| 

للوصول إلى مكتب "مركز التنمية الإنسانية" الواقع في "مخيم مار الياس" للاجئين الفلسطينيين في لبنان، على المرء أن يسلك أزقّةً ضيّقة ومتعرّجة لا يصلها إلا القليل من نور الشمس. على جانبيها، بالكاد تقف على قدميها بيوتٌ صغيرة هي اشبه بعلب الكبريت، بنيت بطريقة عشوائية لإيواء النازحين الفلسطينيين الذي لجأوا إلى لبنان منذ العام 1948. ولولا وجوه بعض الأشخاص الذين يطلّون من وراء الشبابيك لمعرفة من القادم إلى مخيمهم، ولولا بعض الأطفال الذين يخرجون من بيوتهم ويدخلونها بسرعة وهم يلعبون ويضحكون، لحسبت/ي نفسك أنك تمشي/ن في غابةٍ من الباطون لاحياة فيها.
في "مركز التنمية الإنسانية"، يجلس سهيل الناطور والغليون لا يفارق فمه. ضحكته دائمة، وقد غزا الشيب رأسه. ما زالت في قلبه غصّة أنه لم يستطع أن يحقق حلماً سعى لتحقيقه مراراً. أراد أن ينفّذ عملية عسكرية داخل الأراضي المحتلّة، مع أن نضاله في مجالات أخرى يوزاي بأهميته الالتحام المباشر مع جنود العدو. أخذ النضال من أجل فلسطين حياة سهيل الناطور كلها. تزوّج من سحر جراب بعدما تجاوز الخامسة والأربعين من العمر. أتت ثمرة هذا الزواج صبياً وبنتاً، رغيد وروى. جال "ملحق فلسطين" في حياة سهيل الناطور، وأتاكم منها بهذه الحصيلة.
حاوره: نبيل المقدّم
• أخبرنا عن طفولتك.
ولدت في 15 أيار 1947 في عكّا، أيّ قبل النكبة بعام واحد تماماً، فتصادف خروج عائلتنا من فلسطين في العام 1948 مع الذكرى الأولى لميلادي. جئنا إلى لبنان، وسكنا أولاً في بلدة مزبود في منطقة إقليم الخروب عند عمّي شقيق والدي الذي كان متزوجاً من سيدة لبنانية من تلك المنطقة. كانت عائلتنا مثلها مثل كلّ العائلات التي نزحت إلى لبنان من فلسطين محطّ ترحيب من الفئات الشعبية اللبنانية التي فتحت لنا بيوتها، وسخّرت كلّ إمكاناتها من أجل اللاجئين الفلسطينيين. قبل خروجنا من فلسطين، كان والدي يعمل موظفاً في "شركة سكة الحديد". وعندما خرج من فلسطين، أخذ معه مدّخراته من الليرات الإنكليزية، فأعانتنا على تأمين متطلبات العيش في السنة الأولى من لجوئنا في لبنان. ولكن، مع الوقت، بدأت هذه المدّخرات بالنفاد، ما فرض على والدي البحث عن عمل. فانتقلنا إلى بيروت وسكنّا في منطقة صبرا، حيث افتتح والدي دكاناً صغيراً له في منطقة البسطة، وقام بإدخالنا أنا وشقيقي إلى مدرسة رسمية بالقرب من مكان عمله. كان والدي شخصاً مثقفاً لا يفارق الكتاب يده، وكان يشجعنا دائماً على المطالعة. كان يحب أن يناقشنا في ما نقرأه. وهو كان يعتبر أن العلم هو السلاح الأساسي في المعركة ضد إسرائيل. وأذكر هنا، من شدّة حبي للمطالعة، أنني قرأت "المنفلوطي" وأنا لي من العمر سبع سنوات. أما دور والدتي في تلك المرحلة فكان تنشئتنا على حبّ فلسطين، من خلال القصص التي كانت ترويها لنا عن المدن الفلسطينية والتراث الفلسطيني.
دخول السياسة من سؤال في المخفر

• شكّلت وفاة والدك نقطة تحوّل في حياة العائلة. كيف تقرأها اليوم؟
في العام 1959، توفي والدي فجأة. بعد وفاته، اجتمعت العائلة وقررت أنه يجب عليّ أن أساعد والدتي في إدارة الدكان الذي تركه لنا الوالد. بالإضافة إلى ذلك، كان القرار بأنه يتوجب عليّ أن أتابع دراستي في المدرسة مهما كانت الظروف، وحتى لو اقتضى الأمر أن يترك أخي المدرسة ويتفرّغ كليّاً لمساعدة والدتي في الدكّان. وكنت يومها من المتفوقين في الدراسة. فصرت أذهب إلى المدرسة قبل الظهر، وأساعد والدتي في الدكان بعض الظهر.

