| 

من شرفة منزلي، أرى مستوطنة. ومن الزاوية نفسها، أرى سجناً إسرائيلياً يزجّ فيه مئات الشبّان الفلسطينيين. وبين منزلي وأقرب نقطة إسرائيلية مستوطنة، أو مشروع لتجمّع استيطاني يطلق عليه الإعلام الإسرائيلي اسم "مستوطنة عشوائية"، أو حاجز أو معسكر للجيش. بين رام الله حيث أقطن والقدس، مسافةٌ لا تتجاوز العشرة كيلومترات، لكن يقطع طريقها معبرٌ حدوديّ بمواصفات دوليّة (حاجز قلنديا سيئ الصيت، الذي يفصل بين القدس ورام الله). كان مشهد اقتحام مدينة رام الله مفاجئاً ومستغرباً في يوم من الأيام، لكنه اليوم بات معتاداً. وأصبح مشهد الحاجز جزءاً من المشهد اليومي العام، وكأنه شيءٌ طبيعيّ. ثم إن الأخبار اليومية عن اعتداءات المستوطنين على البشر والحجر والشجر أضحت هامشيةً أيضاً. أحد أصحاب المطاعم يفتخر بأن بعض سلعه إسرائيلية.
هذه ليست مشاهداتي. هي مشاهدات خليل هندي وشهادته، هو الذي أُوكلت إليه مهمة رئاسة "جامعة بيرزيت" سنة 2010، وافداً من "الجامعة الأميركية في بيروت". هندي، طُرد مع أهله من فلسطين - قرية الطنطورة الساحلية سنة 1948 – وكان عمره حينها ثلاثة أعوام، إلى طولكرم في الضفّة الغربيّة، ثم بيروت حيث التحق بالجامعة الأميركية، ثم المملكة المتحدة، وعاد أخيراً إلى فلسطين بمهمةٍ وطنيّة كبيرة، وهي رئاسة "جامعة بيرزيت". خليل هندي هو أكاديميّ وسياسيّ فلسطينيّ مرموق، له مساهمته الكبيرة في حقول العلوم والسياسة والثقافة، وقد كرّس كامل وقته في الأعوام الخمسة الأخيرة للنهوض بالتعليم العالي في فلسطين وتأمين موارد استمراره. وقد روى هذه المشاهدات بعد شهرٍ من استقراره في مدينة رام الله في خريف 2010.
تعرفت إلى خليل هندي في بيروت سنة 2009، خلال اجتماعات عقدتها "مؤسسة الدراسات الفلسطينية". بعدها، واكبت مسيرته طوال خمسة أعوام في "جامعة بيرزيت"، وقد أصبح مذّاك صديقاً.
في اجتماع مجلس أمناء "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" الذي عقد في بيروت في أيار / مايو 2015، طُلب من خليل هندي، عضو المجلس، تقديم محاضرة عنوانها "تجربة خمس سنوات في فلسطين"، يتحدّث فيها عن آليات السيطرة الإسرائيلية على المشهد الفلسطيني العام، وعن الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، مثلما رصدها من خلال مشاهداته اليومية، خلال هذه السنوات. (فيها، تحدّث عن المجتمع، والحواجز، والتعليم، والقدس، والتظاهرات، والإحتجاجات، سواء داخل حرم الجامعة أو خارجه).
لا أريد الخوض في ما قدّمه خليل هندي خلال محاضرة مجلس الأمناء، لأن من حقه أن يتحدّث هو عن هذه المشاهدات، خاصةً أنه وعد بأن يكتبها في مقالة طويلة وموسّعة. ما أريد الكتابة عنه هنا، هو أنني، وعلى الرغم من إقامتي في المكان نفسه الذي تحدّث عنه خليل هندي وعيشي للأوضاع نفسها التي عاشها، فقد وجدت نفسي أمام مداخلته عن فلسطين، وعن آليات السيطرة الإسرائيلية، وعن المجتمع الفلسطينيّ، وكأنني أسمع عنها للمرة الأولى، أو بالأحرى، سمعتها وكأنني أزور البلاد للمرة الأولى.
