| 

كيف جاء يهود المغرب من الحضارة إلى الخرابة الإسرائيلية
كتبت المفكّرة الإسرائيلية من أصل عراقي شوشانا غباي عرضاً لفيلم "الحاخام دافيد بوزجلو – أغنية للصداقة"، ونشرته في موقع "هاعوكتس"، تحت عنوان: "أغنية للصداقة، في مقالها، تدرس غباي شخصية الحاخام الذي جاء من المغرب في الستينيات، وسارع للإيمان بالصهيونية فور وصوله إلى إسرائيل، كحال أبناء طائفته المغاربة. تدرس جباي العلاقة بين الزعيم الروحاني الكاريزمي وطائفته، وتقاليد الإنشاد اليهودي الديني، كما تقابل بين كازبلانكا المزدهرة ومدن التطوير المقفرة في إسرائيل الستينيات حيث أُسْكن اليهود الشرقيون، وتصوّب سهامها نحو الصهيونية التي أدانت الثقافة اليهودية العربية لصالح ثقافة عدوانية وصحراوية آمن بها أبناء الاستيطان اليهودي. كذلك، تعالج فكرة الذاكرة والنسيان، وتحديداً بالنسبة إلى حاخامٍ فرض على نفسه أن يكون مجهولاً حتى نهاية حياته.

1- معجزة الإنشاد على الرمال
في شهر آب من العام 1965، حدثت معجزة في المساكن المتفرقة في مدن التطوير والأحياء الفقيرة في إسرائيل، على سفينةٍ آتية من المغرب إلى حيفا، وصل على متنها الحاخام دافيد بوزجلو. فور أن وضع الحاخام رجليه في شقة الإسكان في رمال [مدينة] كريات يام، حتى وجّه خطواته ليتجول في بيت شان، ديمونة، تل أولجا، وكريات شمونه. في هذه الأماكن، البعيدة عن عين وقلب السلطة، وقف أبناء الطائفة بتأثّرٍ خارج بيوتهم، في استقبال الشاعر العبري الأخير ليهود المغرب، وكبير منشديها في القرن العشرين. في هذه اللحظة الدرامية، يختار المخرج رفائيل بلولو أن يبدأ فيلمه "الحاخام دافيد بوزجلو – أغنية للصداقة"، فيلمه الوثائقي المثير للمشاعر. لقطة مبهرة لأمواج البحر التي أتت ببوزجلو إلى إسرائيل مع قطعٍ أرشيفية من سفينة المهاجرين تحلّ محلها كلقطة انتقالٍ إلى داخل المساكن الجديدة في الخمسينيات والستينيات، والتي كانت وقتها عارية ومكشوفة وسط الرمال، بلا نبت ولا شجيرة. غنم مرعاه من طائفته المشتاقة الساكنة هناك، يتذكرون حتى اليوم بدقة تاريخ وصول الحاخام بوزجلو إلى إسرائيل – شهر آب.
يعرض بلولو على امتداد الفيلم صورة إسرائيل بوصفها "فقط، رمالٌ على رمال". بلد مليئة ببلوكات سكنية جماعية طويلة، ومن هنا، يمشي إلى الخلف والأمام. اختار بذكاء هذه الصورة للدلالة على فترة نشاط الحاخام بوزجلو في إسرائيل – سنوات الهجرة الأولى ليهود المغرب. فقط هكذا، أمكنه أن يشرح لمجايليه، وهم يهود شرقيون من أبناء الجيل الثالث يقوم عالمهم على سهولة الاتصال والإعلام، شيئاُ عن اللاجئين المعزولين الذين وُضعوا في قلب البرية، في تطبيقٍ لسياسة عنيفة من تفرقة السكان، تمّ استنساخها من الاتحاد السوفياتي. رأى قادة الدولة،لسبب ما، أن تطبيق مناهج ديكتاتورية معتادة في قلب الدولة السوفياتية وشريكتيها الصين وكمبوديا، هو "التحديث والتقدّم". وهكذا، في قلب "التحديث"، يظهر الحاخام بوزجلو عندهم فجأة، وهو يحمل معه ذاكرة طائفتهم الثقافية العريقة.