• صف لنا حياة المخيم حيث ترعرت. ماهي أبرز ملامح تلك المرحلة؟
في مخيم صبرا حيث نشأت، كانت أجواء الانقسام الطبقي ظاهرة للعيان بين أبناء المخيم. فمع أن سكّان المخيم كانوا كلّهم من الفقراء الذين يعتاشون من مساعدات جمعية "الأونروا"، فإن الخلافات ما بينهم كانت دائماً تطفو على السطح بين هؤلاء الذين نزحوا من الريف وأولئك الذين نزحوا من المدن، وكان محورها شعور أبناء المدن بأن لهم الحق بأن يكونوا المتحدثين باسم المخيم وتقرير شؤون ابنائه.
في ذلك الوقت أيضاً، كانت المنطقة تشهد بروز نجم جمال عبد الناصر الذي ربط الحديث عن فلسطين بفكرة القومية العربية. في ظلّ هذه الأجواء، نزلنا إلى التظاهرات المؤيدة للوحدة المصرية ـ السورية، كما تظاهرنا أيضاً ضد الانفصال. أذكر في إحدى التظاهرات التي شهدها العام 1961، اشتبكنا مع الدرك الذي تدخّل لقمعنا، وقام باعتقال عدد كبيرمن الطلبة بينهم أنا. تم نقلنا إلى مخفر البسطة، وبعد توقيف استمر لعدة ساعات، أطلق سراح المعتقلين باستثنائي أنا وزميل لي في الصف. وعندما سألت عن سبب إبقائي معتقلاً، أجاب أحد عناصر المخفر: "لأنك فلسطيني". وانهال علينا بالضرب أنا ورفيقي الذي كان سبب إبقائه مسجوناً هو الأخر أن والده كان عضواً في "الحزب السوري القومي الاجتماعي". وكان "القوميون" في ذلك الوقت ملاحقين بتهمة القيام بمحاولة انقلاب ضد السلطة. بقينا مسجونين حتى اليوم التالي، ولم يطلق سراحنا إلا بعد تدخّل مدير مدرستنا. أذكر أن بعض الذين حققوا معنا في المخفر كانوا من أبناء جيراننا في منطقة صبرا. وكان أسلوبهم في التحقيق فظاً وقاسياً. شكّلت هذه الحادثة صدمةً قاسية لي، وقادتني إلى سؤال كبير لم أطرحه على نفسي قبلاً، وهو: "ما معنى أن تكون فلسطينياً مهجّراً من بلدك؟". وبعد بحث طويل، عثرت على الجواب في كتابٍ بعنوان "القضية الفلسطينية" لمؤلفيه محسن ابراهيم ومحمد كشلي. من خلال هذا الكتاب، تعرّفت إلى "حركة القوميين العرب"، وبدأت علاقتي تتوثق ببعض الشبان اللبنانيين والفلسطينيين المؤيدين للحركة، ومن بينهم فيكتور سحاب الذي دعاني لحضور اجتماعٍ يتحدث عن القضية الفلسطينية.
في هذا الاجتماع، علمت بوجود خلية سرية اسمها "جبهة التحرير الفلسطينية ـ طريق العودة"، وأن المشرف عليها هو صحافي فلسطيني يعمل في مجلة "الحوادث" اللبنانية اسمه شفيق الحوت. وعرفت أنها تؤمن بأن الكفاح المسلح هو الطريق لتحرير فلسطين. وبعدما أصبحت عضواً في الجبهة، تبدّلت عندي الأولويات. فبعدما كنت أؤمن بأن الوحدة العربية هي الطريق لتحرير فلسطين، أصبحت مقتنعاً بأن العمل من أجل فلسطين يحقق الوحدة العربية. وكان ذلك في العام 1963.
وقتها، كانت التحضيرات جارية لإطلاق "منظمة التحرير الفلسطينية". وكانت التعليمات المعطاة لنا في تلك المرحلة تقضي بضرورة العمل على استقطاب أكبر عدد من شباب المخيمات الفلسطينية، وتحضيرهم للانخراط في الكفاح المسلّح لاسترجاع فلسطين. وكذلك، كانت الأوامر تقضي بالسعي دائماً إلى إحياء المناسبات الوطنية الفلسطينية في المدارس، وخاصة ذكرى 15 أيار. وفي تلك المرحلة أيضاً، بدأنا بالتدرّب على تحمّل المشقات الجسدية. وقد جرى أكثر من مرة تنظيم رحلة مشي سيراً على الأقدام من بيروت إلى صيدا. وفي ما بعد، علمنا أن هذا التدريب هدفه تعويدنا على حمل الأسلحة والمشي به لمسافات طويلة. وكان السلاح وقتها قد بدأ يصل الى المخيمات الفلسطنية.
