| 

في العام 1968، سمح الحاكم العسكريّ الإسرائيليّ بتشغيل عمّال الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في إسرائيل. تلك كانت بداية أحد أكبر التبدّلات الأساسيّة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي في المناطق المحتلّة. ومعها، بدأ عمل العرب الفلسطينيين في الدولة العبريّة.

تكاملية غير تشاركية
شَرَّعَت سوق العمل الإسرائيليّة أبوابها أمام العمال الفلسطينيين تبعاً لاحتياجات اقتصادها، في ظلّ مجموعةٍ من الإجراءات التي أعاقت نمو الاقتصاد الفلسطيني وأضعفته، وأضعفت قدرته على استيعاب القوى العاملة الفلسطينيّة. وقد تعرّضت هذه القوى العاملة لاضطهادٍ طبقيّ وقوميّ، بدا حتى في شروط تشغيلها: فقد تمّ تشغيلها بما يلائم استعداد السوق الإسرائيليّة في البناء والزراعة على وجه الخصوص، بناءً على اتفاقٍ مبرم بين الحاكم العسكري والهستدروت - النقابة العامّة للعمّال اليهود في إسرائيل. وقد أعطي للهستدروت الحق بجباية أموالٍ من أجور العمّال بنسبة 1 في المئة من راتب كلّ عامل، تذهب لمصلحة الهستدروت ولا يحصل العامل على أيّ خدمات مقابلها.
منذ العام 1968 وحتى الآن، نلاحظ عدم استغناء الاقتصاد الإسرائيلي عن العمالة الفلسطينية، وفي ذلك انعكاس لصيرورة اقتصادية وفق البُنى القائمة. إذ عزّز ذلك حالة التبعيّة شبه الكاملة التي تربط الضفّة والقطاع بالاقتصاد الإسرائيلي، لمصلحة الاقتصاد الإسرائيلي الأكبر والأشمل، والمحمي بقوة اقتصادية هائلة، وبقوة الاحتلال المباشر. وهي علاقة تكامليّة، ولكنها غير متكافئة. فهي تشوّه الاقتصاد الفلسطيني وتخضعه لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي، كما تؤدي إلى استمرار انجذاب العمالة الفلسطينية لسوق العمل الإسرائيلي في ظلّ عدم وجود خيارات أمامها محلياً وخارجياً، كانعكاس لواقع التكامل السلبي القسري الذي يعرفه المجتمع الفلسطيني لمصلحة الدولة العبرية.
مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية في العام 2000، بدأت إسرائيل تفرض قيوداً على حركة العُمّال في قطاع غزّة، ومنعت آنذاك حوالي 40 ألف عامل من التوجه إلى أعمالهم داخل ما يُسمّى بـ "الخط الأخضر"، في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. وحتّى الآن، يُمنع هؤلاء وغيرهم من دخول إسرائيل للعمل، ما فاقم مُعاناة العمال الغزّيين، خاصة في ظلّ ندرة فرص العمل في القطاع، ومنع دخول مواد البناء، وشلل قطاع البناء والإنشاءات.
بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة، روّجت وسائل الإعلام الإسرائيليّة أن دولة الاحتلال ستعمل على إصدار قُرابة خمسة آلاف تصريح عمل لعمّال من قطاع غزّة كانوا يعملون قبل الانتفاضة الثانية في إسرائيل، في سياق ما أسمته "تسهيلات لمصلحة قطاع غزّة". وبموجب هذه التصاريح، يُصبح بمقدور العمّال التنقل من قطاع غزّة إلى إسرائيل بغرض العمل.
هذه التصريحات أعادت الأمل لقرابة 200 ألف عاطل من العمل في غزّة، وفق الإحصائيّات الرسميّة، بيد أن الأحلام تلاشت سريعاً. لم يتم إصدار أيّ من هذه التصاريح، واقتصر منح التصاريح الإسرائيليّة على التجّار فقط، ممن يملكون سجلاً تجاريّاً تحديداً.