بعدها، وفي مقابل الخراب، ينتقل المخرج إلى قطع أرشيفية من المغرب في الأربعينيات. مشهد ماضوي معروفٌ ومحبّب لليهود المغاربة المدينيين في أغلبهم، الذين عاشوا قروناً في مدن الموانئ والتجارة. ها هي أيضاً الشوارع الضاجّة في كازابلانكا المتوجة، التي جاء منها بوزجلو، تضم في داخلها طبقات من أجيال كثيرة وثقافات كثيرة. ها هي الأرصفة المبلطة، ها هو المعمار الإسلامي المبهر، إلى جانب مبانٍ أوروبية حديثة، ها هي المحلات، المقاهي، وأناسٌ يلبسون ملابس لطيفة وكلّ شيء يركض على الطريقة الحديثة. كلّ هذا غلّفه المخرج، بحكمةٍ موسيقية، بنشيد "الصخرة الذي أحياني"، الذي كتبه بوزجلو شخصياً، مع تعليق من موسيقى الجاز النابضة التي لا تأتي بالصيغة التقليدية. على الرغم من أن بوزجلو يرمز إلى تقاليد ثقافية تمتد لقرون، فقد عمل في الواقع كمجدّد في القرن العشرين، عندما أخذ تقاليد الإنشاد في المغرب، وربطها بالموسيقى الأندلسية، وغرس فيها موسيقى شعبية مغربية وموسيقى عربية حديثة.
السنوات العشر التي قضاها الحاخام بوزجلو مع أبناء طائفته في إسرائيل هي مركز ثقل الفيلم. هذه السنوات تبدأ بلحظة النشوة بعد هجرته إلى البلاد وحرب الأيام الستة (1967)، وتنتهي بالذبول في حرب يوم الكيبور (1973) حتى يوم موته في العام 1975. ماذا منح بوزجلو لجمهوره في هذه السنوات القاسية، سنوات الفقر، الإغتراب والقمع، التي يسميها في الفيلم ابنه الفيلسوف الدكتور مئير بوزجلو، بلا تجميلٍ أو تزيين، بالـ "كارثة"؟ ما المعنى الثقافيّ والسياسيّ لتجديد تقاليد إنشاد الأدعية في إسرائيل، التي أسّسها الحاخام بوزجلو منذ حياته في المغرب كتقاليد مركزية؟
الميزة الأساسية للغناء الديني هي القوة الملموسة التي يهبها للمؤمنين، شيءٌ ما يتمسكون به، بلا رسائل ثنائية المعنى أو مضببة. تقسيم الغناء الطقوسي وفق مراحل الحياة المختلفة يجيب على المؤمن في أية مرحلة من حياته. ولذلك، وفي لحظة اتضاح أزمة الهجرة إلى إسرائيل، وصلت اليهود المغاربة نغمات من أناشيد طفولتهم، وأشارت لهم بألا يضلوا الطريق، وما عليهم فعله، وكيف عليهم التعامل مع الحياة، وإلى أين ستقودهم الحياة. هكذا، كان الحاخام بوزجلو الذي عاني في شبابه في المغرب من النقد لأنه رغم علمه بالتوراة وذاكرته العظيمة اختار الطريق الطقوسي وليس التعلّم، نجح بفضل هذا الغناء في تعزية شعبه في إسرائيل. عندما نسمع تسجيلاً نادراً في نهاية يوم السبت في المعبد، نفهم معنى ذلك جيداً. بين الصخب وضجّة الأطفال، يتفجّر صوت الحاخام بوزجلو الهائل والكاريزمي، ويردّ عليه الجمهور ببهجة.
