| 

بعد الحرب الإسرائيلية الأولى على قطاع غزّة سنة 2008/2009، كتبت الكاتبة الكندية المعروفة ناومي كلاين مقالة بعنوان: "كفى، حان وقت المقاطعة[1]". وفي السياق ذاته، وفي أثناء الحرب على غزة في العام 2014، دعا الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمي لمقاطعة إسرائيل وتسليح "حماس"[2]. في الغرب، كما داخل فلسطين والمجتمعات العربية، خلقت الحركة نقاشاً مطولاً وعميقاً حولها، كما حول جديتها وإمكانية نجاحها.
إن "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" المعروفة اختصاراً بـ "بي دي أس" هي عملية إعادة إنتاج لتجربة حركات مقاطعة نظام الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا، أواخر القرن الماضي. غير أنّ السياق الفلسطيني يختلف كلياً عن الوضع الجنوب أفريقي، ولذلك، وجب البحث في إمكانيتيّ نجاح وإخفاق هذه الحركة، عبر وضعها تحت المجهر العلمي.
إن حركة المقاطعة نجحت، نوعاً ما، في تحقيق أهدافٍ جزئية، كرفع مستوى الخوف لدى قيادة دولة إسرائيل، ما تجلى في تعيين مسؤولٍ صهيوني خاص لمتابعة ملف المقاطعة. يعني ذلك أن الحملة بدأت تفقد مركزيتها الغربية، وتنتشر في العالم بأهدافٍ أبعد من تلك التي حددّها بيانها الأول. وعلى الرغم من تخوّف الاحتلال منها وتصريحاته ضدها، بل وتدخّل التجمعات الصهيونية لمواجهة الحركة في العالم، تراها تشتد يوماً بعد يوم، ليس على المستوى الشعبيّ فقط وإنما ايضاً على المستوى الاقتصاديّ. راهناً، تقاطع كبرى الشركات في أوروبا شركات تتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.
ولكن، هل هذا كافٍ؟ وهل تحتاج الحركة لدعمٍ رسميّ أوروبيّ لتحقّق أهدافها أو بعض هذه الأهداف؟ في إطار مفهوم أنطونيو غرامشي وتشارلز ميل للنموذج العرقي، تهدف هذة المقالة إلى وضع حركات المقاطعة تاريخياً وإنتاجياً قيد النقاش.

قلق في الصهيونيّة
إن الأصوات الشهيرة فى العالم الغربيّ التي تنادي بالمقاطعة في ازدياد. هذه الأصوات اشتدّت قوتها بعد كلّ عدوانٍ إسرائيليّ على قطاع غزّة، وخصوصاً عدوان صيف 2014. ومع إعادة انتخاب نتنياهو[3] كرئيس وزراء، وفي ظلّ توقّف عملية المفاوضات ومواصلة الحصار المفروض على غزّة، بات المتضامنون الدوليون، وحتى المسؤولون الأوروبيون يفكرون بفرض عقوبات على دولة الاحتلال لحثها على رفع الحصار، وقف الاستيطان، وفرض رؤية الحل السلميّ للدولتين[4]. هذة المقالة تحاجج في أن نجاح حملات المقاطعة وفعاليتها تعتمد كثيرا على تأطيرها كحركة مناهضة للعنصرية، تقف ضد الهيمنة الأيديولوجية والدينية في بناء الدولة - هيمنة سادت ما بعد الحرب العالمية الثانية - التي تقوم إسرائيل على أساسها ككيانٍ ذي أيديولوجية صهيونية، تشبه إلى حدّ كبير نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
إن أهمية الحركة في الوقت الراهن كاستراتيجية عالمية للضغط على إسرائيل، تكمن في وجود نتنياهو والمتطرفين على رأس الحكومة الإسرائيلية. فالضغط الأوروبي والانتقادات والإشارات العلنية الأميركية بعدم الرضا عن نتنياهو وسياسته تجاه عملية السلام الميتة، هي عناصر تتفاعل مع اعترافات مباشرة بالدولة الفلسطينية من قبل دول أوروبية كالسويد[5]، لتدخل عوامل جديدة على النضال الفلسطيني. وعلى الرغم من اشتداد حملة المقاطعة، إلا أنها ما زالت تواجه تحديات كبيرة إذا ما تمت مناقشتها عبر النموذج العرقي العالمي/الغربي، الذي قامت إسرائيل على أساسه أو حافظت على قوة علاقتها فيه منذ قيامها سنة 1948. هذا النموزج يشمل الدول والمنظمات والجمعيات الغربية التي تعتبر نفسها حتى الآن (وإن كانت ضمن حركة المتضامنين) حليفاً لليهود الإسرائيليين، بينما الفلسطينيون يحضرون في هذا السياق كأفراد "ليسوا بيضاً" و "بلا دولة".
