| 

بدأت "السفير" بحثها من وثائق جنود الاحتلال الإسرائيلي وضباطه عن قرى اللطرون الواقعة شمال غرب القدس، والتي احتلّت في الخامس من حزيران من العام 1967، وتمّ حينها ضمّها إلى دولة الاحتلال. عاموس كينان، أحد جنود الاحتلال الذين شاركوا في تدمير قرى اللطرون الثلاث، يالو وعمواس وبيت نوبا، روى الأحداث التي شهدها في كتابه "إسرائيل، انتصار ضائع"، واصفاً بيوت اللطرون بالقول: "البيوت جميلة ومبنيّة من الحجر، وفيها من الجمال والترف والرخاء ما يجعلها تضاهي منازل المدن الكبرى، وإنك لتجد في كلّ بيتٍ كرماً مليئاً بأشجار العنب، والمشمش، والزيتون. وهناك أيضاً أشجار السرو وألوان أخرى من أشجار الزينة، التي تزيد هذه القرى رونقاً وجمالاً. ويبدو أن أصحاب هذه الأشجار كانوا يولون أشجارهم ومنازلهم عنايةً كبيرة".

"حيارى لا يعرفون ماذا يفعلون"

يتابع كينان سرده لذكريات اعترضت سياق حياة أهل هذه القرى: "لقد وجدنا ونحن نفتش البيوت، ضابطاً فدائياً مصرياً وقد أصيب بجراحٍ بالغة، كما وجدنا عدداً من الجرحى والنساء والعجزة. وعندما توسّطت الشمس كبد السماء، بدأت الجرّافات الإسرائيلية عملية الهدم، فأخذت البيوت تتهاوى، وراحت الأشجار تقتلع من جذورها، ولم تكن لتمضي 10 دقائق حتى يكون البيت وما فيه من أثاثٍ ومتاعٍ ركاماً. فكان أهالي القرى الذين بقوا في بيوتهم قبل أن تهدم أمام أعينهم حيارى لا يعرفون ماذا يفعلون، وفي أيّ اتجاهٍ يسيرون، ولا سيما كبار السن العاجزين عن المشي، والنساء العاجزات يتذمّرن، والأطفال في أحضان أمهاتهم، وصبية صغار يبكون طلباً للماء".
اطلعت "السفير" على المذكرات المحفوظة في بلدية رام الله. تشير المعطيات فيها إلى أنه بعد أسبوعٍ من رحيل الأهالي عن القرى، حضر رئيس بلدية رام الله في حينه نديم الزرو، ونادى عبر مكبرات الصوت في منطقة رام الله، طالباً من الأهالي العودة إلى قراهم التي خرجوا منها. فاندفع الجميع باتجاه قراهم، ولكن النقطة العسكرية الإسرائيلية المتواجدة على أراضي قرية بيت سيرا المجاورة منعت الأهالي من العودة إلى القرى بحجة أن منطقة اللطرون أصبحت منطقةً عسكرية مغلقة بموجب القرار 97، الذي اتخذته القوات الإسرائيلية في أعقاب الحرب.
من ذكريات الأهالي الذين التقتهم "السفير"، يتضح أنهم ظلّوا مشتتين في المناطق القريبة، مثل بيت لقيا وبيت سيرا وبيت عور الفوقا وبيت عور التحتا وصفا ورام الله والبيرة وبيتونيا وضواحي القدس، ومنهم مَن غادر باتجاه شرق الأردن والدول العربية والأجنبية، وما زالوا فيها إلى يومنا هذا.
يصف الحاج أحمد الريان (70 عاماً) لـ "السفير" يوم التهجير من قريته بيت نوبا على يدّ قوات الاحتلال. يسكن اليوم على بعد نحو كيلومتر واحد من حدودها، ويقول: "كان عنا غرفتين وحَوْش "ساحة البيت"، وكان عنا بير ميّ. دخل جنود الاحتلال على القرية في ساعات الفجر بالدبابات، وطلبوا منا الخروج من بيوتنا عبر مكبّرات الصوت. كان يوماً أسود، وكنا خايفين يطخُّونا بالرشاشات. خرجنا من القرية على الدواب للقرى المجاورة. وبعدنا عايشين بحسرتنا على تاريخنا وعلى بيوتنا وقبور جدودنا، اليهود أخذوا كلّ اشي كنا نملكه".
يتابع الحاج أحمد: "كلّ يوم بطلع على سطح بيتي وبطلع على بيتنا القديم اللي هدموه اليهود، وكل يوم بحكي لأحفادي عن أرضنا اللي صارت خلف الجدار. كان عنا 50 دونم أرض نزرعها ونعيش منها".
أما المعلم المتقاعد ابراهيم حمد (60 عاماً) فيذكر أن "الاجتياح الإسرائيلي للقرى الثلاث بدأ من عمواس، وهي الأقرب إلى حدود الهدنة من جهة الغرب. فتوجّه أهالي عمواس إلى بيت المختار لمعرفة ما سيؤول إليه أمرهم، فنصحهم بالذهاب إلى دير اللطرون الذي يقع على بعد كيلومتر واحد إلى غرب القرية والاحتماء به، إذ توجد فيه ملاجئ".
في الكنيسة، كان يتواجد الأب فريغيه والأب لويس، فقدّما المساعدة لهؤلاء المهجّرين الذين احتموا بالدير.
وفي اليوم التالي، عاد السكّان إلى قريتهم، فداهمتهم قوات الاحتلال في القرية، وأمرتهم عبر مكبرات الصوت بالتجمّع في ساحة القرية أو بيت المختار. وبعد التحقيق معهم والتأكد من أنهم غير مسلحين، أمرتهم القوات الإسرائيلية بقوة السلاح بمغادرة المكان، فخرجوا من القرية.
وتبدو ذاكرة الحاج حسين الذيب غنيّة بمراحل تهجيره وعائلته من قرية يالو: "خرج الجيش الأردني ليلة 6 - 7 حزيران العام 1967 من قرى اللطرون. وعند الفجر، دخل الجيش الإسرائيلي، وأجبرنا على الخروج من القرية. نمنا تحت الشجر لمدة 10 ليالٍ، وتوفى لنا 3 أطفال من المرض والإعياء. علمت أن عشرات الشبان قتلوا في قرى اللطرون. لقد حوّل الاحتلال أراضينا إلى مستعمرات زراعية، نشاهدها حتى يومنا هذا عن بُعد ولا نستطيع دخولها. ومنذ العام 1967 ونحن ننتظر اليوم الذي يمكن أن نعود فيه إلى أرضنا وبيوتنا بسلام".
يتذكّر: "كنا ننظر إلى الجيش الإسرائيلي وهو يهدم بيوتنا. كان الجنود يتعمّدون سحق الحجارة التي كتبت عليها الأسماء والعناوين باللغة العربية. تعمّدوا ألا يتركوا لنا أثراً في قرانا".

