| 

كالعروس، تتزيّن مدينة غزّة وتكتسي حلّتها الرمضانية في هذه الأيام، وسط أجواء تضفي تغييراً على طابع هذه المدينة التي أرهقتها الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية العصيبة. فتجد فوانيس رمضان مُعلّقة على أبواب المحال التجارية التي تزودت بكل احتياجات المتسوقين، بينما تتسابق الأُطر الجماهيرية للتنظيمات الفلسطينية على إبراق التهاني والتبريكات لحلول شهر رمضان.

حراكٌ في السوق
على الرغم من تأخّر رواتب الموظفين التابعين للحكومة السابقة في غزّة، شهدت الأسواق الغزيّة انفراجة لا بأس بها قبل رمضان بأيام. فمن عادة الفلسطينيين أن يتسوقوا ويتجهّزوا باحتياجاتهم الأساسية لشهر رمضان قبل هلاله بيومٍ أو اثنين، في ليلةٍ يُطلقون عليها اسم "الوقفة". فيها، يخرج السكّان إلى الشوارع للتنزّه والتسوّق، وكذلك لتمتين صلة الأرحام وتقوية العلاقات الاجتماعية، في محاولة لإزالة الخلافات والمشاحنات الأسرية والاجتماعية جانباً، ولو لشهر.
من سوق الزاوية الواقع في وسط قطاع غزّة، تفوح رائحة خاصة بشهر رمضان. فهنا، امتلأت المحال عن بكرة أبيها بكل الأصناف الغذائية، والتمور، والعصائر، والبهارات. وشهد السوق حركة شرائية نشطة، ويتوقع التجّار أن يستمر هذا الإقبال على البضائع حتى آخر العشر الأوائل من رمضان. في العشر الأواسط، يتوقعون نوعاً من الركود، قبل أن تعود الحركة التجارية نشطة جداً في العشر الأواخر، استعداداً لعيد الفطر.
يأمل التجّار والباعة الغزيون أن تستمر الحركة الشرائية النشطة في الأسواق لأيام أكثر من المتوقع، وذلك لتعويضهم عن خسائر تكبدوها في الشهور السابقة جراء الركود الاقتصادي الذي عانت منه الأسواق، خاصة مع أزمة الرواتب. فيشرح التاجر أبو علاء لـ "السفير": "ننتظر شهر رمضان كلّ عامٍ بشوق كبير لما يتميّز به من بيع وفير ورزق جيد يتميّز عن رزق سائر أشهر السنة، فيكون الربح في شهر رمضان مضاعفاً ويعوضنا خسائرنا السابقة".
ولأن سكان غزة لا يتردّدون في رسم الفرحة على شفاه أسرهم خلال هذا الشهر، من المعروف أنهم قد يلجأون للسلف والدين من أجل قضاء حوائجهم الرمضانية.
ويجد الكثير من الباعة المتجولين فرصةً مميّزة في رمضان لمضاعفة العمل، والمساعدة في تحسين أوضاع أسرهم الاقتصادية. فيبادرون إلى بيع العصائر التي تشتهر بها غزّة في رمضان، مثل "عرق السوق"، و "الخروب"، و "البرد"، بالإضافة إلى حلوى الشهر الأساسية بالنسبة إلى الفلسطينيين، وهي "القطايف".
ومن بين العادات المتأصّلة لدى عائلات قطاع غزّة، تحضر "الفجعة"، وهي تسبق رمضان بيوم واحد. فيها، يتم إعداد إحدى الأكلات الفلسطينيّة الشعبيّة، كالمفتول والمقلوبة والمسخّن، وتتجمع الأسرة وجميع أقاربها حول مائدة طعام واحدة التي دعي إليها البنات المتزوجات والأبناء المتزوجون. وقد دأب الغزّيون على هذه العادة، وحافظوا على إحيائها عبر السنين، لتمتين صلة الرحم.
ويستذكر المؤرخ الفلسطيني سليم المبيّض العادات الرمضانيّة في غزّة، التي عاشها ودوّنها في مؤلفاته: "كان الناس يستقبلون الشهر الفضيل بفرحٍ شديد، حتى في نواحي الفقر المدقع الذي كان يلفّ سكّان غزّة بأحيائها العتيقة. لكنّ النكبة أثّرت على بهجة قدوم رمضان بسبب المآسي التي كان يعانيها السكان من بعده".