***
راودني سؤال بديهي وسريع، بعد المداخلة التي فاجأت جميع الذين استمعوا إليها، سواءً كانوا يقيمون خارج فلسطين أو يسكنون فيها ومضطلعين على تفاصيل يومياتها. السؤال هو: هل استطاعت الماكينة الإسرائيلية السيطرة على عقولنا، كما سيطرت على حياتنا اليومية؟ هل سيطرت لدرجة أننا لم نعد نلاحظ أن قوات الاحتلال تداهم أحياءً من مدينة رام الله، وتعتقل عشرات الشبّان بشكلٍ تجاوز فكرة الصدفة، وأصبح تكراراً مملاً؟ لم يعد خبر استشهاد شاب أو طفل في الخليل أو نابلس خبراً ذا قيمةٍ معنوية ووطنية. كذلك، فإن خبر قيام المستوطنين في مستوطنة يتسهار قرب نابلس، بإحراق حقول الزيتون قد بات خبراً هامشياً،. هل بات مشهد الإحتلال طبيعياً، لدرجة تماثلنا معه؟
لقد سعدت أن أكون واحداً من فريق "مجلة الدراسات الفلسطينية" الذي أجرى مقابلة مطوّلة مع الدكتور خليل هندي، في كانون الأول / ديسمبر سنة 2013، ونشرت في العدد 98 - ربيع العام 2014. وفي معرض ردّه على سؤال حول ما إذا كانت رام الله تعطيه شعوراً بأنها العاصمة، مثل بيروت، أم أنها مدينة مركّبة، قال هندي أن شعوره الطاغي حيال رام الله هو أنها فقاعة لا بد يوماً من أن تنفقئ. واستطرد قائلاً أنه، أحياناً، يشعر بالاختناق فيها: "ربما لأنني جئتها حديثاً، ولم اعتد على ما يجب أن يثير الحنق عن وجه حق.. بينما يبدو الناس من حولي معتادين. رام الله مبنية على تلال. كنت في سكني السابق أخرج مع زوجتي للتمشي ليلاً. عندما تصعد إلى قمة تلّ، تشعر بأن مزاجك جيد وتتنفس عميقاً. لا يدوم هذا الشعور طويلاً، إذ لا بد أن تنظر حولك، فتواجهك المستعمرات بأنوارها المشعشعة".
***
في مقالاتٍ سابقة كتبتُها عن إمكانية الانتفاضة الثالثة، وعن انتفاضة المقدسيين تحديداً، ادّعيت أنه لا يمكن الحديث عن انتفاضة ثالثة وكأنها مجرّد كبسة زر. فالإنتفاضة قائمة، والمواجهة قائمة، في إطارٍ مشتّت وغير منظّم، وبغيابٍ واضح لقادة ميدانيين يمتكلون رؤية سياسية وميدانية للخلاص من الإحتلال. فالأحداث في كلّ من القدس وقطاع غزّة والخليل ومخيم الجلزون والعروب هي جزءٌ من مشهدٍ يوميّ منتفض، عدا عن ممارسات قوات الاحتلال اليومية، لجهة الاعتقال والقتل والمصادرة وما إلى ذلك.