العربية، الفارسية، ثم العبرية

• بين العمل في مكتب "منظمة التحرير" في بيروت والدراسة في "الجامعة العربية"، حصل تطور في عملك النضالي. كيف تصف تلك الفترة؟
في العام 1964، فزنا أنا وصديقي فيكتور سحّاب بمنحة دراسية في الجزائر. وكنت يومها أطمح لأن أتخصص في مجال الطبّ. ولكن حلمي لم يتحقق بسبب وضع عائلتنا الماديّ الصعب. ما فرض عليّ عدم السفر والبقاء هنا لمساعدتها في تأمين مصاريفها. بعدما طار حلم السفر، انتسبت إلى كلية الآداب في "جامعة بيروت العربية"، واخترت التخصص في اللغة العربية وآدابها. وعلى الرغم من وضعنا الماديّ الصعب، كنت من المتفوقين في الدراسة. ما دفع شفيق الحوت، الذي كان قد أصبح مديراً لمكتب "منظمة التحرير الفلسطينية" في بيروت، بأن يطلبني للقائه ويعرض عليّ وظيفة في مكتب المنظمة، لقاء راتبٍ شهري يعينني على مساعدة عائلتي وتأمين مصاريف الدراسة.
كان منهج الدراسة في كلية الآداب يتضمن، إلى اللغة العربية وآدابها، دراسة الأدب الفارسي، فبدأت أتعلم اللغة الفارسية. وفي السنة الثانية، علمنا أن هناك مدرّساً جديداً حضر إلى الجامعة، يتقن اللغة العبرية، وأن هناك نية بافتتاح قسم لدراسة اللغة العبرية. وجدت أنه من الضروري إتقان لغة العدو لما لذلك من فائدة في فهم طبيعة أفكاره ومخططاته بشكل أعمق. فشجّعنا عدداً كبيراً من الشباب الفلسطيني في الجامعة على دراسة هذه اللغة. وهكذا، تكوّنت في أقل من عام مجموعة لا بأس بها من الشباب الفلسطيني تتقن لغة العدو، تحدّثاً وكتابة.
كانت "الجامعة العربية" في ذلك الوقت تغلي بالحماسة للكفاح المسلح الفلسطيني. وكانت هناك دعوات دائمة للتظاهر دعماً للقضية الفلسطينية، وكانت هذه التظاهرات تواجه دائماً بالقمع من قبل السلطات اللبنانية. خلال إحدى هذه التظاهرات، تعرّضنا لهجوم من رجال "المكتب الثاني"، وقام أحدهم بضربي بعصا غليظة على رأسي، وسال الدم منه غزيراً. وعلى الأثر، قام رفاقي بنقلي إلى "مستشفى المقاصد" لتضميد جراحي، ثم خبّأوني في أحد المنازل بعيداً عن أعين "المكتب الثاني". بعد عدة أيام على هذه الحادثة، اعتقلني رجال "المكتب الثاني" على باب المخيم في منطقة صبرا، وقد كنت يومها عائداً من الجامعة. وفي أحد المراكز الأمنية، جرى التعرّض لي بالضرب، وكانت التهمة توزيع مناشير سرّية تحرّض على الدولة اللبنانية، مع العلم أنهم لم يجدوا معي حينها سوى أوراقي وكتبي الجامعية. استمر اعتقالي ساعات عدة ولم يتم اطلاق سراحي إلا بعد تدخّل من شفيق الحوت.
في ذلك الوقت، كنا قد بدأنا نسمع همساً في داخل مخيم صبرا عن وصول بعض قطع السلاح الفردي إلى أشخاص معينين داخل المخيم، وأننا مدعوون إلى التدرّب على استعمال هذا السلاح. وكان عدد من الشباب الفلسطيني في المخيم قد التحق بشكل سري بحركة "فتح". وفي تلك الفترة أيضاً، تعرّفنا الى الكاتبة الفلسطينية الكبيرة المرحومة سميرة عزام، التي كانت تدعونا دائماً إلى أن نصبّ تفكيرنا بالدرجة الأولى على قضية فلسطين، وبعدها تأتي القضايا العربية. وقد كان لهذا التوجه أثر كبير في سلوكنا الوطني في ما بعد.