في الأدبيات الغربية، بقي الفلسطينيون (والعرب) لوقت طويل موسومين بالتطرف. وفى السياق ذاته، حضرت اسرائيل بالنسبة إلى الفلسطينيين والعرب ككيانٍ استعماري يشكّل امتداداً للكيانات الكولونيالية التي سبقته في الاحتلال، كبريطانيا وفرنسا. ولكن، بقي التعريف أو وسم إسرائيل بأنها امتداد للحركة الصهيونية ضعيف. الصهيونية هي حركة أيديولوجية خططت لهذا الوجود الاستعماريّ ونظمته، وسهّلت وموذلت وشاركت في نقل اليهود من أوروبا إلى فلسطين. ولكنها لا تمثل الديانة اليهودية[6]. من المهم الملاحظة أن الصهيونية هي حركة أيديولوجية سياسية، تبنيها غير مقصور على ديانة معينة.
فإسرائيل في نظر الدول الغربية هي امتداد لهم ولثقافتهم، كنظام حكم سياسيّ وأنماط حياة. لم يأت ذلك فقط من خلال المشروع السياسي، بل أيضا من خلال سيطرة اليهود الأشنكناز البيض على مقالد الحكم السياسية والاقتصادية. وبإسقاط نظريات غرامشي في ما يخص الهيمنة على هذا الواقع، فإن هيمنة الأشكناز والبيض تعتمد على قوةٍ متضاربة تخلق نوعاً من التحديّات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، وبين اسرائيل والمجتمعات/الدول الغربية.

لا قلق من العقوبات
إن حملات المقاطعة في المجتمع الغربيّ ليست جديدة، وهي غير مرتبطة بقضية سياسية دولية، سواء كانت جنوب أفريقيا العنصرية أو إسرائيل الصهيونية. فحملات المقاطعة تشمل مقاطعة الشركات الرأسمالية عابرة القارات وعابرة الدول، والتي تواجه معارضة كبيرة من طبقة واسعة من الشعب، وخصوصاً المثقفين واليساريين. هي حركات تواجه النيوليبرالية العالمية الرأسمالية في دارها، وتطال أغلب المبادرات التي ترعاها "منظمة التجارة العالمية". واشتدت هذه التظاهرات وحملات المقاطعة منذ بدايات القرن الحالي، وتعتبر حملات مقاطعة إسرائيل المفتاح أو مدخل المطالبة بالعدالة الدولية[7].
ولكن، ماذا عن حالات المقاطعة العالمية التي قادتها الدول لمعاقبة دول معينة إثر ارتكابها جرائم أو لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان؟ هنا، يجب الخوض في هوية وعرقية الدول التي تفرض المقاطعة والدول المستهدفة. إذ إن أغلب الدول التي فرضت عليها العقوبات هي دول ليست غربية، وليست رأسمالية، أو لا تتبنى النظام الديموقراطي بحسب المفهوم الغربي لها كنظام للحكم. في العراق، العقوبات منذ اوائل التسعينيات حتى سقوط نظام صدام، أدّت لمقتل الملايين. العقوبات فُرضت أيضاً على إيران وليبيا والسودان وكوريا الشمالية ومؤخراً روسيا. الملاحظ هنا هو أن العقوبات الغربية تقع فقط ضد الدول والمنظمات التي تتخذ نظام حكم غير مشابه، لا في التسمية ولا في الوجهة، وتستهدف خصوصاً السياسات الاقتصادية.
إن حملة "بي دي أس" تشمل العقوبات وسحب الاستثمارات والمقاطعة، وليس فقط فرض عقوبات. وفي حين يدعو الكثير من منظمات المجتمع المدني في العديد من الدول الغربية إلى دعم الحملة، تطالب إسرائيل الدول والحكومات بالتدخل ولجم الحملة ومنظميها.