ألف تصريح: إسرائيل تسهّل الشروط!
يشرح المدير العام لتسجيل الشركات في وزارة الاقتصاد المحلي، عبد الله أبو رويضة أنهم، في الوزارة، "نقوم بإصدار السجل التجاري للأفراد والشركات بعد إتمام أوراقهم الأساسية، كالحصول على ترخيص من البلديات المحلية التي تثبت أنهم يزاولون المهنة. هذا الترخيص يحصلون عليه بعد تقديم طلب مزاولة المهنة ورسوم مقدارها 205 دولارات أميركية للبلدية". ولفت أبو رويضة إلى "زيادة مطّردة في عدد السجلات التجارية التي يتم إصدارها"، مبيناً: "كان معدل إصدار السجلات التجارية للأفراد والشركات يتراوح بين 70-80 سجلاً شهرياً، لكن الشهر الماضي (نيسان/أبريل) وصل العدد إلى 350 سجلا، والأمر مرتبط مباشرةً بمحاولات العمال الحصول على تصاريح تجارية للعمل داخل إسرائيل".
بعد إتمام الإجراءات، يبدأ العمّال بالتواصل مع أرباب عملهم السابقين، وهم إسرائيليّون يعملون على ربط العمّال الفلسطينيّين بسوق العمل داخل إسرائيل، كلٌّ بحسب مهارته ومهنته.
وكانت نسبة العمالة الغزّية في إسرائيل قد انخفضت منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، من 16.5 في المئة من إجمالي القوى العاملة في غزّة العام 1999، إلى 12.7 في المئة في العام 2000. ثم بدأت النسبة تنحدر حتّى مُنع العمال نهائيّاً من دخول إسرائيل بعد فرض الحصار، عقب فوز "حركة حماس" في انتخابات العام 2006.
اليوم، يكشف رئيس "الاتّحاد العام لنقابات عمّال فلسطين" سامي العمصي: "من خلال تواصلنا مع جهات في الإدارة المدنيّة، تبيّن لنا أنّ هناك حوالي 1000 عامل من غزّة حصلوا على تصاريح تجّار منذ بداية العام 2015، واستخدموا تلك التصاريح للعمل كعمّال داخل إسرائيل".
وأضاف: "منذ العام 2000، توقّف 120 ألف عامل عن العمل داخل إسرائيل بتصاريح عمّال. وحتّى العام 2002، كان بعض العمّال يحصلون على تصاريح تجّار. ولكنّ الأمر توقّف نهائيّاً في العام 2006. فمنذ ذلك الحين وحتى بداية العام الحالي، كانت التصاريح الممنوحة تقتصر على كبار التجار فقط. لكن يبدو أن زيادة عدد التصاريح للتجار هو جزء من تسهيلات إسرائيلية، وقد استغلّ العمّال الفرصة للعمل داخل إسرائيل. إذ، بعد الحرب الأخيرة، زاد عدد العاطلين من العمل من 170 ألف عامل إلى 200 ألف عامل، بسبب قصف المصانع والأراضي الزراعيّة، وبطء عمليّة الإعمار".
قبل الحرب الأخيرة، لم تكن إسرائيل تصدر تصاريح عمل التجّار لأيّ كان، حتى ولو كان يملك سجلاً تجاريّاً. لكن تسهيلات غير معروفة النيات أُدخلت على نطاق إصدار التصاريح، وأزالت بعض شروط الحصول عليها. فمثلاً: كان يجب أن يكون عمر التاجر فوق 45 عاماً ليُمنح تصريح تاجر، ولكن، تم تخفيض السن مؤخراً لـ35 عاماً، ما يُفسّر الأعداد الكبيرة التي حصلت على تصاريح عمل تاجر.
تجدر الإشارة ختاماً إلى البديهي الثابت: طبقة العمّال في قطاع غزة تعدّ الشريحة الغالبة على المجتمع، وهي ايضاً الأكثر تضرّراً من الحصار.