كاتم الأسرار يرى "الكلاشنكوف"

• كنت من ضمن المجموعة الضيّقة التي كانت تعلم بوصول أسلحة إلى الفلسطيينين في لبنان. كيف حدث ذلك؟
في العام 1966، عيّن المقدم في "جيش التحرير الفلسطيني" محمد الشاعر مسؤولاً عسكرياً في مكتب "منظمة التحرير الفلسطينية" في بيروت، واختارني أن أكون كاتم أسراره، بالاتفاق مع شفيق الحوت. وكانت هذه الاسرار هي عبارة عن الأماكن التي كان يخفي فيها ما يشتريه من تجار السلاح، تمهيداً لاستعمالها في عمليات ضد إسرائيل. وبالإضافة إلى عمليات شراء الأسلحة، باشر محمد الشاعر عمليات تدريب لبعض الشباب الفلسطيني على العمل العسكري، وكان ذلك يتم تحت ستار النشاط الكشفي. وأذكر مرة ذهبنا إلى عنجر، ومن هناك قمنا باجتياز الجبال الفاصلة بين سوريا ولبنان، كجزء من عمليات التدريب على الأعمال الفدائية. كما أجرينا تدريبات على العمل الأمني السرّي، ووزعنا منشورات تتحدث عن العمليات الفدائية داخل فلسطين المحتلة. وكانت هذه المنشورات توزع ليلاً وبالسر على البيوت والمحال في مخيم صبرا ومحيطه. كانت السرية في ذلك الوقت مطلوبة في ظل الرقابة التي كانت تفرضها الأجهزة الأمنية اللبنانية على الفدائيين الفلسطينيين، وقد كان أحد نتائجها استشهاد المناضل جلال كعوش تحت التعذيب في السجون اللبنانية.
بعد حرب العام 1967، بدأ العمل الفدائي يبرز بقوة أكثر، وبدأنا نرسل مجموعات من الشباب الفلسطيني للتدرّب في المعسكرات السورية. وكنا قبل ذلك قد اتخذنا من فيلا الرئيس السابق لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" أحمد الشقيري في بلدة كيفون مقرّاً لتدريب هذه المجموعات. وفي أحد الأيام، فوجئنا بتطويق الفيلا من قبل الجيش اللبناني الذي طلب منا التوقف عن عمليات التدريب بحجة الخوف من أن تستهدف إسرائيل الفيلا.
في تلك الفترة، عزمت على أن أصبح فدائياً. وبات حلمي القيام بعمليات ضد العدو في فلسطين المحتلة، وقرّرت الذهاب للتدرّب في سوريا. لكن شفيق الحوت أصرّ على بقائي في مكتب "منظمة التحرير" في بيروت، وقال لي: "وجودك بيننا ضرروي وأساسي، فأنت كاتم أسرار المكتب والمشرف على أماكن تخزين الأسلحة، ومن الصعب أن نمنح غيرك أو ثانياً ثقتنا بسهولة". وبالحديث عن عمليات تخزين الأسلحة، أذكر يوم وصل إلينا "الكلاشينكوف"! فرحنا به فرحاً عظيماً، واعتبرناه سلاحاً استراتيجياً سيكون له دور حاسم في عملية تحرير فلسطين. كانت عمليات تخزين الاسلحة تتم في أماكن عدد سكانها قليل ولا يقصدها الناس إلا نادراً. فحصرنا حق الذهاب إلى هذه الأماكن بالأشخاص الذين يملكون مفاتيح البيوت والمحال التي توجد فيها الأسلحة. وفي تلك الفترة، كثرت رحلاتي بين لبنان وسوريا في إطار برنامج التعبئة لاستقطاب أكبر عدد من الشباب الفلسطيني للعمل الفدائي. هذه المهمة جعلتني أشعر براحة نفسية، وشكلت لي تعويضاً عن الحلم الذي لم يتحقق، ألا هو القتال في فلسطين.

• ثم ذهبت للعمل في السعودية، وهربت منها. ماذا حدث؟
في العام 1970، وبعد تخرّجي من "الجامعة العربية"، ذهبت للعمل في السعودية كمدرّس للغة العربية في إحدى مدارس شركة "أرامكو". هناك، تعرّفت إلى عدد كبير من الأجانب، وفوجئت بتعاطفهم الكبير مع القضية الفلسطينية! ما شجّعني على تنظيم حملة تبرّع في المجمّع الذي كنت أسكن فيه، دعماً للقضية الفلسطينية. وعندما وصل الخبر إلى السلطات الأمنية، أمرت باعتقالي. كان مدير الشرطة في المنطقة الشرقية صديق لي، فاتصل بي لمّا أتاه الأمر باعتقالي، وطلب مني مغادرة البلاد في مهلة أقصاها 48 ساعة. فشكرته، وعدت إلى بيروت بعد عامٍ أمضيته في السعودية.