على نقيض النغمات الإسرائيلية الغريبة التي سمعها وقتها اليهود المغاربة في الراديو، كانوا في الإنشاد يعرفون مسبقاً ما الذي يتوقعونه من الجملة اللحنية، ويحسّون كيف ستتطور النغمة من بين التسجيلات النادرة للحاخام بوزجلو - فالأكثر تأثيراً هي تلك التي يلتقطها معجب في الخفاء، لأنها تشهد جيداً على تأثير زياراته [للمعبد]. داخل المحيط الجديد الذي احتقرهم فيه إخوانهم الإشكنازيون، وتواجد المطرودون الفلسطينيون المعادون لهم على الناحية الأخرى من الحدود، خُلق في المعبد حيّز محميّ غلّف الوجود المشكوك فيه للمهاجرين في أوقاتٍ قاسية، وألهمهم الثقة في نفسهم. يصعب من وجهة نظرنا اليوم فهم أن هؤلاء اليهود لم يكونوا مهرة أبداً في الحرب والعدوانية مثل أبناء الإستيطان العبريّ، فهم عاشوا في شمال أفريقيا كأقلية تنشغل بالتوراة، المهن، والتجارة فحسب. في هذا الوقت، كان إحساس اليتم في ضواحي إسرائيل عميقاً. انتشر قادة الطائفة المغربية في كلّ الاتجاهات، بينما لم يسمع أبناء الطائفة ويقرأوا ويستهلكوا في وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية إلا كلمات قادة الصهيونية والمؤسسة الثقافية في إسرائيل، ولا شيء آخر.
في العام 1966، عندما كان الحاخام بوزجلو يمشي وحده في المعابد على رمال ديمونة، مجهولاً خارج طائفته، اشتهر بوزجلو آخر من ديمونة في المدن المؤسَسة في إسرائيل. انسابت أعداد مهولة من المشاهدين إلى دور السينما لمشاهدة الفيلم الشعبي والغرائبي للمخرج مناحيم جولان "فورتونا"، عن عائلة عنيفة باسم بوزجلو شكنت في مكانٍ ما على رمال ديمونة، وضحّت بابنتها فورتونا قرباناً على المذبح باسم تقاليد يهودية شمال أفريقية صحراوية قاتلة. في الإنكليزية، سُمّي الفيلم "The Girl from the Dead Sea" (الفتاة من البحر الميّت)، لا أكثر ولا أقل، على الرغم من أنه يصعب فهم العلاقة بين المهاجرين الوافدين من شمال أفريقيا الذين وصلوا لتوّهم إلى الخرابة وبين بحر الموت في إسرائيل.
يثير ضعف يهود شمال أفريقيا، في ردودهم على الفيلم، الشفقة. فحتى في العام 1991، كان الناقد يهودا ستاف لا يزال يعرّف "فورتونا" بوصفه فيلماً عن "عائلة ممزقة بين التقاليد والتقدّم الإسرائيليّ العلمانيّ". ويواصل القول بأن "الفيلم أثار غضب سكان ديمونة... لجنة السكان أعلنت احتجاجها المدوي على وسائل الإعلام وقمة القيادة". لأي درجة يمكن أن يكون "مدوياً"، في العام 1966، احتجاج حفنة لاجئين بعيدين، ينتمون إلى الضاحية؟ في فيلم بلولو، ثمة تصويب للصورة التي بمفادها تمثّل البرية والرمال يهود شمال أفريقيا، في الخطاب العام الإسرائيليّ. ففي الواقع، إن الفيلم يقلب الصورة: يصل الشمال أفريقيون من الحضارة والثقافة إلى البريّة والعدوانية الصهيونيين.
حتى الحاخام بوزجلو، ويرمز له بلولو في فيلمه بواسطة صور أمواج البحر والسماء، كان بإمكانه أن يدع هؤلاء اللاجئين لأنفسهم. كان بإمكانه البقاء في مدينة مركزية يحجُّ له الآخرون منها، وستكون لديه مبررات، فهو أعمى ومريضٍ بشكل مزمن. بدلاً من ذلك، اختار البقاء مع أبناء طائفته حيث هم. ولهذا، ليست عبقرية الحاخام بوزجلو هي التي تثير الإعجاب، فيهود المغرب لم يكن ينقصهم العباقرة. ولا مواهبه التي لا تتكرّر التي تربط ما بين المعرفة العميقة بالتوراة، شمولية تحكّمه اللغوي، والتنفيذ الموسيقي، هي التي تثير الإعجاب. الحقيقة المثيرة للإعجاب فيه هي أنه جاء مع هذه الحمولة الهائلة، بتواضعٍ وبتبسّط، إلى هذه الأماكن التي نساها الإله، وبثّ فيها هو الأمل. هذا النموذج من القيادة، من التواضع والعمل على الأرض، هو نموذجٌ ومثالٌ في هذا اليوم أيضاً، ومازال نادراً حتى الآن.