ما هي الصفة التجاريّة؟
العامل عبد الهادي حسين، كان يعمل في مجال البناء والإنشاءات في الداخل الفلسطيني المحتلّ، قبل أن تمنعه سلطات الاحتلال في العام 2000 من الدخول. يشرح لـ "السفير": "قبل اندلاع الانتفاضة الثانية كنت أعمل داخل إسرائيل، وكنت أتقاضى يومياً ما يزيد عن 600 شيكل – قُرابة مئة وستين دولاراً أميركياً. لكن، مع اندلاع الانتفاضة، مُنعت والكثيرين غيري من دخول إسرائيل، ولم نستطع إصدار تصاريح عمل بسبب ظروف الانتفاضة. منذ توقفت إسرائيل عن السماح لعمال غزة بالدخول، وأنا بدون عمل".
ولكن، مؤخراً، حصل حسين، وهو أبٌ لثمانية، على تصريح دخول إلى إسرائيل بصفة "تاجر". يشرح تجربته الجديدة في العمل داخل إسرائيل، ويوضح أنه استخرج سجلاً تجارياً لنفسه في وزارة الاقتصاد الوطني في قطاع غزّة، وبموافقة الجهات الحكومية الرسمية، ما أعطاه صفة تجارية مكّنته من السفر من القطاع إلى الداخل المحتلّ، ومن ثم العمل هناك.
كان يعمل تحت إدارة مُقاول بناء إسرائيلي قبل العام 2000، وبقي المقاول يتواصل معه طوال السنوات الماضية، ويحثه على المحاولة للوصول إلى الداخل المحتل للالتحاق بعمله من جديد، وهو عاطل من العمل: "لم يكن أمامي طريق سوى الحصول على سجل تجاري لدخول إسرائيل؛ الاحتلال لا يسمح بالسفر من غزة عبر معبر بيت حانون/إيرز إلا للتجار".
يعمل حسين في الوقت الحالي في مجال البناء داخل إسرائيل خفية، ويتحرك بناءً على السجل التجاري الذي بحوزته، ويعمل خمسة أيام في الأسبوع، ويعود إلى قطاع غزّة يومي الجمعة والسبت، ثم يُسافر مرة أخرى للعمل، لكنه يخشى انكشاف أمره وترحيله قسراً إلى القطاع.
هناك العديد من العمّال في غزّة الذين سلكوا الطريق نفسها للحصول على تصريح دخول إلى إسرائيل، بعد استيفاء شروط الحصول على رخصة مزاولة المهنة، وهي: استخراج رخصة البلديّة، ثمّ تقديم عقد إيجار أو سند ملكيّة ورسوم تقدّر بـ1000 شيكل (250 دولاراً) لوزارة الاقتصاد الوطني، من أجل الحصول على سجلّ تجاريّ فرديّ أو حتّى سجل تجاريّ لشركة، بحيث يتمكن الحاصل على سجل تجاريّ لشركة من إضافة عاملٍ أو أكثر يستصدر "تصاريح تجّار" لهم معه.

حيلٌ للوصول إلى "المعلّم"
لا يتمكن الكثير من العمّال من استيفاء شروط الحصول على سجل تجاري في غزّة، والتنقّل بواسطته بين القطاع وإسرائيل. فتراهم يعملون بالاتفاق مع بعض التجّار الكبار على إدراج أسمائهم ضمن سجل تجاريّ لأحد تجّار الخضار أو الفواكه أو المُجمّدات، مُقابل مبلغٍ من المال لا يقلّ عن ألفي شيكل إسرائيلي، يدفعه للتاجر الغزّي الذي يملك سجلاً تجاريّاً. فيتمكّن العُمّال من عبور معبر إيرز ودخول إسرائيل فالعمل.
تبدو المُفارقة عجيبة هنا إلى حدّ ما: عامل يستلف مبلغاً يكمّله من هنا وهناك، ليدفعه لتاجرٍ سيمنحه تصريح سفر لا تتعدّى مدّته شهراً واحداً، وهو المبلغ نفسه الذي يُدفع، سواءً لوزارة الاقتصاد لفتح سجل تجاري أو للتاجر الذي سيضيف العامل إلى سجله المفتوح مسبقاً.. مبلغٌ يكفي مصاريف عائلة كاملة في قطاع غزّة لشهرٍ كامل!
يشرح وئام سليمان هذا السلوك قائلاً إنّه بالفعل قد يدفع ما يزيد عن 700 دولار أميركي ليحصل على تصريح سفر لإسرائيل مدته شهر واحد فقط والعمل هناك، فهو يعتقد أنه سيجني أضعاف هذا المبلغ إن تمكّن من الوصول إلى "المعلّم"، وهو المُقاول الإسرائيلي الذي كان يعمل لديه قبل اندلاع الانتفاضة الثانية.
يقول سليمان الذي يعمل في البناء والمقاولات لـ "السفير" إن يوميّته في إسرائيل لا تقل عن 500 شيكل يوميّاً، وهو مبلغ كبير عند مقارنته بالعمل المُتقطّع في غزّة، حيث لا تتعدّى يوميّة العامل في قطاع غزّة 50 شيكلا. لكنه يبدو حزيناً بعد تلقيه رفضاً أمنيّاً من إسرائيل، وعدم السماح بإصدار تصريح له.
إذ يتعيّن على جميع العُمّال والتجّار الذين يتقدمون بطلبات تصاريح لدخول إسرائيل أن يتمّ تمرير أسمائهم على المخابرات الإسرائيليّة، للتأكّد من عدم وجود أي شبهات سياسيّة حولهم، وقد رُفضت الكثير من الطلبات المُقدّمة للجانب الإسرائيلي من قطاع غزّة في هذا الصدد.