أستاذ فرنسيّ أنقذه في "اليسوعية"

• أخبرنا عن عملك في "مركز الأبحاث الفلسطينية" الذي قادك إلى "الجبهة الديموقراطية".
بعد عودتي من السعودية، ذهبت إلى مركز "منظمة التحرير" في بيروت على أمل العودة للعمل هناك. لكن شفيق الحوت قرر إرسالي إلى "مركز الأبحاث الفلسطينية" الذي كان يتحضر لإصدار مجلة "شؤون فلسطينية". وبانتظار اكتمال التحضيرات لإصدار المجلة، طلب مني المساهمة في إصدار مجلد "يوميات فلسطينية" الذي كان عبارة عن كتاب ضخم يصدر كلّ ستة أشهر، ويتضمن أبرز أخبار فلسطين، يوماً بيوم، كما تم تناولها في أبرز الصحف العربية والعالمية، بالإضافة إلى التعليقات السياسية. كان العمل في هذا المجلد ممتعاً للغاية، وقد أكسبني خبرة واسعة في الشأن السياسي الفلسطيني.
في تلك الفترة، عاد العمل الفدائي ليعنّ على بالي مجدداً. وعندما علم مدير "مركز الأبحاث الفلسطينية" الدكتور أنيس الصايغ بالأمر، أرسل ورائي، وأقنعني بضرورة البقاء في المركز، وكانت مجلة "شؤون فلسطينية" قد أوشكت على الصدور. كان معظم العاملين في مركز الأبحاث من ذوي الأفكار اليسارية، وكان عدداً منهم أعضاء في "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين"، وبينهم رئيسي المباشر في العمل "الدكتور جميل" الذي تأثرت به جداً. وكان هذا التأثر سبباً في انتمائي إلى "الجبهة الديموقراطية" في العام 1970. وأتى إتقاني للغتين الإنكليزية والفرنسية سبباً لأن يطلب مني مدير المركز أن أؤدي دور المترجم المباشر خلال زيارات الوفود الأجنبية للمركز.
وبعد فترة من وجودي في المركز، أخبرني الدكتور "جميل" بأنه سيعيّن مديراً لقسم الإعلام في "الجبهة الديموقراطية" وطلب مني أن أكون معه في هذا القسم مسؤولاً في قسم الإعلام الأجنبي. فصرت أمضي وقتي بين "مركز دراسات الوحدة الفلسطينية" قبل الظهر ومركز "الجبهة الديموقراطية" بعد الظهر. وكان أول ما تعلّمته في قسم الإعلام الأجنبي أن الإطلالة على الرأي العام العالمي تتطلب اعتماد لغة مكثفة وواضحة ومنطقية لا ضرروة فيها لمراعاة شعور هذا أو ذاك.

• ما قصة التهديد الذي تعرضت له في "الجامعة اليسوعية"؟
قبل بدء الحرب الأهلية، تسجّلت لدراسة الحقوق في "الجامعة العربية". وبعدما حصلت على شهادة "الليسانس"، انتقلت إلى "الجامعة اليسوعية" لنيل شهادة الماجستير، وكنت من المتفوقين. ويبدو أن تفوقي كفلسطيني أزعج "حزب الكتائب" فقرر إيقاع الأذى بي، أنا وطالب آخر من "الحزب الشيوعي اللبناني" كان متفوقاً أيضاً. ظهرت هذه الأجواء العدائية ضدنا، ويبدو أن الخبر وصل الى أحد أساتذتنا، وهو فرنسيّ الجنسية. فأرسل تحذيراً لنا بأن "الكتائبيين" في المنطقة يتسلّحون، وأنهم قرّروا تصفيتنا جسدياً. فكان أن ابتعدنا عن الجامعة، ولم يتسنَّ لنا بعد ذلك اكمال الدراسات العليا.