2- قصيدة بالعبرية أمام قصيدة بالعربية
يمكننا أن نرى دقّة المخرج عبر الشكل الذي ينسج به قصة الشاعر المنشد سوياً مع جمهوره، على قدر ما كانت القصة في الفيلم تتطور. إذ بعد هجرته، بدأ الحاخام بوزجلو بكتابة الشعر بكثافةٍ متزايدة، وكانت أشعاره أساساً أناشيد خلاصٍ وعودةٍ لصهيون. يُسمعنا بلولو نشيد "ولكن فيكِ وطني"، بينما يواصل عرض البلوكات السكنية والرمال. يكمل نشيد بوزجلو – "هنا سفك أبناء شعبي دماءهم" – ولا يحيد بلولو عن الرمال. هناك الآن مساكن بدأت تنبت، وبجانبها أشجار. وهناك أرصفة أيضاً. كانت هذه مسرحة ممتازة لكلمات بوزجلو الابن: "كان هناك ارتباك (في الطائفة – ش. غ.) بين الخلاص وبين الكارثة. لم يركز أبي إلا على جانب الخلاص". في نشيد [عيد] "الميمونة" الذي كتبه بوزجلو، يعرض لنا بلولو علامات تدلّ على تعافي الطائفة، بواسطة أفلامٍ قصيرة ملوّنة من بداية الاحتفالات الجماعية لعيد الميمونة. ها هي المغنية زهرة الفاسية متزينة استعداداً للحفل، ها هنّ طفلات يلبسن ملابس تقليدية، وموسيقيون يعزفون.
أشعار الخلاص وفرحة [ما بعد الانتصار] التي كتبها الحاخام بوزجلو في أعقاب حرب الستة أيام يوضحها بلولو بالإحالة لتأثير الصراع على حياة يهود البلدان الإسلامية في إسرائيل. على خلفية طوابير النصر يقول البروفيسور يوسف شطريت: " الصراع اليهودي العربي حوّل كل شيء مسموع ذي جرس عربي إلى شيء مُبعد، كأن هناك سلاحاً في الكلمات والموسيقى". يجب فهم أن هذه الأشعار، التي تعرض العرب كعدو، ليست أمراً بديهياً بالنسبة لشخص جاء لتوه من طائفة عاشت لقرون في حضن العربية. العربي هو ابن عم اليهودي في المغرب، جاره وصديقه. اليوم، بينما تبدو مشاعر العداوة بين اليهود الشرقيين والعرب بديهية، يصعب تذكر أن تلك كانت عملية بدأت عندما علّمت الصهيونية على العرب بوصفهم أعداء. لهذا، فعندما يأخذ اليهودي الشرقي على عاتقه أغلال الصهيونية بوصفها تحقق له الخلاص الديني ويسعى للتماهي مع المشروع الذي أسسه إخوانه الإشكنازيون، فهو يستعد بالضرورة للقبول بموقف كهذا.
تزداد الدهشة أمام حقيقة أن الحاخام بوزجلو كان في الواقع شاعراً ثنائيّ اللغة، أذهلنا بالتقفية بعربية وعبرية من الطراز الأول، وبقدرته على نسج قصيدةٍ واحدة منهما. وليس هذا فقط، ولكن من يسمع الأناشيد بالعبرية التي بناها الشاعر على أساس الأنغام المنتشرة في الموسيقى العربية الشعبية والكلاسيكية، لا يستطيع إلا أن يذهل من التحكّم المطلق الذي لا يتكرر بالعبرية التوراتية والتشريعية، وأن يتأثر بتحكّم بوزجلو بالعربية وموسيقاها النادرة. كتب بوزجلو لأشعارٍ معروفة بالعربية كلماتً جديدة بالعبرية، وحافظ على وزن الأصل العربيّ بشكلٍ يصعب معه تصديق أن هذه ليست الكلمات الأصلية. من يعرف الأناشيد "المتهوّدة" [أي، المتحولة من العربية للعبرية]، يعرف أنه كثيراً ما لا ينجح مؤلفو الكلمات العبرية في موائمة الوزن، وتكون النتيجة الموسيقية خادشة للآذان.
