر آذار/مارس الماضي سجّل سابقة هي الأولى من نوعها، حيث نشرت طائرات الاحتلال الاسرائيلي قطيعاً من الخنازير البرية، وأكدت مصادر محلية أن الطائرات ألقت الخنازير بعد تحليقها على علو منخفض فوق السهل الواقع بين بلدتي رابا والزبابدة جنوب غرب جنين.

في الحقول وبين البيوت: تريد الرطوبة
لا تقتصر رقعة انتشار الخنازير البريّة على المناطق النائية، بل أصبحت في الآونة الأخيرة تنتشر بين بيوت المواطنين في بعض المناطق. فيروي الشاب بلال عبد الرازق لـ "السفير": "الخنازير تهاجم المناطق السكنية المحيطة بالأراضي الزراعية، بفعل التوسع العمراني الحديث للبيوت المأهولة، والذي امتد على حساب الأراضي الزراعية البعيدة". ويضيف: "الحي الذي أقطن فيه يقع على أطراف البلدة، ليس غريبا أبداً أن أكون خارج المنزل لزيارة أقاربي في حيٍّ آخر، فأتلقى فجأة اتصالاً من شقيقي يبلغني فيه بضرورة الحذر خلال عودتي للبيت، نظراً لوجود الخنازير أمام منزلنا". ويوضح عبد الرازق أن الخنازير لا تنتشر بشكل فرديّ بل ضمن قطعان وجماعات، يضم كلّ قطيع منها 15 خنزيراً على الأقل. ويختم عبد الرازق سرده متهكماً: "الوضع بات يشبه منع التجول الليلي!".
أما في الأراضي الزراعية فإن الخنازير البريّة "عطّلت ما تبقى من يومنا في قطفنا للزيتون"، يقول المواطن عزام أبو طه. ويروي لـ "السفير" حكاية عائلته مع الخنازير البريّة في أثناء قطف الزيتون العام الماضي: "كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة عصراً، ونحن نقطف ثمار الزيتون. تفاجأت وأقاربي الذين جاؤوا لمساعدتي بسماع أصواتٍ مزعجة عالية، وسرعان ما أدركنا وجود الخنازير في المنطقة". يكمل: "رأيت بأم عينيّ قطيعاً من الخنازير يزيد عن 20 خنزيراً مختلفة الأحجام، يلاحق قطيعاً من الكلاب في أرضٍ ملاصقة لتلك التي نقطف فيها الزيتون، تبعد عنا مسافة أقل من 20 متراً. فاضطررنا لإلغاء الساعتين المتبقيتين من العمل، إذ كان معنا أطفالنا وعددنا كبير. فعدنا أدراجنا نحو بيوتنا".
هنا، يؤكد مدير الزراعة في سلفيت إبراهيم الحمد أن الخنازير البرية تلحق ضرراً فادحاً بالمحاصيل والمزروعات على اختلاف أنواعها، وتُدمّر الجدران الإستنادية التي يبنيها المزارعون لحماية أراضيهم، بالإضافة إلى تلويثها مياه الوديان في سلفيت، كوادي قانا، وادي المطوي، ووادي الشاعر.
ويضيف الحمد: "الخنازير البرّية تساهم تدريجياً في عزوف كثير من المواطنين عن زراعة أراضيهم، وخاصة الأراضي المزروعة بالمحاصيل الحقلية والخضار المكشوفة"، موضحاً أن الخنازير البريّة تهاجم الحقول وتدمرها بحثاً عن الرطوبة ليلاً. ولذلك، تشكّل الخنازير في ليالي فصل الصيف الخطر الأكبر على المواطنين، نظراً لانتشارها في الحدائق المنزلية على أطراف القرى والمدن الفلسطينية. ولكن، يشدد الحمد على عدم وجود توقيت معّين لظهور الخنازير وانتشارها.

ارتجال حلولٍ فردية
يروي المزارع توفيق عقل تجربته في مكافحة الخنازير البرية وردّ ضررها، موضحاً أنه أضطر إلى وضع سموم لها داخل أوعية ماء، بعد إتلاف الخنازير لمزروعاته مراتٍ عديدة. يقول أن السموم يُمكن أن تساهم في التخفيف من حدّة إنتشار ظاهرة الخنازير البرية لفترة مؤقتة، ولكنها لا تعتبر حلاً إذ لا تتعامل مع الظاهرة بشكل جذري. ويُرجع عقل ذلك إلى وتيرة التكاثر الطبيعي السريعة للخنازير: "شاحنة واحدة محملّة بثلاثين خنزيراً، تنشر مئاتٍ جديدة منها في غضون أسابيع قليلة".
من جهته، يرى مدير زراعة سلفيت إبراهيم الحمد أن السموم تعدّ وسيلة ناجحة للقضاء على الخنازير البرية في الأراضي الزراعية القريبة من المناطق السكنية فقط. إذ أن وضع السموم في الأراضي الزراعية البعيدة يقتل الخنازير لكنه في الوقت ذاته يهدد حياة الماشية، ويلحق خسائر برعاة الأغنام، خاصة وأن حرفة الرعي تشكّل لمعظمهم مصدر دخل أساسيا.
ويضيف الحمد: "صعوبة مكافحة الخنازير البرية لا ترتبط بتكاثرها السريع، أو عدم خوفها من الإنسان كالكلاب، فحسب، بل في انتشارها على شكل قُطعانٍ، وعدم وجود موسم أو فصل محدد لظهورها. فهي تغزو أراضي المواطنين في كافة فصول السنة، وتدبّ الرعب في قلوبهم".
ويؤكد الحمد أن الحلّ الوحيد لاجتثاث ظاهرة الخنازير البريّة نهائياً يتمثل بعمليات إطلاق النار في الهواء، وهي محظورة أمنياً من قبل سلطات الإحتلال: "منطقة سلفيت تختلف عن مدينة أريحا على سبيل المثال، بحكم تبعية الأولى للمناطق المصنفة "ج" وفق إتفاق أوسلو. وبالتالي، لا تتمتع السلطة الفلسطينية بسيادة أمنية عليها، على عكس معظم المدن الأخرى التي تتبع للمناطق المصنفة "أ"، وتجري فيها الأجهزة الأمنية الفلسطينية نشاطها، بما في ذلك عمليات إطلاق النار لمكافحة الكلاب الضالة ما بين فترة وأخرى".