حركة "بي دي أس": أدوات الجيل الثاني الجديدة
كلما تسير تظاهرة ضد العولمة أو النيوليبرالية، يتشح العشرات من الأفراد بالكوفية الفلسطينية، سواء السمراء أو الحمراء، والتي بات تعتبر رمزاً من رموز النضال العالمي ضد التسليم بالأمر الواقع. لذلك، تمكنت حركة المقاطعة بشكلها غير المركزيّ، وليس "بي دي أس" كحركة مركزية، من تحقيق انتشارٍ واسع بعد حرب العراق، وخصوصاً بين ناشطي الحركات التي انتشرت ضد النيوليبرالية وهيمنة الشركات عابرة القارات وسيطرة بعض الأغنياء على الثروات العالمية. فالوقت كان عاملاً هاماً في انتشار حركة المقاطعة وترسيخها وربطها بنظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. وكانت الحركة العالمية ضد الحرب واحدة من المبادرات التي جعلت من قضية فلسطين عنواناً محورياً في التظاهرات، ودعت إلى تحرير الفلسطينيين، ورفع الاحتلال الاسرائيلي.
إلى ذلك، يحضر كعامل مؤثر جداً في هذا السياق الجيل الثاني من الفلسطينيين والعرب في الشتات. عشرات الآلاف من الجنود المجهولين من العرب والفلسطينيين والمناصرين للقضية الفلسطينية، شكلوا دفعاً كبيراً لحركة المقاطعة، وتشجيع منظمات المجتمع المدني والأفراد في دولهم، على الانضمام للحركة ونشاطاتها[8]. أضف إلى ذلك استخدام الجامعات كمنابر أكاديمية، وخصوصاً في الولايات المتحدة، لإضفاء صفة الشرعية والعمومية من خلال التصويت على مبادرات المقاطعة ضد شركات الاحتلال أو المؤسسات التي تتعامل مع شركات أو مؤسسات احتلالية، وهي إلى حد كبير تتشابه مع نشاطات ومبادرات أطلقت في الجامعات الاميركية والأوروبية خلال حرب فيتنام، وضد الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، صارت نشاطات حركات المقاطعة أكثر انتشاراً وجذباً لناشطين جدد من الأجانب والعرب. وسائل التواصل كـ "الواتساب" والبريد الالكتروني والمدونات الشخصية والصحافية والترجمة، جميعها شاركت في تأمين استمرارية حركة المقاطعة واشتدادها، من خلال نشر المعلومات بلغات عديدة، وفي أماكن عديدة. وعملت عدة مواقع إلكترونية إخبارية كمراكز حديثة لنشر أخبار حركات المقاطعة ونشاطاتها من جهة، وتوضيح مجريات الحياة في فلسطين تحت الاحتلال، وقوانين هذا الاحتلال وممارساته، كموقع "الانتفاضة الالكترونية"[9].

النمط العرقيّ
في الفترة الأخيرة، تغيّر الإطار العرقي لدولة الاحتلال كدولةٍ استثنائية في التاريخ أقيمت على أسس عدم التمييز ومحاربة العنصرية ضمن مشروع غرضه حماية يهود العالم من الاضطهاد، بعد المجازر التي ارتكبتها النازية بحق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. إذ أصبح الإطار محل النقاش يدلّ على دولة تمارس العنصرية والاضطهاد بحق الفلسطينيين. إن الحملات الدولية، وخصوصاً حركات التضامن التي تتم بالتعاون مع الجيلين الثاني والثالث من فلسطينيي الشتات، طوّرت الرواية الفلسطينية حول النكبة لتصبح بمتناول الجميع، فعلياً وفكرياً. وبالتالي، وضعوا الماكينتين الإعلاميتين، الإسرائيلية والغربية، أمام تحديات المعرفة خارج الهيمنة السابقة. كما أن وسائل الاتصال الجديدة أتاحت ذلك بشكل متقدّم. وتطورت الرواية بالبناء على رموز للفصل العرقيّ كالجدار الذي أطلق عليه اسم "جدار الأبارتاهيد"، كما القوانين المختلفة كتلك التي تقسم الفلسطينيين تبعاً لألوان بطاقات الهوية[10]. إلى ذلك، تضاف حواجز الاحتلال التي باتت تعتبر رمزاً من رموز الاضطهاد والفصل بين الفلسطينيين أنفسهم، وبينهم وبين الإسرائيليين.