موقعها، قانونها، مصيرها

يشرح الأمين العام لـ "الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات" الدكتور حنا عيسى لـ "السفير" أن أهالي قرى اللطرون، وبحسب القانون الدولي، يطلق عليهم وصف "النازحين". فهم لم يعبروا أيّ حدود دولية بحثاً عن ملاذ آمن، وإنما بقوا داخل بلدانهم الأصلية، حتى وإن كانت أسباب فرارهم مماثلة لتلك التي دفعت باللاجئين إلى مغادرة بلدانهم (نزاعات مسلحة، عنف معمّم، انتهاكات لحقوق الإنسان)، "إلا أن النازحين يحتفظون كمواطنين بكامل حقوقهم، بما في ذلك الحق بالحماية، وفقاً لقوانين حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي".
وأضاف عيسى أن "حق العودة إلى القرى المهجّرة هو حقّ غير قابل للتصرّف، مستمدٌ من القانون الدولي المعترف به عالمياً. فحق العودة مكفول بمواد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في 10 كانون أول/ديسمبر 1948، وتنص الفقرة الثانية من المادة 13 فيه على الآتي: لكلّ فرد حقّ مغادرة أيّ بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده". وفي 11 كانون أول/ديسمبر 1948، صدر القرار الشهير رقم 194 من الجمعية العام للأمم المتحدة الذي يقضي بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة والتعويض (وليس: أو التعويض)، وأصرّ المجتمع الدولي على تأكيد قرار 194 منذ العام 1948 أكثر من 135 مرة، ولم تعارضه إلا (إسرائيل). وبعد اتفاقية أوسلو، عارضته أميركا".
يُذكَر أن اللطرون هي منطقة تقع بين القدس ويافا والرملة، تحتوي على تجمّع لثلاث قرى: عمواس، يالو، وبيت نوبا، هدمتها إسرائيل وشرّدت أهلها بتاريخ 5-6 حزيران 1967، وزرعت مكانها غابة بأموال المتبرعين اليهود الكنديين، وأطلقت عليها اسم "منتزه كندا".
وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد ذكرها عندما طرح على السلطة الفلسطينية في العام 2010 ما وصفه هو بأنه "اقتراح لا مثيل له"، لبدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. وجاء في رسالة أوباما إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، التي نشرته في حينه: "سيتم من خلال المفاوضات المباشرة التفاوض حول مناطق مثل اللطرون وواحة السلام القريبة من القدس".
يُشار إلى أن مساحة المنطقة تبلغ حوالي 50 كيلومتراً مربّعاً، وتقوم إسرائيل باستغلالها عبر زراعة نسبة تفوق 40 في المئة من أراضيها، بينما تستغلّ باقي المساحة في تنشيط السياحة من خلال مشاريع مختلفة، منها المعارض الأثرية والتاريخية.