| 

تتذكّر انها عاهدته دوماً ألا تكون لسواه. لم تكن تظنّ يوماً أنها ستصبح زوجة شقيقه. لكن طائرات الاحتلال الاسرائيلي غدرت بزوجها، قصفت البيت الذي احتمى فيه هو ورفاقه خلال الحرب الأخيرة على غزّة، فأجبرها أهل زوجها على القبول بالزواج من شقيقه. حجّتهم هي الحفاظ على أحفادهم، على الرغم من أن وقتاً لم يكن قد مرّ على ولادتها ابنتها الثانية، بالكاد أربعين يوماً.
زواج "على السَكت"
تقول سارة (21 عاماً - طلبت عدم نشر اسمها الحقيقي) لـ "السفير" إن رائحة زوجها الشهيد ما زالت تطغى على ذاكرتها: "عندما استشهد زوجي، كنت حاملاً في الشهر الثاني، ولم أستطع أن أذهب إلى أهلي بسبب إقفال معبر رفح"، مشيرةً إلى أن أهلها يقيمون في إحدى الدول العربية المجاورة.
وتضيف سارة: "بقيت عند بيت حماي أهل زوجي، لأقضي أيام العدّة لديهم، بسبب عدم وجود أقارب لي في غزة. وظلّ مشروع السفر إلى أهلي هو ما يشغل بالي، إلا أنهم فاجأوني بعدما وضعت ابنتي الثانية مباشرة، بالتخيير ما بين الزواج من ابنهم أو السفر من دون حضانة ابنتيّ". تقول إنها اضطرت على الموافقة حرصاً منها على مستقبلهما.
تروي سارة: "تمّ عقد قراني بعد ولادتي لابنتي بأربعين يوماً فقط، وأُقيم حفل الزفاف في منزل أهل زوجي، ولم يُدعَ إليه سوى الأقارب". لم يمرّ على حياتها الجديدة سوى شهر واحد. ابنتها الكبرى التي تبلغ من العمر عاماً ونصف العام أصبحت متعلقة بعمها كثيراً، ما خفّف عن سارة ألم فقدان الزوج، كما ساعدها على أن تتقبل الوضع الحالي. تقول إنها تحاول أن تؤدي دورها كاملاً كزوجة، خاصةً أن زوجها لم يسبق له الزواج من قبل.

شهيد وثلاثة أرامل
قصة نهلة نايف (33 عاماً) أكثر غرابة من سابقتها. ترويها كالتالي: "زوجي، قبل استشهاده، تزوج أرملة شقيقه الشهيد لتربية أبناء أخيه، إذ قالوا أنه يجب الحفاظ عليهم من الغرباء، مُصبّراً إياي بالثواب والأجر في الآخرة. وبعد أقل من عامين على زواجه منها، استشهد أخاه الثاني فتزوج أرملته. وكما المرة الأولى، أكد لي أنه لم يفكر بالزواج منها إلا حرصاً على أولاد أخيه".
استشهد زوج نهلة في العام 2011 بعملية اغتيال اسرائيلية. وقد تبيّن لـ "السفير" أنها تسكن راهناً في بيتها، عاكفةً على تربية أبنائها الخمسة، رافضةً الزواج من أحد، مشيرةً إلى أن شقيق زوجها عرض عليها الزواج، لكنها رفضت: "تقبّل سلفي رفضي بكل صدرٍ رحب، ولم يجبرني أهله على القبول"، وفق ما قالت نهلة.
وتؤكد أنها تعيش الآن على نفقات الجميعات والمساعدات المخصّصة لعائلات ايتام الشهداء، صابرةً على ما أصابها.
أما بسمة عيد (25 عاماً) فقد مرّ على زواجها بشقيق زوجها الشهيد ما يقارب الستة أعوام. تقول لـ "السفير": " في بداية الأمر، عارضت بشدّة فكرة الزاوج من شقيق زوجي كونه يصغرني بعام وعزّابي لم يسبق له الزواج بعد". وكانوا قد عرضوا عليها الزواج بعد انتهاء عدتها مباشرةً، كي لا "يذهب" حفيدهم - ذو العام الواحد - إلى الغريب، كما قالوا.
ترى بسمة أن حياتها الآن تسير بشكل طبيعي، على الرغم من أن هاجس زواج زوجها من أخرى ما زال يقلقها، "كونه تزوج بأرملة منذ بداية حياته".