• خلال الحرب الأهلية، كدت أن تصبح فدائياً. ولكن الحلم طار مرّةً أخرى. كيف حدث ذلك؟
خلال الحرب الأهلية، أقفل مركز الأبحاث، وأصبح عملي يتركز على مركز الإعلام في "الجبهة الديموقراطية"، وكان الجزء الأكبر منه يتمحور حول متابعة أخبار الجبهات العسكرية. وبعد سقوط تل الزعتر، عادت الرغبة بالعمل العسكري لتتملكني بقوة من جديد. فالتحقت بأحد معسكرات "الجبهة الديموقراطية" في منطقة النبطية، وكان دوري هو المسؤول اللوجستي والثقافي والتعبوي. وقد بقيت في هذا المركز حتى العام 1981. في أثناء وجودي في النبطية، وجدت الفرصة مناسبة لتحقيق ما لم أستطيع تحقيقه من قبل، وهو أن أكون فدائياً. رحت أقصد مواقع المقاومة الفلسطينية في منطقة العرقوب، والتحقت بإحدى المجموعات الفدائية التي كانت تتجهز للقيام بعملية داخل الأراضي المحتلّة. وعندما حانت ساعة الصفر، اقتربت المجموعة من مواقع العدو، ولكن أمرها انكشف، ما جعل العدو يشعل المنطقة بنيران المدفعية. اضطررنا على الانسحاب بعد اشتباكٍ مع جنوده دام حوالي الساعة سقط لنا خلاله جريح.
3 لقاءات مع إسرائيليين في "الاجتياح"

• أخبرنا عن تجربتك خلال الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982.
في اجتياح العام 1982، فوجئنا بسرعة التقدّم الإسرائيلي، ومحاصرته لبيروت. في تلك الفترة، أصبح الجو عسكرياً بالكامل، بحيث أصبحنا نحن الإعلاميين نحمل السلاح أيضاً ونشارك في أعمال الحراسة والدوريات. وفي إحدى المرات، قرّر زميل لنا أن يكون مركزه على خطوط التماس، في مواجهة جنود العدو. فأخذ مكبّراً للصوت، وتوجّه به إلى أحد مواقعنا بالقرب من السفارة الكويتية. لم يكن يفصله عن مواقع العدو سوى أمتار قليلة، فراح يخاطبهم عبره بشكلٍ يوميّ مبيّناً لهم أهداف عدوانهم على لبنان. وكانوا بدورهم يجيبونه بالطريقة نفسها. وبنتيجة هذه النقاشات، حصل اتفاق بين زميلنا الاعلامي وأحد ضبّاط العدو على تبادل الصحف يومياً. فكان اللقاء يتم يومياً في منتصف خط التماس، يتبادلان الصحف اللبنانية والإسرائيلية، ويعود كلّ منهما إلى موقعه.
وأذكر أيضاً في تلك المرحلة أنني ذهبت مرّة للقاء صحافيّ ألمانيّ كان موجوداً في بيروت لتغطية أحداث الاجتياح. فوجدت عنده الصحافي الإسرائيلي يوري أفنيري، الذي أسّس في ما بعد "حركة السلام الآن". وكان أفنيري قد وصل إلى بيروت الغربية عن طريق المتحف، ونزل في أوتيل "كومودور". وبعدما تعارفنا، طلب مني تأمين مقابلة له مع ياسر عرفات. فذهبت إلى مقرّ قيادة "حركة فتح" لإعلامهم بالأمر، وهناك وجدت أبو عمار عائداً من جولة تفقدية له على مواقع المقاتلين. أعلمته بوجود الصحافي الإسرائيلي بيننا، فكان أن وافق ومن دون تردّد على إجراء حديث صحافي معه أدّيت فيه دور المترجم.
بالإضافة إلى أفنيري، تعرّفت أيضاً خلال الاجتياح على الصحافي الأميركي توماس فريدمان، ورافقته في كلّ جولاته تقريباً في بيروت الغربية. وكان فريدمان شخصاً شجاعاً، بحيث كان يستوقف الناس في الشارع، ويطلب منهم أن يقولوا رأيهم بصراحة بعدما يعرّفهم على نفسه وعن كونه من أصولٍ يهودية.
إحدى الممرضات همست في أذني..

• أخبرنا عن حادثة تفجير مركز دراسات الوحدة الفلسطينية في شباط العام 1983
بعد خروج "منظمة التحرير الفلسطينية" من بيروت، أصبحت ملاحقاً من قبل أجهزة الأمن اللبنانية، شأني شأن عدد كبير من القيادات الفلسطينية التي قرّرت البقاء في بيروت. فكان أن ذهبت للاختباء في منزل صحافيّ هولندي في منطقة الحمراء، وبقيت عنده أسابيع عدة، إلى أن قرّر هو مغادرة بيروت مع زوجته. بعدها، انتقلت للاختباء إلى منزل مدير وكالة "أسوشيتد برس" في بيروت، وكان حينها أميركي الجنسية، وقد رحّب بي في بيته. بعد ذلك، قامت إحدى الرفيقات في "الجبهة الديموقراطية"، وهي لبنانية، باستئجار منزل في منطقة الحمراء، وطلبت مني الإنتقال للسكن فيه، بعدما أمّنت لي هوية مزورة.
