| 

باكراً، أدركت "الحركة الصهيونية" أهمية امتلاكها أجهزة مخابرات قويّة. إذ سبق إنشاء دولة إسرائيل بتسعة وعشرين عاماً، تأسيس جهاز المخابرات الأول للتجسّس على الفلسطينيين والعرب. ثم تبعه تأسيس عدّة أجهزة أتت كلّ حلقةٍ منها كمقدمة تمهّد الطريق بالخبرات للخطوة التالية.
كرّست أجهزة المخابرات الصهيونية جهودها لجمع معلومات تفصيلية حول القرى والعائلات الفلسطينية.
وأرفقت ذلك بحرب نفسية مدروسة لتفتيت النسيج الاجتماعي، وإثارة النعرات بين المسلمين والمسيحيين، تمهيداً لتنفيذ التطهير العرقي.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج تلك الأجهزة الاستخبارية، بدءاً من "شاي" جهاز مخابرات "الهاغاناة"، ثم وحدة "المستعربون" ومخابرات "الأرغون".
في هذا العدد، سنتطرق لـ "الشاباك"، وبعدها ننتقل للحديث في الأعداد اللاحقة عن "الموساد" و "أمان"، وهي أجهزة مخابرات نشأت بعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل، بالاعتماد على ذلك التراث الإستخباريّ.
أنس أبو عرقوب

بعد إنشاء اسرائيل بعدة شهور، تم تشكيل جهاز "الشاباك" بالإعتماد على "شاي"، وهو جهاز مخابرات منظمة "الهاغاناة". في البداية، أُطلق على الجهاز اسم "شين بيت"، وهو مختصر جملة "مصلحة الأمن". وكان جزء من وحدة 184 التابعة للجيش التي قادها إيسار هرائيل. كتبت وثيقة إنشاء الجهاز في شهر شباط/فبراير عام 1949. وبعد ثلاثة أسابيع، تم تأسيس الجهاز تحت اسم "مصلحة الأمن العام"، وصار يُشار اليه بـ "الشاباك" اختصاراً.
في العام 1950، أُخرج "الشاباك" من إطار الجيش ليصبح تحت المسؤولية المباشرة لرئيس الوزراء، وأنشئ فيه قسم لمكافحة التجسس. فشل الجهاز في البداية بالقضاء على الجواسيس السوفيات، إذ نجح أحدهم بإختراق الجهاز، وسرق آخر أسراراً عسكرية. بعدها، أنشئ قسم متخصص بمحاربة التوجهات القومية في صفوف الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
اغتيل كاستر.. وانكشف الخبر!
رودولف كاستر، أحد زعماء الحركة الصهيونية في المجر، هاجر إلى فلسطين في العام 1946، وانضم إلى قيادة "المباي"، وهو الحزب الحاكم آنذاك في إسرائيل. في العام 1956، كشف صحافي أن كاستر سهّل إبادة يهود المجر مقابل تهجير 1600 يهودي مجريّ إلى فلسطين. أدانت محكمة اسرائيلية كاستر، لتعاونه مع النازيين. وفي أثناء محاكمته، قال كاستر أنه تَصرَّف بناءً على تفويض من "الوكالة اليهودية".
بذل "مباي" جهوداً كبرى لإسكات كاستر. ولكن ثلاث رصاصات أطلقت في آذار / مارس العام 1957، في تل أبيب أخرست صوت كاستر إلى الأبد. تبين لاحقاً أن القاتل عمل مخبراً لصالح "الشاباك" الذي ادعى أن الاغتيال تم بعدما قطع القاتل علاقته بالجهاز وانضم إلى تنظيم متطرف.
بعد انقضاء فترة قصيرة، إعتقلت الشرطة ثلاثة شبان أعضاء في منظمة يمينية، واعترف زيئف اكشتايين خلال المحاكمة أنه مطلق الرصاص على كاستر.
قضت محكمة اسرائيلية بمعاقبة المتورطين بالاغتيال بالحبس المؤبد، ولكنهم منحوا عفواً بعد سبعة أعوام. خلال تلك المحاكمة، علم الجمهور في اسرائيل للمرة الأولى بوجود جهاز "الشاباك".. ما فتح الطريق أمام تأسيس لجنة رقابة برلمانية على "الشاباك".
أشار المؤرخ العسكري الإسرائيلي اريه يستحاك إلى أن "الشاباك" أصدر التعليمات باغتيال كاستر، بهدف تشويه سمعة اليمين الاسرائيلي خدمةً لحزب "مباي" اليساري الحاكم آنذاك. وبهذا، يعتبر "الشاباك" ضالعاً بأول اغتيال سياسي نُفذ داخل اسرائيل منذ إنشائها.