إن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي أتاحت إخراج اسرائيل من النمط العرقي الذي وُضعت أولاً فيه، ومناقشة العلاقات السابقة للنكبة والتالية لها، على مستوى الوجود اليهودي والمسيحي والإسلامي في فلسطين. ما زكّى توجهاً بين الكثير من المثقفين للدعوة إلى دولة واحدة ثنائية القومية، على غرار جنوب أفريقيا. ولكن هذا النقاش لا يتمّ راهناً من خلال حركات المقاطعة أو التضامن الأجنبية، ما ينقص الحراك. كما أن النمط العرقي يشكّل عنصراً هاماً من عناصر الكفاح ضد العنصرية والأبارتهايد الاسرائيلي، إذ صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2008 مقارنة تفيد بأن الهدف من حملة مقاطعة إسرائيل مشابه تماماً لهدفها في جنوب أفريقيا. ما كسر استثنائية اسرائيل كدولة محمية بالنمط العرقي، وأتاح بدء مرحلة جديدة من حملات المقاطعة[11].

العرب ومقاطعة إسرائيل
مع قيام دولة إسرائيل بشكلٍ عنفيّ على أنقاض الشعب الفلسطيني، قاطعت الدول العربية دولة إسرائيل ومنتجاتها. كان ذلك القرار الرسمي العربي المشترك والوحيد الذي شرّع مقاطعة إسرائيل من قبل جامعة الدول العربية آنذاك. ولكن حملات المقاطعة الرسمة لم تستمر، ولم تشمل إلى العرب سوى الدول الإسلامية، كإندونيسيا وايران وباكستان التي قاطعت الدولة الاستعمارية على أسس دينية إسلامية. بعد "حرب اكتوبر" في العام 1973، ثم مفاوضات السلام بين مصر واسرائيل، فُكّت عقدة المقاطعة، ووقّعت مصر معاهدة سلام، وتبادلت على أساسها السفراء، ووقعت الاتفاقيات الاقتصادية. وبعد توقيع اتفاق أوسلو، وقعت الأردن اتفاقية وادي عربا، التي أنهت سنوات مقاطعة إسرائيل، ووقعت الاتفاقيات الاقتصادية والامنية والسياسية الملحقة بين الجانبين. وفي السياق ذاته، وقعت "منظمة التحرير الفلسطينية" اتفاقيات اقتصادية وسياسية وأمنية، توجّت بإنشاء السلطة الفلسطينية كأداة مؤقتة للدولة الفلسطينية، ضمن خريطة زمنية محدّدة. وانفرط العقد أكثر بعد، إذ افتتحت قطر أول مكتب تمثيل تجاري لإسرائيل في الدوحة، أي في أول عاصمة عربية لا حدود لها مع دولة إسرائيل.
من الواضح إذاً أن المقاطعة العربية الرسمية لإسرائيل فشلت، وبقيت عاملاً متغيراً تبعاً للوقت والجغرافيا والعناصر الدولية اللاعبة، كما قدرة الدول التي تفرض المقاطعة على تقديمها كأداة من الأدوات اللاعنفية ضد العنصرية والاستعمار. وعلى الرغم من تفكك الدول العربية في وحدوية مقاطعة اسرائيل، إلا أن الدعم الشعبي العربي للمقاطعة، وخصوصاً في دول المغرب العربي، بقي على أشده، ويستمر حتى اليوم الرفض القاطع للتطبيع ولمحاولات فكّ عقدة المقاطعة.
وفي ظل الشركات العابرة للقارات وسيادة النيوليبرالية الاقتصادية العالمية، تعاملت الدول العربية مع شركات تربطها علاقات قوية أو تعتبر جزءاً من شركات تعمل داخل إسرائيل، ما يعني التعامل غير المباشر، بشكل أو بآخر، مع اقتصاديات دولة الاحتلال. كما يتم تصنيع بعض منتجات الأجهزة الإلكترونية والمأكل والمشرب، في دولة الاحتلال، ثم توريدها باسم شركات أخرى في دول غربية[12]. في السياق ذاته، تتعامل شركات غربية مع الدول العربية برأس مال إسرائيليّ.