حملت هذه الهوية خلال تنقلي بين المنزل و "مركز الأبحاث الفلسطينية" الذي أعيد افتتاحه. وكان أول عمل قمنا به بعد افتتاح المركز هو إعادة اصدار مجلة "شؤون فلسطينية"، وتضمن عددها الثاني تحقيقاً ميدانياً عن مجازر صبر وشاتيلا. بعد أيام عدة على نشر هذا التقرير، ظهرت سيارة يقودها شخص يرتدي لباس ضابط في الجيش اللبناني أمام المركز، وقام بركنها هناك. وبعدما ابتعد هو قليلاً، انفجرت السيارة. ما أدّى إلى مقتل حوالي ثلاثين مدنياً، بينهم عشرة من موظفي المركز. وكان ذلك يوم السبت في 5 شباط 1983، عند تمام الساعة الواحدة ظهراً. كان الموظفون قد بدأوا يغادرون المركز، فيما بقيت أنا وحدي لإنهاء بعض القضايا. لحظات وسمعت الدوي الهائل، وانقطعت على أثره الكهرباء، ولم أشعر بعدها إلا وقد أصبحت تحت الطاولة. وكان أول شيء قلته لنفسي إنني ما دمت سمعت الانفجار، فهذا يعني أني ما زلت على قيد الحياة. بدأت أتحسس جسدي فوجدته ينزف دماً. فتحاملت على نفسي، وخرجت من المكتب وسط الركام، ونزلت درج المركز الذي كان في الطابق الأول. هناك، وجدت أجساد بعض الموظفين مقتولة، ومن بينهم جثة زوجة مدير المركز صبري جريس، التي كانت موظفة في المركز أيضاً. كان العويل والصراخ يعلو في كلّ مكان، ودخان السيارات المحترقة يغطّي الشارع.. مشيت قليلاً، وبدأت أفكر بكيفية الوصول إلى أقرب مستشفى. وفجأة، توقفت أمامي سيارة يقودها شخص كبير في السن، وقال لي بلهجة بيروتية: "طلاع يا بيي حتى آخدك على مستشفى الجامعة". صعدت معه، طلبت منه ينقلني إلى "مستشفى المقاصد"، ومن هناك استطيع الاتصال بالرفاق في مخيم صبرا ليأتوا ويـخذونني بعيداً عن أعين المخابرات اللبنانية. ولكن سائق السيارة عاد وأقنعني بالذهاب إلى "مستشفى الجامعة الأميركية"، حيث يتم نقل جميع الجرحى. تردّدت في البداية، ولكنني عدت وقبلت معه، خوفاً مما قد يصيب والدتي من هلع في حال حضرت إلى مستشفى "الجامعة" ولم تجدني. عندما وصلنا إلى مدخل مستشفى "الجامعة"، شاهدت أشخاصاً مدنيون يحملون لوائح إسمية. فأدركت فوراً أنهم من رجال المخابرات، وأن اللوائح التي يحملونها تتضمن أسماء المطلوبين من المسؤولين الفلسطينيين. في داخل مبنى الطوارئ، حدث ما لم يكن بالحسبان. إذ حضرت إحدى الممرضات، وهمست في أذني أنها من "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، وهي مكلّفة بتهريبي. حتى الآن، لم أعرف كيف عرفت اسمي، أو من أخبرها بوجودي. نقلتني إلى غرفة بعيدة عن مبنى الطورائ لم يكن فيها أحد غيري. وبعد قليل، حضر أحد الأطباء، وقال لي أنه من "الحزب القومي" أيضاً، وبدأ بتضميد جراحي.
وعلى الرغم من هذه الاحتياطات، كاد أمري أن يكشف، عندما حضرت والدتي إلى المستشفى وراحت تسأل عني وهي تولول. وبالصدفة، سمعتها الممرضة "القومية" فأخبرتها بوجودي في المستشفى، وطلبت منها الهدوء حفاظاً على سلامتي. وبعدما أمضيت في المستشفى ساعات عدة، حضرت سيدة أجنبية هي زوجة أحد الرفاق في "الجبهة الديموقراطية"، وقامت بنقلي بسيارتها إلى إحدى الشقق السريّة في بيروت، حيث بقيت أيام عدة إلى أن تحسّنت حالتي الصحية. بعد هذه الحادثة، رحت أتوخّى المزيد من الحذر في تنقلاتي، وحلقت شاربي، وغيّرت لون شعري.

