| 

واحدة من أبرز مخاطر البطالة أنها تجعل الإنسان بحاجةٍ إلى الآخرين. تلك هي حال آلاف الشباب الفلسطينيين، بينما يفترض بأن سنّهم يضعهم اليوم على موعدٍ أول مع العمل.
بشرى خاطر (25 عاماً) عاطلة عن العمل منذ أن حصلت على شهادة البكالوريوس، بتقدير جيد جداً، من "جامعة بيرزيت". تخصصت في علم الاجتماع في العام 2012، وقدّمت خلال السنوات الثلاث الماضية "مئة طلب وظيفة"، ولم تبلغ مرحلة المقابلة سوى مرة واحدة! الآن، حياتها تغيرت. أزيحت الحماسة التي رسمتها في مخيلتها، وبات يومها عادياً: تهتم بأمور البيت.
أصعب ما في الأمر، من وجهة نظر بشرى، هو إحساسها بأنه لم يعد لها قيمة. يشغلها تفكيرها بمستقبلها. تشعر بالندم لأنها درست هذا التخصص: "مجالي مش مطلوب، ولم يعمل به سوى اثنين من زملائي".. بينما كان حلمها يشدّها سابقاً إلى دراسة الصحافة أو التربية الرياضية.
من جهته، حصل سامر عبد الرحمن (28 عاما) على شهادة الماجستير في اللغة العربية، ليجد نفسه واقفاً بشكل يوميّ مع العمال على حاجز قلنديا العسكري، طالباً الدخول إلى مستوطنة والعمل في مجال البناء. يشتهي عبد الرحمن أن يعمل في مجاله. ويتحسر على 18 عاماً قضاها في الدراسة: "والله ما بنزل من قيمة أيّ شخص، بس أنا أكثر شيء يزعجني هو أنني درست 18 عاماً، والآن أقف في صفّ العمال الذين أغلبهم لم يكملوا تعليمهم.. وأنا أحترم كلّ العمال، بس هيك بكون أفكّر على الحاجز".
في المقابل، كانت حياة رانيا سامر (22 عاماً) قبل أيام من كتابة هذا التقرير مليئة بـ "الملل"، يختصرها تنظيف البيت، والاهتمام بإخوتها، والنوم.. لكنها اليوم قد وجدت عملاً في مجال تخصصها، وهو التاريخ. تغيّرت حياتها، حسبما تقول: "الآن، أشعر أن لي قيمة وأصبحت مستقلة". وتضيف بسعادة: "سأذهب إلى السوق، وأشتري بلوزة لأخي الصغير ليفرح، ولبستين لأمي وأبي".

الأرقام ومعانيها
في تقريرٍ أصدره جهاز الإحصاء المركزي، بلغ عدد الفلسطينيين العاطلين عن العمل 338 ألفا (27%)، والكثير منهم هم شباب حاصلون على شهادات علمية.
يسجّل الرقم ذروة بلغتها البطالة في فلسطين، إذ ازداد 70 ألفاً بالمقارنة مع العام 2013. ما أدّى بالعديد من المراكز الإقتصادية والخبراء إلى تحميل الحكومة المسؤولية عما آلت إليه الأمور. وأكدوا أن مؤشرات سوق العمل تنذر بكارثة اقتصادية واجتماعية تستدعي المعالجة الجدية، وأنه قد بات من الصعب على الحكومة التعامل مع الأزمة حتى في حال حدوث انفراج سياسي.
ويشرح الخبير الاقتصادي ماهر الطباع لـ "السفير" أن نسبة البطالة الطبيعية "يجب ألا تتجاوز 10%، بينما لدينا وصلت 27%"، مشيراً إلى أن العدوان الإسرائيلي الأخير هو السبب الرئيسيّ في ارتفاع نسبة البطالة إلى معدلات غير مسبوقة، بالإضافة إلى إجراءات الاحتلال المتواصلة حتى الآن، ومن أهمها حصار قطاع غزة والضفة الغربية، وسيطرته على المعابر.
واعتبر الطباع أن الحكومة تتحمل جزءاً من المسؤولية في تفاقم المشكلة، مذكراً بمشهد تخرّج أكثر من 30 ألف طالب سنوياً من الجامعات بتخصصات أغلبها لا يحتاجها سوق العمل: "الحكومة ليس لديها أيّ سياسات أو خطط واضحة لمواجهة تلك الأزمة التي تتفاقم منذ سنوات"، مؤكداً أن الارتفاع ليس مفاجئاً "وإنما يتصاعد تدريجياً نتيجة عدم وجود الرؤية الواضحة".
وركّز الخبير الاقتصادي، الذي يعيش في غزّة، على أهمية البدء بحلّ الأزمة "لأن الشباب باتوا يفكرون في الهجرة كحل للبطالة". ورأى أن نسبة البطالة المعلنة لا تحاكي الواقع على الأرض، فـ "تداعيات العدوان الأخير واستمرار الحصار زادا من عدد الفقراء والمحرومين من حقهم في حياة كريمة.. نسبة البطالة في غزة تتجاوز 55% وليس 44%".