القذيفة الوحيدة التي تحبها غزّة
من مظاهر الاحتفال بشهر رمضان قديماً، تحضر تلاوة القرآن على مدار الساعة من مآذن الجوامع، فيما كان الناس يجتمعون لأداء الصلوات الخمس جماعة. وكانت أهمية خاصة خلال الشهر للمئذنة والمدفع، إذ كان الناس يترقبون ظهور رجل من المآذن، يلوّح ببيرقٍ بيده. وما أن يلوح مرةً أو اثنتين أو ثلاثاً، حتى ينطلق صوت المدفع مؤذناً بالإفطار؛ فيهلل الجميع له.
اعتاد الفلسطينيون قديماً الإفطار على صوت القذيفة التي تخرج من مدفع الإفطار وقت المغرب لتنهي يوم صيامهم. لكن، على الرغم من اقتناء مدينة غزة مدفعاً أثرياً مثبتاً على منصة رمزية أقامتها بلدية مدينة غزة قبل عدّة سنوات في وسط المدينة، إلا أنه سيبقى عاجزاً عن تلبية رغبة أهل غزه بإحياء تقليد يتذكره كبار السن في هذه المدينة الفقيرة، وذلك كون المدفع قديماً ومعطلاً.
يستذكر الحاج سليمان الناقة، في حديث مع "السفير"، كيف كان القائمون على هذا المدفع قبل احتلال القطاع في العام 1967، يخرجونه من مخزنه استعداداً لاستخدامه في رمضان: "كان المدفع يخرج في موكبٍ أشبه بمواكب الشهداء والمسيرات الكبيرة، وكان الأطفال يسيرون خلفه مسرورين حتى يصل إلى المكان المخصّص له. وبعد ذلك، يتم تنظيفه وتجهيزه استعداداً لتشغيله طيلة الشهر المبارك وأيام عيد الفطر السعيد. وعند إطلاقه ضربة الإفطار، كان الأطفال وحتى الكبار يتجمعون حوله، ويهتفون مسرورين بالإفطار".
وبحسب المبيض، فإن الجميع كانوا يهرولون سريعاً لبيوتهم حين يلوح الرجل ببيرقه للإفطار. وعندما ينتهون من تناول الإفطار، يتجمّع أطفال الحيّ مجموعات، وينشدون أزجالاً خفيفة يطلبون فيها ما يريدون، وكانوا يطلقون على هذا النشاط تسمية "العقد".
وفي عادة "العقد"، كان الأطفال يلفّون على البيوت، ويختارون شخصاً من البيت الذي يقفون أمامه، ويتقربون منه بكلمات جميلة. فيخرج أحد أصحاب البيت، ويقدّم لهم قطع الحلوى أو الفاكهة أو أي شيء يرضيهم. وهكذا، يتردّدون على بقية البيوت بشكلٍ يشيع البهجة والسرور.
في أيام شهر رمضان، يخرج سكان غزّة بعد أداء صلاة العصر إلى الأسواق، بينما يخرج الأهل والجيران للزيارات العائلية، يمضون الوقت بانتظار أذان المغرب. تزدحم الأسواق وتكتظ بالمتسوقين والبائعين، وتبقى هذه الحركة النشطة حتى قبيل موعد الإفطار بدقائق. عندها، تخلو الأسواق تماماً، إذ يتوجه الجميع إلى منازلهم لتناول الإفطار، ثم يعودون بعده إلى التنزّه في الشوارع وبين المحال التجارية.
ويؤدي عددٌ كبير من فلسطينيي غزّة صلاة المغرب جماعةً في المساجد، بعد الإفطار على بعض التمرات وشربة ماء. وهم بذلك يحيون سنّة النبي محمد. وبعد الصلاة، يتوجهون إلى بيوتهم ليتناولوا وجبة الإفطار مع عائلاتهم وأطفالهم.

طبخات يهتف لها الأطفال: هيييييه!
وجبة الإفطار الغزيّة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تخلو من عصير الخروب، وعرق السوس، والمخللات التي تصنع من الباذنجان والخيار والفلفل والجزر وثمار البطيخ قبل أن تُنضج، والتي يُسميها الفلسطينيون "العجر"، بالإضافة إلى شوربة "لسان العصفور" والتمر. فمهما كانت السفرة بسيطة أو غنيّة، هي لا تخلو من هذه الركائز الأساسية في أيّ بيتٍ فلسطينيّ.
ومن العادات الغامضة الأصول، أن يفطر أغلب الفلسطينيين في أول يوم من رمضان على طبخة "الملوخية". وعلى الرغم من أن الحاجة عفاف سليمان هي من أمهر الطبّاخات في غزّة، إلا أنها لم تجد مبرّراً لطبخها الملوخية في أول أيام رمضان. فتقول لـ "السفير" إن "العادة جرت على ذلك".