مع بن غوريون.. وبعد النكسة
في عقد الخمسينيات، تعقب "الشاباك" الأحزاب الإسرائيلية المعارضة، وحرص على عدم توظيف الأشخاص المشتبه بدعمهم للأحزاب المناهضة لحزب "مباي" الحاكم في المرافق الحكومية. في نهاية عقد الستينيات، قرّر رئيس الوزراء دايفيد بن غوريون وقف "الشاباك" عن التجسّس السياسيّ.
بعد احتلال الضفّة الغربية وقطاع غزّة والجولان في العام 1967، كلفت الحكومة الإسرائيلية "الشاباك" بالعمل في المناطق الجديدة. ولكن الجهاز لم يكن يملك القوى البشرية اللازمة لتأدية هذه المهمة، ولم يكن مستعداً لها. أعاد "الشاباك" تنظيم نفسه، وجنّد عناصر جديدة بعضهم خدم في جهاز المخابرات الخارجية "الموساد"، بهدف منع تشكيل جيوب للمقاومة في المناطق المحتلة حديثاً.
أخضع "الشاباك" مجنّديه الجدد لدورات مركّزة تعلموا خلالها اللغة العربية المحكية، وقراءة المقالات. من تخرج من تلك الدورات كان قادراً على فهم اللغة العربية، والتحدث بها، وعلى قراءة ما بين السطور. عن تلك الدورات يقول آفي ديختر، وهو رئيس "الشاباك" ما بين العامين 2000 و2005: "عندما كنت جنديًا، عملي كان مختلفا بشكل كامل. عبور الحدود كان ليس من أجل لقاء العرب، وفي حال لا سمح الله التقيت بهم، فمن المفترض أن تطلق النار عليهم. فجأة، أنت تدخل من زاوية جديدة، وبات عليك التعرف على عالم العرب، عليك محادثة العربي، واقناعه، وخداعه، وايقاعه بالمكائد، من دون أن يشعر".
بعد الحرب، وبالتدريج، وبالتوازي مع تطوّر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تصدّر "الشاباك" الجبهة الاستخبارية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة. وقادة الجهاز أصبحوا من بين القلة الذين يشاركون باتخاذ القرارات الأمنية في إسرائيل.

هيكلية الجهاز
تتوزّع هيكلية "الشاباك" على عدّة قطاعات وأقسام ووحدات، أهمها: "قطاع القدس والضفّة الغربية" وهو القطاع الأكبر وهو متخصص بإحباط هجمات المقاومة وتدمير البنية التحتية للفصائل الفلسطينية. أما "قطاع الجنوب" فهو القطاع الثاني من حيث الحجم وهو مسؤول عن قطاع غزة، بينما يتخصص "القسم العربي" بملاحقة النشطاء الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية. على مستوى آخر، يتولى "قسم التحقيقات" إدارة التحقيقات مع الأسرى، بينما يهتم "قسم تطوير تكنولوجيا المعلومات" بتطوير أجهزة جمع المعلومات ومعالجتها. أما "وحدة منح الكفاءة الأمنية" فهي المكلفة باختيار المرشحين لشغل وظائف تتطلب قدراً عالياً من السريّة.
"المُرَكِز" هو الضابط المسؤول عن منطقة ما، قد تكون مدنية أو مجموعة من القرى. وهو محور العمل في "الشاباك"، ويؤدي دوراً مركزيًا في تخطيط عمليات الاغتيال والاعتقال، وفي تجنيد الجواسيس. ومنهم، يجري اختيار المحققين، إذ عمل عدد من رؤساء الجهاز في البداية كمركزين.
وعن عمل "المُرَكِز"، يقول يعقوب بيري، وهو رئيس "الشاباك" ما بين العامين 1988 و1995: "في البداية، يحصل المُرَكِز على منطقة، ويبدأ بدراسة كلّ قرية، وكلّ درب، عبر الجولات الميدانية، وعبر إجراء عدد كبير من المقابلات مع الأشخاص، يسأل الناس عن القرى والعائلات. على المُرَكِز معرفة عدد سكان كلّ قرية، وكلّ مؤسسة فيها".