هل من حلّ؟
أمام ظرفٍ بات يحكم على الواقع، قد لا تنفع أو تستدام محاولات الإنقاذ السريع، إذ تحتاج سوق العمل إلى إعادة بناء وتأسيس. فيرى الطباع أن الحلول "تأتي بتنفيذ المشاريع ذات التنمية المستدامة، والاستغلال الأمثل لأموال المانحين يكون في تلك المشاريع، ووضع سياسة واضحة لتشجيع المشاريع الصغيرة والريادية، وفتح الأسواق العربية للعمالة". ومع ذلك، تراه يلفت إلى عدم وجود حلّ جذري لحلّ الأزمة، "لأننا دولة تحت الاحتلال، فواقعنا يختلف عن كافة الدول".
من جهتها، قدّمت مراكز اقتصادية، مثل "المجلس الفلسطيني للتنمية والاعمار - بكدار"، عدداً من الحلول لحلّ الأزمة قد تبدو نظرية أكثر منها قابلة للتطبيق واقعياً، منها: العمل على توفير الأموال اللازمة لعملية إعادة الاعمار وإنشاء المشاريع الاستراتيجية في قطاع غزة، إعادة النظر في البرامج التعليمية لدى مؤسسات التعليم العالي والمواءمة بينها وبين متطلبات سوق العمل، ضرورة التركيز على المشروعات ذات الكثافة العمالية، تخفيف التبعية للاقتصاد الاسرائيلي، توفير البيئة المناسبة لعمل القطاع الخاص، العمل على ايجاد آليات جديدة للقطاع المصرفي لمنح تسهيلات ائتمانية وقروض ميسرة للمنشآت الاقتصادية، التنسيق الفعال بين القطاعين الخاص والعام، وتطوير البنية التحتية وتوفيرها بأسعار معقولة للقطاع الخاص.
يلفت وكيل وزارة العمل ناصر القطامي "السفير" الى أن "نسبة البطالة ارتفعت بسبب العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة الذي أدّى إلى تدمير المئات من المنشآت الصناعية، تزامناً مع وجود العديد من المشكلات الموجودة أصلاً في فلسطين التي أدت إلى ارتفاع النسبة". وعن آليات الحد من نسبة البطالة شرح أنه قد تم التوصل إلى وثيقة إستراتيجية مع المانحين والشركاء الاجتماعيين (قطاع خاص، جامعات، نقابات عمال) تتكون من خمس نقاط وتمدد لخمس سنوات لحل الأزمة.
وتركز الوثيقة على تشجيع الاستثمار لتوليد فرص عمل، والاستثمار في رأس المال البشري من خلال التدريب المهني للخريجين الجدد، والتدريب "المهني البديل" للذين تخرجوا منذ فترة ولم يعملوا لضيق سوق العمل، فيتدربون على برامج غير تخصصهم تؤهلهم لدخول سوق العمل.
إلى ذلك، تتضمن الوثيقة إنشاء صندوق تشغيلٍ لتشجيع مبدأ الريادة، وتأسيس جمعيات تعاونية من شأنها خلق فرص عمل. وهنا، أكد القطامي على وجود أموال مرصودة في هذا الإطار، إذ أقر الإيطاليون تمويل الصندوق بقيمة 21 مليون يورو، "نحن بصدد تأهيل الصندوق واختيار مؤسسات الاقراض، وخلال أشهر سنبدأ بالاعلان عن الصندوق والمنح".
وعلى صعيد آخر، تحاول الحكومة فتح أسواق عمل خارجية. إذ بدأت الوزارة بالعمل على فتح عمل مع دولة الكويت، مشيراً إلى أن الأخيرة "وافقت على المبدأ لكن يبقى الشق السياسي الذي يكمن في التأشيرة".
يذكر أنه قبل نحو العام، توصلت وزارة العمل إلى اتفاق شبيه مع دولة قطر، وقامت بدعوة الشباب لتسجيل بياناتهم عبر صفحة خاصة على موقع الوزارة الالكتروني، لكن الخطوة لم تكلل في النجاح إذ لم تحل مشكلة التأشيرة.

احتلال، وغزّة، وذكور
لا يوافق وكيل وزارة العمل الآراء والدراسات التي تقول بأن الحكومة ما عادت قادرة على التعامل مع الأزمة، معتبراً أن "الزيادة طبيعية، وجاءت بسبب العدوان". وتابع: "الحكومة ليس لديها الكثير من الموارد لحل الأزمة من جذورها، فكلما قمنا بالتنمية يأتي الاحتلال ويدمر كل شيء. كما أن موارد السلطة تذهب غالبيتها إلى رواتب الموظفين والمصاريف التشغيلية.. لو جبت أخبر الخبراء، يصعب عليه حل هذه المشكلة.. فإسرائيل تسيطر على مواردنا".
وعن خطط لمحاولة حلّ أزمة البطالة في غزة بعدما ارتفع عدد العاطلين عن العمل في العدوان الأخير إلى 195 ألفاً (44%)، شرح: "لا نستطيع إعادة الاعمار أو حتى إعداد برامج تنموية، ونسير فقط في إطار الإغاثة.. همنا اليوم هو أن نجعل أهلنا هناك يحصلون على الغذاء والماء، وأن نؤمن لهم مكاناً للنوم".
وبتفحص النسب الأخيرة، نلاحظ فوراً الفرق الشاسع في البطالة بين الذكور التي تعتبر مرتفعة مقارنة بالنساء التي تعد متدنية. وجاء في الدراسة أن نسبة مشاركة الذكور في القوى العاملة للأفراد فوق 15 سنة تبلغ حوالي 4 أضعاف مشاركة النساء بواقع 72 في المئة للذكور مقابل 19 في المئة للإناث.
وحول هذه النقطة، شرح قطامي إن الوزارة أعدت لجنة من "الشركاء" لمراجعة السياسات حتى تتمكن الوزارة من رفع نسبة مشاركة النساء. ورأى ان السبب الرئيس في هذا الإختلاف يعود إلى عزوف الشركات الخاصة عن توظيف الإناث بحجة الاجازات وأهمها الأمومة. واعتبر أن قانون الصندوق الاجتماعي الذي تسعى الوزارة لانشائه سيعمل على حلّ جزء من المشكلة، حيث تصبح تغطية إجازة الأمومة مثلاً ضمن مسؤوليات الصندوق وليس الجهة المشغلة.