جنوب أفريقيا وفلسطين: قضية واحدة ولكن
يتخذ ناشطو حركة "بي دي أس" جنوب أفريقيا كمثالٍ يحتذى، إلا أن تجربة جنوب أفريقيا تختلف في توافر شروط نجاح حملات المقاطعة: مقاطعة شعبية مدعومة من الدول، ترافقها عقوبات أممية (الأمم المتحدة) ودولية - وإن رفض الكثير من الدول الغربية في البداية مقاطعة دولة الأبارتهايد، إلا أنها رضخت جميعها في نهاية المطاف للضغط الجماهيري وشرعية العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة[13].
وعند المقارنة ما بين دولة الأبارتهايد وإسرائيل ذات العقيدة الصهيونية، نلاحظ أن التشابه كبير جداً على مستوى هدم الحرية الفردية والجماعية، وخصوصاً حرية التنقل للأفراد والجماعات، والعمل على تقطيع أوصال المجتمعات، وخلق حالة صعبة جداً لا يمكن للأفراد أداء وظائفهم اليومية في ظلها، والعنصرية في أدوات الديموقراطية في الداخل المحتل[14]. كذلك، تعتبر إسرائيل أكثر الدول دعماً للنظام العنصري في جنوب أفريقيا، ومن أوائل الدول التي دعمت النظام هناك بالأسلحة والتكنولوجية العسكرية[15]. منذ العام 2000، دعت حركة "بي دي أس" الناشطين جنوب الأفريقيين ليكونوا ضمن ناشطي الحركة، ويحلّ كمثال عن ذلك ديسموند توتو الذي كان ناطقاً باسم حركة مناهضة الابارتهيد وزميلاً لمانديلا.

كرة متدحرجة
استمرت حملات المقاطعة في التمدّد والتوسع يوماً بعد يوم، كأنها كرة من ثلج تكبر في كلّ لحظةٍ ويوم. ففي العام 2002، أتت بدايات النداءات العربية للمقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية، ومن ثم جاءت النداءات والمراسلات الفلسطينية للنظراء في العالم مطالبة بمقاطعة المجتمع الثقافي والأدبي الإسرائيلي[16]. ولم تقتصر النداءات منذ البداية على النشطاء السياسيين، فقد أعلن المنتج كين لوتش في العام 2006 مقاطعته للاحتلال ومنتجاته الثقافية، بعد النداءات الفلسطينية والعربية التي وجهت إليه[17]. وانضم أكاديميون إلى حركة المقاطعة منذ البداية، في خطوة لاقت انتقادات واسعة في الغرب، حيث يسعى الكثير من الجامعات والأكاديميين إلى البقاء خارج حلبة الصراع، وتفادي جرّه إلى مكاتبهم وساحات الجامعات. ومع ذلك، توسعت الحملة توسعا لافتا لتشمل المئات من الأكاديميين الغربيين[18]. والتحق الفنانون التشكيليون بها، ليفوق عدد المقاطعين منهم الألف فنان عالمي في العام 2015[19].
بعد الحرب الأولى على غزة سنة 2008/2009، بدأت المؤسسات التعليمية رسميا سحب استثماراتها ووقف التعامل مع شركات تتعامل مع الاحتلال. فكانت "كلية هامسفير" في ماسشوستش في الولايات المتحدة أول مؤسسة أكاديمية تقاطع الاحتلال[20]. وامتدت عمليات المقاطعة حتى اليوم على مستوى الولايات المتحدة الأميركية، كندا، وبريطانيا. والتحقت نقابات العمال والشركات شبه الرسمية في أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية بالحملة. وقد كان آخرها مقاطعة شركة التأمينات النرويجية لشركتين، ألمانية ومكسيكية، بسبب تعاملهما مع شركات احتلالية[21]. ووصل الأمر إلى الموانئ، حيث منعت باخرة إسرائيلية من الوصول إلى مرفأ في كاليفورنيا لعدّة أسابيع، بينما نجح الناشطون والعمال في خطواتهم[22]. وأصبح البنك الهولندي Dutch ASN المصرف الأول الذي يقاطع شركات تتعامل مع الاحتلال، كما رفضت في إيرلندا شركة السكك الحديد تدريب سائقين وفنيي قطار إسرائيليين[23]. وقد كانت المؤسسات الرسمية الحكومية فى النرويج المبادرة إلى تنظيم حملة لرفع الوعي حول البضائع الإسرائيلية وسبل مقاطعة الاحتلال. إذ قام المجلس المحلي في مدينة "سور درونديلاج" بمقاطعة إسرائيل منذ العام 2006. وفي بريطانيا، قرر المجلس المحلي لمدينة لايستنر مقاطعة بضائع الاحتلال رسمياً في العام 2014[24]. وعلت الأصوات أوسع تطالب بمقاطعة السينما الإسرائيلية ومنتجي الأفلام الإسرائيليين[25]. وقرر اتحاد الموظفين في السلك العام الكندي مقاطعة دولة الاحتلال والشركات التي تتعامل معها، وقد لاقت الخطوة دعماً كبيراً من الكنيسة الكندية في تورنتو كذلك[26].