"مستعد للاعتراف بقتل يسوع"
"لو تجاوز شخصٌ عاديّ البوابة، سيكون مستعداً للاعتراف بقتل اليسوع"، بهذه الكلمات وصف كارمي غيلون، رئيس "الشاباك" ما بين العامين 1995 و1996، المسكوبية. والمسكوبية هي منشأة التحقيق في القدس. ويرى في استجوابات "الشاباك" أهم مصادر المعلومات، وتعتمد هذه الاستجوابات على التعذيب، كالضرب الشبح، والهزّ، والحرمان من النوم، لإجبار الأسرى على الإدلاء بمعلومات، بحسب شهادات قادة الجهاز الموثقة. عشرات آلاف من الفلسطينيين، وربما مئات الآلاف، خضعوا للتحقيق لدى "الشاباك"، بحسب يعقوب بيري.
ابراهام شالوم، رئيس "الشاباك" ما بين العامين 1980 و1986، هو الذي أصدر أمرًا بإعدام الأسيرين صبحي ومجدي أبو جامع في العام 1986 بعد اعتقالهما. عندما سئل "على أي خلفية كان رئيس الوزاء شامير يعطيك تصريحاً بالقتل؟"، أجاب: "في حادثة أو حادثتين، لم أجده، وكان يجب فعل ذلك. شامير قال لي في السابق: في حال لم تجدني، قرّر وحدك". ومضى شالوم قائلاً: "في الحرب على الإرهاب، انسَ الأخلاق".

التجسّس الداخلي على اليهود
يتبع للوحدة اليهودية في "الشاباك" مخبرون من داخل التنظيمات الإرهابية اليهودية، ولكنها لا تعتقل الإرهابيين إلا إذا قرروا استهداف خصومهم اليهود. فمثلاً، اعتقل جاك تاتيل بعد ثلاثة عشر عاماً من قتله فلسطينيين، وجاء الاعتقال بعد محاولته اغتيال شخصية اسرائيلية يسارية.
وتلجأ الوحدة اليهودية في "الشاباك" إلى الابتزاز الجنسيّ لإختراق المنظمات الارهابية. وقد أقرّ كارمي غيلون، رئيس "الشاباك" ما بين العامين 1995 و1996 بذلك: تم إغراء أحد قادة المستوطنين بخيانة زوجته مع عاملة جنس، "وبعد تصويره، خُيّر ما بين نشر شريط الفيديو وبين التعاون مع "الشاباك".
لقد اخترق "الشاباك" المستوطنين في الخليل لعشرة أعوام عن طريق يهودا كوهين، الذي تزوج بنت أحد قادة المستوطنين. وظل يزود "الشاباك" بالمعلومات مقابل المال. وعندما قرر التوقف عن التجسس، كشف "الشاباك" عن جرائم جنسية تورط فيها كوهين. فهرب إلى الخارج، بينما طالبت زوجته القضاء بتعويضها مالياً بحجة أن "الشاباك" استخدمها كغطاءٍ لعملية تجسّس.
خلال الأعوام الماضية، ارتفعت نسبة المتدينين العاملين في "الشاباك" لتفوق نسبتهم داخل الجهاز نسبتهم من إجمالي عدد السكان. بل إن المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس" أمير آرون أطلق على "الشاباك" وصف "جهاز ذوي القبعات الدينية"، إذ ثلاثة من الأربعة مناصب رفيعة في الجهاز يشغلها متدينون.