هناك شيءٌ ممتع في قراءة الشعر العبريّ الذي كتبه الحاخام بوزجلو بأوزانٍ عربية ضدّ الدول العربيّة، يجده تحديداً من يعرف القليل عن القصائد المحاربة التي كتبها الشعراء العرب ضد إسرائيل في الستينيات، وأذيعت في الراديو. كانت أشعار بوزجلو بمثابة ردّ معارض بالصيغة ذاتها: قصيدة بالعبرية ضد قصيدة بالعربية. من هنا، يبدو أن ابنه مئير معه الحق في زعمه في الفيلم بأن الأفضل هو علاقة – حتى لو كانت سلبية – مع العدو، لأنها أفضل من التجاهل المطلق لوجوده، كأنه لا يستحق المعاملة كإنسان، مثلما حدث في أغاني حداد البالماح. الأسهل هو التسوية بين فصائل متحاربة من أبناء الثقافة واللغة ذاتهما، اللذين يفهم أحدهما الآخر. ولكن، في الواقع، فإن النتائج السريعة لقبول اليهود الشرقيين بالموقف الصهيوني ضد العرب وضد العربية، كان واحداً: تحوّلت الكلمات والأنغام العربية في نهاية الأمر، وبشكل تراجيديّ، إلى سلاحٍ موجّه نحو ثقافتهم هم أنفسهم، وكذلك، ضد مشروع الحاخام بوزجلو الطقوسي.
الجزء الذي يمسّ القلب في الفيلم ينشغل بلحظة اعتزال بوزجلو الحياة العامة، وهي لحظة درامية ورائعة في رمزيتها. في قلب عيد الكيبور العام 1973، وهو اليوم الأهم في السنة بالنسبة إلى المنشد، تتردّد أصوات الصفارات في أنحاء البلاد. بوزجلو، الذي كان واقفاً على المنصة كعادته في المعبد ليخدم بقداسة يوم الدين [يوم الكيبور]، يومه الأكبر، يبدأ في الارتعاش ويقول لخليفته، الحاخام حاييم كوك: "واصل أنت صلاة القربان". يذهب إلى بيته ولا يخرج من هناك حتى يوم موته في العام 1975. يضع بلولو في هذا المشهد النشيد الأجمل لبوزجلو، "إلهي لماذا تركتني"، وهو نشيد حداد يثير القشعريرة والدموع. يعود مرة ثانيةً إلى المساكن. هذه المرة، بدلاً من مشهد الأطفال يلعبون بالكرة، يجري جنود الاحتياط ويقفزون فوق المركبات مسرعين إلى الجبهة. نعود إلى مشاهد الصحراء، ولكننا نتعقّب الجنود في الحرب هذه المرة.
الصدمة من العدد الكبير للشهداء والجرحى، الغائبين والأسرى، وأصوات الانكسار والنحيب تتصاعد من جميع أحياء إسرائيل ومدنها، مشهدٌ أصاب قلب بوزجلو. حلّ الإنكسار محل نشوة الخلاص والإحساس بخطوات المسيح، اللذين أحس بهما مع وصوله إلى إسرائيل. لذلك، حسناً فعل بلولو عندما لم يجمّل لنا الوضع، وإنما ترك هذا الجزء غير محلول وتراجيدي مثلما هو حتى الآن. ففي قلب الإحساس بهذه الكارثة، غادر الحاخام بوزجلو العالم، بينما تزور إسرائيل خطيئة الغطرسة ونشوة القوة. كما قالت ابنته الدكتورة راحيل سويسة في الفيلم، إن رؤية أبيها للمكافأة والعقاب كانت تعتبر أن الخطيئة تمنحنا فرصة للإصلاح.