• هل صحيح أنكم تعاونتم خلال الاجتياح مع الشهيد عماد مغنيّة؟
نعم، صحيح. في الفترة التي كان فيها الإسرائيليون في بيروت، حضرت إلينا بعض الكوادر العسكرية من الأحزاب الوطنية والإسلامية، وطلبت منا تأمين السلاح لها للقيام بعمليات ضد العدو. وكان من بين الذين حضروا الشهيد عماد مغنية، وقد كان دوري تأمين الصلة بينه وبين من يعرفون أماكن تخزين الأسلحة.
معركة الحقوق المدنية

• أخبرنا عن نشاطك الأكاديمي.
في العام 1990، وبعدما هدأت الأحوال في لبنان، قرّرت الاستفادة من دراستي للحقوق في مراجعة القرارات التي أصدرتها السلطات اللبنانية منذ العام 1948، والمتعلقة بحقوق اللاجئين الفلسطنيين في لبنان. وهي قرارات تحرم اللاجئ الفلسطيني من أبسط حقوقه الإنسانية، ولاسيما في مجالات التملّك والضمان الاجتماعي. وقد كتبت مقالات عدة وأجريت عدّة أبحاث في هذا المجال، تشرح هذه المأساة. لما نشرت أحد هذه الابحاث في جريدة "السفير"، انزعج أحد كتّاب جريدة "النهار"، فكتب مقالاً تحريضياً ضدي عنوانه: "وعاد الفلسطينيون". مقابل هذا الموقف، برز موقفٌ آخر معاكس تماماً، كان صاحبه الشهيد سمير قصير الذي اتصل بي ودعاني لزيارته في الجريدة. هناك، أخبرني بأنه لما كان يدرس في إحدى الجامعات الفرنسية، أتاه بعض أساتذة الجامعة حاملين دراستي، وطلبوا منه أن يساعدهم في ترجمتها إلى اللغة الفرنسية. قدّم لي نسخة من الترجمة إلى الفرنسية.
شكّل كلام سمير قصير دافعاً كبيراً لي للاستمرار في أبحاثي بشأن حقوق الفلسطينيين في لبنان. فكان أن قمت بتأليف كتاب يشرح معاناة الفلسطينيين مع السلطات اللبنانية، منذ العام 1948. ولكن الأمن العام اللبناني منع الكتاب. وبعد ذلك، اتصل بي أحد المسؤولين الفرنسيين، وقال لي أن سمير قصير أطلعه على بعض مواد الكتاب الذي كنت أرغب في إصداره، وأنه يريد أن تكون هذه المادة مستنداً بين يدي السفارة الفرنسية في مطالبتها بالحقوق المدنية للشعب الفلسطيني في لبنان. وافقت على طلبه، ولكن بشرط أن يتعاون معي على إصدار هذه المادة في كتاب باللغة الفرنسية. وبالفعل، بقيت وإياه أكثر من شهر، نعمل على ترجمة هذا البحث وصياغته باللغة الفرنسية. وبعدما صدر الكتاب، قام الأمن العام اللبناني بمصادرته. ولكن، على الرغم من ذلك، قمنا بإعادة طباعته، وصرنا نطلب الى بعض أصدقائنا في دور النشر توزيع نسخ من الكتاب على الأشخاص المقربين منهم. وهكذا، اصبح الكتاب بين يدي عدد كبير من الباحثين والمهتمين بهذا الشأن، من دون أن ينزل إلى الأسواق.
شكّل هذا الكتاب حافزاً لعدد من المهتمين بحقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان للتطوع والعمل وإقامة ورش عمل وكتابة أبحاث ودراسات حول هذه القضايا. وكانت نتائج هذا النشاط تأسيس "مركز التنمية الانسانية" حيث نحن الآن. وأنا واحد من مجموعة الباحثين القانونيين اللبنانيين والفلسطينيين المهتمين بأمور حقوق الإنسان، وأنا اليوم المسؤول عن القسم الفلسطيني في هذا المركز، ومديره العام. وبعدما نشرت مقالاً آخر في جريدة "النهار" حول الموضوع نفسه بتشجيع من الأستاذ جهاد الزين، كتب أستاذ القانون الدولي الدكتور حسن جوني مقالاً في الجريدة نفسها، أشاد فيه بمقالي، مصحّحاً بعض النقاط القانونية الواردة فيه. أفرحني الأمر، وأحسست بوجود تعاطف كبير مع قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.