ومن الأكلات الفلسطينية المشهورة في رمضان: ورق العنب المحشو بالأرز، وهو ما يُسمّيه الفلسطينيون "الدوالي"، ومحاشي الكوسى والباذنجان، والمفتول، والمقلوبة، والفتّة، والسمك، لا سيما الصياديّة، وطبخة الباذنجان الشهيرة "المسقّعة"، والكبة، وغيرها من الأكلات الشعبية الشهيرة.
أمام مائدة شبيهة تنتظر الصائمين، يمكن للناظر إلى شرفات المنازل في غزّة وقت المغرب أن يلمس لهفة الصائمين لسماع صوت الأذان. يرتقبه الأطفال والنساء من شرفات منازلهم التي تظهر عليها علامات التشقق والإهمال. ينتظرونه على أحرّ من الجمر، ليُرافق الأذان لحظة صدوحه صياح الأطفال: "هيييييييه"، فرحين بصوت المؤذن الذي أنهى أكثر ما يزيد عن 16 ساعة صوم شاقة.
لكن، إن سُمع صوت أذان المغرب في هذا المخيم، فقد لا تسمعه منطقةٌ أخرى من قطاع غزّة. فالتيار الكهربائي ينقطع يومياً ما بين 8-12 ساعة، ولا يمتلك بعض المساجد مولّدات كهربائية لتقيم الأذان. وفي أحياء أخرى، يطغى صوت المولدات على كلّ شيء آخر: في البيوت، تتدلى أسلاك ووصلات الكهرباء من أسطح المنازل وفي داخل الغرف للتغلّب على المشكلة. لمشكلة الكهرباء حضورٌ ثقيل في رمضان غزّة.

فلتقصر الخطبة.. المسلسل ينتظر!
بعد الإفطار، يجب على المرء أن يبقي متنبهاً في أثناء التجوّل بين الأزقة والشوارع العتيقة للمخيمات الفلسطينية في غزّة. فإما يقذف طفل من الأطفال بألعاب نارية أسفل الأقدام، أو تصيب المارة شرارة "سلكة الجلي" التي يتفنن الأطفال في سرقتها من مطابخ بيوتهم وإشعالها في الشوارع والتلويح بها. بها، يبحثون عن أدنى قدر متاح من وسائل الترفيه والسعادة في الشهر السعيد. وفي الحقيقة، هم وحدهم الذين يبثون الأجواء الرمضانية المميزة في غزّة، بعفويتهم.
هذه المرة، يختلف شهر رمضان بالنسبة إلى أطفال غزة الذين كانوا قد اعتادوا على أن ينتشروا في الشوارع والحارات ليلهوا بألعابهم وأصواتهم. فهم أيضاً مهمومون.
للتو، أنهى أحمد (14 عاماً) تجهيز فانوسه الرمضاني الخاص، الذي صنعه من علبة فول فارغة، إذ قام بتخريقها على شكل هلال، وأشعل بداخلها شمعة قديمة. يقول أحمد إن والده عاطل من العمل، وبالكاد تستطيع والدته تدبّر نفقات بيتها من أهل الخير في معسكر خان يونس للاجئين جنوبي القطاع. ولهذا، لم يجد ثمن فانوس رمضان الذي يُباع جاهزاً يسيراً. لكن نقص الإمكانيات هذا لم يمنعه من صناعة لعبته الخاصة، وعلى طريقته التي أتقنها أطفال غزة منذ القدم.
كذلك، الناس في غزّة تتابع المسلسلات الرمضانية بشغفٍ كبير. وعندما تدمن المدينة مسلسلاً، لا يجد الناظرون نفراً منهم في الشارع، حتى أن بعضهم يشترط على إمام المسجد ألا يُطيل في الصلاة كي لا يفوتهم مشاهدة المسلسل.
وخلال شهر رمضان، يجتهد الفلسطينيون في تزيين مدينتهم وجدران منازلهم المتشقّقة جرّاء شدّة القصف الإسرائيلي المتكرّر، فيعلّقون فوانيس رمضان أمام المحال التجارية وأسفل شرفات المنازل، كما يرفعون الأعلام الفلسطينية ويعلقونها في حبلٍ طويل يمتدّ من شرفة أحدهم إلى أخرى. كما يكتبون التهاني على الجدران، فنقرأ مثلاً في إحدى الحارات القديمة: "الحاج أبو سامي يهنئ الأهل والأقارب وسكّان المنطقة بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك".