وبالتالي، فإن دراسة إسرائيل كنتاجٍ للحركة الصهيونية التي بنيت على أساس عرقي، توضح التحدّي الكبير الذي تواجهه اليوم من خلال حملات المقاومة الفلسطينية الداعية للمقاطعة وسحب الاستثمارات. ولا نقلّل من أهمية وسائل التواصل الاجتماعي والنشطاء الفلسطينيين الذين أدوا دوراً هاماً فى كسر الإطار العرقي لدولة إسرائيل كدولة أقيمت على أساس محاربة العنصرية واللاسامية وحماية لليهود البيض. ما يضع الغرب الأوروبي – الأميركي أمام مأزق لا بد من التعامل معه في الرأي العام كما في الأطر السياسية والديبلوماسية.


[1] http://www.theguardian.com/commentisfree/2009/jan/10/naomi-klein-boycott-israel
[2] http://www.haaretz.com/news/diplomacy-defense/.premium-1.606698
[3] http://www.aljazeera.com/news/2015/03/150318051427755.html
[4] http://www.haaretz.com/news/diplomacy-defense/1.641903
[5] http://www.theguardian.com/world/2014/oct/30/sweden-officially-recognises-state-palestine
[6] Massad, Joseph. The persistence of the Palestinian question: Essays on Zionism and the Palestinians. Routledge, 2006.
[7] Littler, Jo. "Beyond the boycott: anti-consumerism, cultural change and the limits of reflexivity." Cultural studies 19.2 (2005): 227-252.
[8] Rafeef Ziadah, ‘Sixty years of Nakba: Palestinian refugees and the new anti-apartheid movement’, Left Turn (April/May 2008),
[9] https://electronicintifada.net
[10]http://www.academia.edu/661856/Colored_Identity_The_Politics_and_Materiality_of_ID_Cards_in_Palestine_Israel
[11]http://www.bdsmovement.net/2008/un-general-assembly-president-calls-for-bds-against-israeli-apartheid-state-221
[12] http://www.alarabiya.net/articles/2011/09/13/166637.html
[13] D. Hoile, Understanding Sanctions (London, International Freedom Foundation, 1988), pp. 14–16.
[14] Daryl J. Glaser, ‘Zionism and apartheid: a moral comparison’, Ethnic and Racial Studies (Vol. 26, No. 3, May 2003
[15] Benjamin M. Joseph, Besieged Bedfellows: Israel and the land of apartheid (New York, Greenwood Press, 1988)
[16] For statement and signatories see Palestinian Campaign for the Academic and Cultural Boycott of Israel
[17] ‘Statement in occasion of the workers’ boycott call’, 11 February 2007 .
[18] http://www.pacbi.org
[19] http://thequietus.com/articles/18163-cultural-boycott-israel
[20] ‘Hampshire College becomes first college in US to divest from Israeli occupation’, Press Release (12 February 2009) (accessed 23 Jun 2015)
[21] http://www.haaretz.com/news/diplomacy-defense/.premium-1.660901
[22] http://america.aljazeera.com/articles/2014/8/15/israel-ship-protest.html
[23] https://electronicintifada.net/content/principled-dutch-asn-bank-ends-relations-veolia/6547
[24] http://www.redressonline.com/2014/11/uk-local-council-boycotts-israeli-squatter-products/
[25] http://www.theguardian.com/film/2015/jun/08/london-israeli-film-festival-bafta-cinema-boycott
[26] http://www.bdsmovement.net/2009/cupe-canada-votes-for-academic-boycott-of-israel-318