ظاهرة خلقتها الحرب
مسألة تزويج أرامل الشهداء من أشقاء أزواجهن هي ظاهرة بدأت بالتنامي بعد ازدياد أعداد الشهداء الذكور، وتكثيف الهجمات الإسرائيلية على غزّة في السنوات العشر الأخيرة، وفق ما يشرح الأخصائي الاجتماعي وليد شيبر.
ورغم الضغوط التي تمارس عائلياً واجتماعياً، يروي شيبر لـ "السفير" أن زواج أرملة الشهيد من شقيق زوجها يجب أن يكون أمراً هي تقرّره. أمرٌ "بالأساس عائد لها ولرغبتها، ولا يجوز إجبارها أو تهديدها بأخذ أبنائها منها إن لم توافق عليه". إذ يؤكد على أنها الأقدر على تحديد مصلحتها ومصلحة أبنائها إن كانت بالزاوج ـ خاصة إذا كانت صغيرة السن ـ أو بالبقاء على تربية أبنائها.
وعن مستقبل هذا الزواج إن تمّ بالإكراه، يقول شبير "إنه غالباً ما يستمر إما لخضوع الزوجة وسكوتها حفاظاً منها على عائلتها وتفادياً لتفكك أسري ستلحق بها تبعاته، أو لخوفها من نظرة المجتمع إليها وملاحقته لها في حال لم تتزوج من الشقيق أو طلبت الطلاق منه لاحقاً. ما يضطرها إلى تقبل الأمر الواقع والتعايش معه رغم مرارته".

نظرة قانونية
في البحث عن الحقوق والواجبات حتى الساعة في هذه المسألة، تشرح الباحثة القانونية في "مركز شؤون المرأة" سهير البابا أن القانون الفلسطيني كفل للمرأة الأرملة حقها بالعيش مع أولادها بشرط ألا تتزوج، منوهةً إلى أن جهل النساء بهذا الحق يجعلهن يوافقن بسرعة على هذا الزواج من دون النظر إلى تبعاته والحقوق التي يمتلكنها، ولو أن التبعات تكون اجتماعية أكثر منها قانونية أحياناً.
وعن المشاكل التي قد تواجه أرملة الشهيد في حالة عدم قبولها بالزواج من شقيق زوجها، توضح البابا أنه، وفق الحالات التي تقصد المركز، "معظم هذه الزيجات تكون طمعاً بالأموال والكفالات التي تأتي إلى أبناء الشهيد وزوجته، ما يدفع بالعائلات إلى إجبار الزوجة على التنازل عن حقوقها وحقوق أبنائها مقابل السماح لها بالعيش معهم وعدم طردها من المنزل".
وقد يصل الأمر في بعض العائلات إلى منعها من الخروج ونبذها وابتزازها بشتى الوسائل، مقابل أن تتنازل عن وكالتها لشقيق زوجها أو أبيه.. ما يضطرها في نهاية المطاف إلى الخضوع والموافقة، وفق ما أفادت البابا.
في المقابل، وفي القراءة التي تأخذ المستوى الاجتماعي بالاعتبار، يرى شيبر أن "هذا الزواج قادرٌ على أن يعود بالنفع على المجتمع والأسرة ما لم يكن هناك طمعٌ بحقوق اليتامي وميراثهم، فالأبناء يبقون في كنف عائلة أبيهم كذلك الزوجة تبقى مع أولادها". يرى أن "العمّ غالباً ما يكون أكثر حرصاُ ومراعاة لمصلحة أولاد أخيه"، ما يؤمن به كثيرون هنا.
وعن طرق الحدّ من المشاكل التي تنبع من هذا الزواج، يؤكد شيبر أنه "لابد من مراعاة مصلحة أبناء الشهيد وزوجته، إضافة إلى إعطاء الأرملة حريتها وحقها من البداية في تقرير مصيرها وليس إجبارها عليه، مع توفير احتياجاتها ونفقاتها في حالة عدم قبولها بالزاوج".
وفي ختام حديثه، أصرّ شيبر على أنه "يتوجب على المجتمع احترام رأي الزوجة في حال تزوجت بشخص آخر، ويجب السماح لأولادها بالعيش معها لحين بلوغهم سن الرشد، ثم إفساح المجال لهم لاختيار الجهة التي يرغبون بالبقاء معها"، منوهاً بأن "إجبار الام على ترك أبنائها له تأثير سلبي على نفسيتهم".