ويتسابق أهل الخير في غزّة خلال الشهر على إقامة الموائد الرمضانية للفقراء والمساكين، فتنتشر بكثرة في الأماكن العامة وعند المفترقات الرئيسية في المدينة. ويقبل عليها الفقراء ومن لا يجدون زادهم، وكذلك ممن تأخروا في عملهم ولم يلحقوا بالإفطار في منازلهم.
قبل الإفطار بدقائق، بالكاد يستطيع المرء المشي في أزقة غزّة وشوارعها، لما تشهده المدينة من ازدحامٍ خانق. يتكدّس المواطنون أمام المحال التجارية وأفران الخبز، وكلهم على عجلة من أمورهم. وفي الوقت ذاته، تجدهم مفزوعين من حدوث غارة إسرائيلية على سيارة أو بيت هنا أو هناك، فكثيراً ما تحدث هذه الاغتيالات قُبيل أذان المغرب.

المسحّراتي يحضر، و "الفكّة" تختفي
من العادات المميّزة التي يتمسّك بها أهل غزّة هي "المسحراتي". يتطوّع عشرات الرجال ليقوموا بدور المسحّراتية خلال الشهر، يلبسون زيّاً تراثيّاً فلسطينيّاً، يحملون طبلاً من نوع خاص، ويعملون على إيقاظ السكان خلال موعد السحور، مردّدين عبارات بات تكرارها وثباتها يبث السرور والطمأنينة وقت الفجر: "اصحى يا نايم وحّد الدايم"، مثلاً.
هناك عددٌ من المسحّرين الذين يلجأون إلى نوع من الفكاهة خلال إيقاظ الناس، فمنهم من يُغني للبطالة والأوضاع المعيشية الصعبة في القطاع.
السبعيني أبو حامد ما زال يعكف منذ أكثر من ثلاثين عاماً على التجوال في أزقة المدينة طارقاً "تنكته" الحديدية المهترئة قبل أذان الفجر، داعياً الناس للاستيقاظ واللحاق بالسحور قبل أن يُداهمهم صوت أذان الفجر. يردد بعض العبارات الدينية، منها "يا عباد الله.. قوموا إلى سحوركم يرحمكم الله". كما يدعو على الأهالي كل باسمه ولقبه للقيام، فتجده يُردد تارة: "إصحى يا أبو هاني"، وطوراً: "رمضان كريم يا أبو محمد".
وبعد انقضاء الشهر الفضيل، يجمع أهالي كلّ حيّ في غزّة ما تيسر من نقود ويعطونها للمسحراتي الذي أيقظهم للسحور، تقديراً لجهوده اليومية في تنبيههم لموعدي السحور والأذان.
ورغم أن المسحراتي أبو حامد (72 عاماً) لا يتلقى أيّ أجرة من أيّ جهة رسمية لقاء عمله هذا، بيد أنه يرجو الأجر والفضل من الله، ويقول لـ "السفير": "لا يمكنني ترك عادتي التي ورثتها عن والدي في إيقاظ الناس للسحور".
ومن العادات المميزة التي توارثها أهل غزّة في رمضان، "إخراج" وجبات الإفطار قُبيل أذان المغرب بدقائق معدودة. فتشرح أم محمد: "لا يمكنني أن أقدّم وجبة الإفطار لعائلتي قبل أن أقوم بإخراج صحن من كلّ صنف طعام لجيراننا الفقراء".
بالإضافة إلى ذلك، يعاني المواطنون في غزة من أزمة "فكّة" خلال شهر رمضان، بسبب احتكار بعض التجار والباعة المتجولين لهذه الفئات الصغيرة من العملة، كونها تساعدهم في عملهم اليومي. بالتالي، تتولد الأزمة، وتبدو جلية في وسائل المواصلات والمحال التجارية.
لا شكّ بأن شهر رمضان يُعيد إلى ذاكرة الغزّيين وقع الحرب الإسرائيليّة الأخيرة التي شُنت على القطاع خلاله في العام الماضي، والتي خلّفت آلاف الشهداء والجرحى. هؤلاء الشهداء والجرحى، كما الأسرى، هم سكّان كلّ بيت في غزّة. مهما حاول أهله الفرح، تبقى لهم ناحية من الأسى في رمضان. كما أن الحرب لم تصبح ماضياً بعد. هم لا يتوقعون أن يمرّ الشهر الكريم هذا العام من دون أن يستبيح الاحتلال أمنهم النسبيّ.. ناهيك عن تخوّفهم المستمر من أن يُعيد الاحتلال الكرّة ويشن حرباً جديداً في رمضان.