هندي، وفي سياق مداخلته، تحدّث عن كيفية إطباق إسرائيل على الجغرافيا الفلسطينية، منذ توقيع اتفاق أوسلو. إذ لم تعد هناك مناطق احتكاك مع المستوطنات الإسرائيلية، أو معسكرات الجيش الإسرائيلي، أو حتى الحاجز والتجمّعات الفلسطينية المختلفة (القرى، المدن، المخيمات). فيقول: "عندما يريد طلبة بيرزيت أن يتظاهروا لإحياء مناسبةٍ ما أو ضد سياسةٍ إسرائيلية معيّنة، أو ضد مقتل أحد الطلبة على يد الجيش الإسرائيلي، فهم مضطرون إلى ركوب الحافلات للوصول إلى أقرب نقطة احتكاك مع الجيش الإسرائيلي.. أو، تكون التظاهرة في قرية عطارة التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن حرم الجامعة، إذ يوجد عند مدخلها حاجزٌ عسكريّ وبرجٌ للمراقبة، وهي منطقة حقول مكشوفة، ما يزيد من عدد الإصابات وحالات الاعتقال". كونها أرضاً مكشوفة، تعتبر القرية حقل رمايةٍ واضح الرؤية للجنود المتمترسين القابعين خلف مكعبات إسمنتية، وفي برجهم العالي والمحصن. وفي حال كان الحدث أشدّ وطأة، كالحرب على غزّة أو جريمة إحراق الطفل محمد أبو خضير، فإن الطلبة يتوجهون إلى معسكر عوفر القريب من مدينة رام الله، حيث يتواجد الإعلام بصورة أكبر. وقد أصبح هذا المعسكر (عوفر) الذي يُحتجز فيه مئات الشباب، رمزاً للمواجهات مع قوات الإحتلال. لكنّ طلبة "جامعة بيرزيت" يذهبون إليه بالحافلات، قاطعين مسافة تبعد نحو خمسة عشر كيلومترا، باتجاه منطقةٍ مكشوفة للتظاهر ضد الاحتلال.
***
اخترع العقل الإحتلالي ما يسمّى بالطرق الإلتفافية، شقّها في أعقاب توقيع اتفاقية أوسلو التي تحول دون دخول الإسرائيليين، جيشاً ومستوطنين، إلى مختلف التجمعات السكانية الفلسطينية. وزاد الأمر حدة بعد اندلاع انتفاضة سنة 2000، التي شهدت تعزيز المواقع الإسرائيلية وتحصينها، كأنها بعيدة تماماً عن القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية. لكن هذا المشهد الذي يبدو بريئاً ومسالماً يخادع الحقيقة. إذ، على الرغم من حالة الهدوء التي تسود الضفّة الغربية على وجه الخصوص، فإن الجيش الإسرائيلي يحتاج إلى بضع ساعات فقط للسيطرة (من جديد) على شبكة الطرق، وتفعيل الحواجز، وتحويل المحافظات الفلسطينية إلى مناطق معزولة وغير متواصلة. وهو نمطٌ من أنماط السيطرة. أما النمط الثاني الذي أصبح مألوفاً فهو يتم عبر مكاتب الإدارة المدنية المنتشرة في مختلف المناطق الفلسطينية، والتي تمنح أو تمنع تصاريح العمل في السوق الإسرائيلية، وتصاريح العلاج، وتمنح رخص الاستيراد والتصدير، وترخّص المصانع، وتتحكّم بحركة الداخلين والخارجين من وإلى المناطق الفلسطينية، وتمنح بطاقات ما يسمى بـ VIP (شخصيّة هامة جداً) التي تؤمّن لحاملها القدرة على والأولوية في عبور الحواجز، كما إمكانية الدخول إلى المناطق الإسرائيلية بسهولة كبيرة. وتسهل أيضا هذه المكاتب العلاقات التجارية بين تجار فلسطينيين ونظرائهم من الإسرائيليين، وسواها من المهام التي تبدو أحياناً إنسانية للوهلة الأولى، لكن يقوم مضمونها على فرض السيطرة اليومية على حياة الشعب الفلسطيني، وتكريس حياته تحت الاحتلال، وحرمانه من ممارسة حياة (شبه) طبيعية كأيّ شعب في العالم.
سأترك للدكتور هندي الاستفاضة في الكتابة عن تجربة خمسة أعوام في فلسطين، وفي "جامعة بيرزيت" تحديداً، حيث كرّس جلّ وقته، وترك بصماته الواضحة على مستوى تطوير برامجها ورؤيتها، وفي مسيرتها. التحية الكبيرة لخليل هندي.