3- الإنقاذ من النسيان
نجح بلولو في عدم التعامل مع الفيلم البيوغرافي كأنه قائمة ينبغي فيها إدراج إنجازات بوزجلو الكثيرة كلها، ومن بينها عمله كمدرّس ومنشّط في تعليم العبرية في المغرب. ركّز الفيلم بذكاء على قصة زعامة بوزجلو كما تطورت وتعاظمت في إسرائيل، على الرغم من أن بذرتها كانت كامنة في المغرب. هذه قصة عن العلاقة بين زعيم روحاني وطائفته – الفراق واللقاء من جديد، الموت وتواصل الأجيال. "كم أردنا أن تكون معنا في السبت"، قال للحاخام بوزجلو الذاوي مريدُه رقيق النفس رافي ليفي. "ليس بقدر ما أردت أن أكون معكم"، يجيبه الحاخام بوزجلو بما تبقى من قواه.
ينتهي الفيلم بتواصلٍ جيليّ ما يبدو أنه كان أقوى من المجهولية التي فرضها بوزجلو على نفسه، وفُرضت عليه أيضاً من الخارج لدى وصوله إلى دولة إسرائيل. ما ينقصنا في التوثيق للحاخام بوزجلو نتيجة الحظر الذي فرضه هو على تصويره أو التسجيل له أو طباعة شعره على الأوراق، نجح بلولو في تحويله إلى ميزة. نشأ بوزجلو على ركبتيّ الثقافة العربية، التي كانت في وقته تقاليد شفوية تنتقل من جيلٍ إلى جيل، من معلّم إلى تلميذ. لا يتعلق الأمر بالشعر فحسب، وإنما بالموسيقى أيضاً، التي تُعزف بلا علامات موسيقية. في الواقع، فرض علينا الحاخام بوزجلو أن نتذكره فقط عن طريقة أسلافه في الفكر، الشعر، والموسيقى. وعندما نرى في الفيلم عمق أفكار أولاده وروّاد الإنشاد الآخرين في إسرائيل، مثل البروفيسورة حبيبة بديا، أو نسمع غناء تلميذه الحاخام حاييم كوك، لا يتبقى لنا إلا أن نفهم عظمته.
يمكن أن نكمل هنا كلمات ابنه مئير، الذي ينتقد الطقس العلماني، كونه يستعبد الرجل أو المرأة الموهوبين لصالح العمل الإبداعي الإنساني، بوصفه سامياً، ويعليان من شأن الأنا. ويزعم أن بوزجلو الأب قصد في الواقع القول أن الإبداع ليس أنا، وإنما ذاكرتكم. لو كانت قدرتنا على فهم عمل إبداعي عظيم معلّقة تماماً بالسياق الذي يعرض فيه. فحتى لو تم توثيق بوزجلو جيداً، كان ليصعب عرضه بكامل روعته في الثقافة الإسرائيلية حتى السنوات الأخيرة. لقد كان مهمَلاً في مخزنٍ ما، في وعي أبناء طائفته. كان لازماً أن تقوم طائفته، وتزدهر سياسياً واقتصادياً، ويشتد أزر خلفائه، ويتمكنوا من الارتياح لدى تذكّرهم إياه، ليتمكنوا من نقل كاريزمته غناءً وقولاً لجميع الإسرائيليين.
ليست هناك ملاءمة أشدّ من إنهاء الفيلم بمشهدٍ يحاول فيه المنشد ماني كوهين تعليم المبتدئين في المعبد نشيد "الصخرة الذي أحياني"، وهو ينتهي بجملةٍ علمانيّة نثرية للغاية – ولهذا فهي مؤثرة، وتحديداً في سياق فيلمٍ موضوعه الذاكرة والنسيان: "شكراً لكم جميعاً، الدرس يوم الأحد كالمعتاد". ها هم أمامنا، أبناء روح ونبضات قلب بوزجلو. وهم بالتحديد من أنقذوه من النسيان. الثقافة التقليدية التي توقفت عن أن تكون بديهية وقت الهجرة إلى إسرائيل، عادت لتسكن بثقة في مكانها.

ترجمة: نائل الطوخي