| 

على الطريق الواصل ما بين مدينتي سلفيت وقلقيلية في وسط الضفّة الغربية، وعلى بعد 20 كلم من مدينة نابلس، تمتد أكبر محمية طبيعية في فلسطين.
جبالٌ شاهقةٌ تحفل سفوحها بأشجار الزيتون، القمم مكسوة بالأحراش، وأشجار نخيلٍ باسقاتٌ نحو السماء. مساحات خضراء شاسعة على امتداد البصر، عيون مياه متفجرّة على جانبي الطريق، وبيّارات حمضياتٍ مما لذّ وطاب.
أنت الآن في "وادي قانا"، بجماله الآسر.. جمالٌ لا مفر من أن تعكّر صفوه سبع مستوطنات إسرائيلية وبضع بؤرٍ استيطانية تجثم على صدر جبال الوادي، لتحوله إلى سجنٍ كبير. تحيط به كما يحيط السوار بالمعصم.
قضمت المستوطنات ما قضمته من آلاف الدونمات الزراعية في الوادي التي تعود ملكية غالبية أراضيه إلى مزارعي بلدة ديراستيا، الواقعة في شمال غرب سلفيت. سرعان ما تصاعدت وتيرة الأخطبوط الاستيطاني لتنغص على المزارعين الفلسطينيين معيشتهم، وتذيقهم شتى صنوف العذاب.

معنى أن تجاورك المستوطنة

يشرح نائب رئيس بلدية ديراستيا خلف يوسف لـ "السفير" قصة وادي قانا مع الاستيطان، وهي قد بدأت منذ احتلال الضفة الغربية في العام 1967: "حينها، شرعت سلطات الاحتلال بإقامة المستوطنات، وصولاً إلى إعلان الوادي محمية طبيعية إسرائيلية من طرفٍ واحد في العام 1982". ويشير يوسف إلى أن أبرز المستوطنات في المنطقة هي "ياكير"، "نوفيم"، "عمانوئيل"، وتجمع مستوطنات "شمرون"، بالإضافة إلى عددٍ من البؤر الاستيطانية الصغيرة. ويوضح أن سلطات الاحتلال تستخدم أساليب متعددة لتحقيق هدف ثابت يتمثل بتهويد وادي قانا، وإفراغ الوجود الفلسطيني منه، تحت عيون جيش الاحتلال وبحماية آلته العسكرية.
وحول أساليب الاحتلال وممارسات مستوطنيه الهادفة إلى جلب ضنك العيش للمزارعين، يقول نائب رئيس بلدية ديراستيا: "تتعدد الأساليب ما بين أوامر إخلاء فورية لأراضي المزارعين بذرائع واهية، إعلان الوادي منطقة عسكرية مغلقة ما بين فينة وأخرى، وإطلاق الاحتلال قطعان مستوطنيه ليعيثوا خراباً وفسادا في أراضي المزارعين واستفزاز المواطنين الذين يقصدون المكان أحياناً للاستجمام".
المزارع إبراهيم عوّاد طرح فأسه أرضاً، وجلس في فيء شجرة خرّوبٍ، ليروي لـ "السفير" فصولاً من معاناة المزارعين في وادي قانا جرّاء الاحتلال. يقول: "أمس القريب تخلصنا من مياه الصرف الصحي التي كانت تصبها المستوطنات من قمم الجبال إلى أراضي الوادي على مدار سنين طويلة. كانت تحول الوادي إلى مكرهة صحية آنذاك. لكننا ما زلنا نعاني من حملات قطع الأشجار التي تتصاعد ما بين فترة وأخرى، وتنفذها جرّافات الاحتلال. كل حملة تقضي على آلاف الأشجار دفعة واحدة، فنتفاجأ نحن المزارعين بإخطارات إسرائيلية ورقية تقضي بإخلاء أراضينا وتدمير أشجارنا. يذهب جهدنا وتعبنا طيلة سنواتٍ أدراج الرياح في سويعاتٍ معدودة".
يضرب المزارع عوّاد مثالاً عن هذه الحال ليقرّبها من الذهن البعيد عنها: "في العام 2011 مثلاً، وخلال أربعة أشهر فقط، أعدم الاحتلال ما يقارب خمسة آلاف شجرة زيتون تعود للمزارعين". ويوضح عوّاد أن الاحتلال ينتظر أشجار الزيتون حتى تكبر ثم يلجأ إلى إبادتها، وكأنه يتعمد تدريجياً إيصال المزارع الفلسطيني إلى حالةٍ من اليأس والإحباط فيهجر أرضه.
هنا، يشرح مدير مديرية الزراعة في سلفيت إبراهيم الحمد أن "وادي قانا يعتبر من أكثر المناطق التي تعرضت لاقتلاع الأشجار وإبادة المزروعات والمحاصيل خلال الأعوام الخمسة الماضية، حيث بلغت عمليات اقتلاع الأشجار ذروتها في الفترة الممتدة ما بين عامي 2010 و2013". ويلفت إلى تنوع الأساليب الإسرائيلية في إعدام أشجار الزيتون، "فتعدمها تارةً عبر الاقتلاع بالجرّافات أو تقطيعها بالمناشير، وتارة أخرى عبر رشها بالمواد الكيماوية". بخفر، ينوّه الحمد بأن "مديرية الزراعة الفلسطينية في سلفيت تعمل على تعويض المزارعين وفق الإمكانيات المتاحة، لكن الاعتداءات الإسرائيلية تكاد لا تتوقف".
يكمل عواد سرد الممارسات الإسرائيلية بحق الأرض وأهلها: "المستوطنون لا ينفكّون عن مضايقة الفلسطينيين المتواجدين في الوادي، وأحياناً يلجأون لإتلاف الموّلدات الخاصة بريّ المزروعات، عبر سكب مادة السكر فيها. ويقطعون الأنابيب البلاستيكية المخصصة للريّ، علاوة على إغلاق جيش الاحتلال للوادي أحياناً أمام الفلسطينيين بحجة التدريبات العسكرية". ويتابع عوّاد: "البناء في الوادي غير مسموحٍ به نهائياً، ولم يتبقَ سوى عددٍ من البيوتِ الحجريةِ القديمةِ التي كانت قائمة قبل الاحتلال في العام 1967. هذه البيوت تفتقر لمقومات الحياة الأساسية. واليوم، يبيت داخلها أحياناً عددٌ من رعاة الأغنام الذين يُعدون على الأصابع، بينما في الماضي القديم وقبل قدوم الاحتلال كانت عشرات العائلات تعيش في وادي قانا".

تناقضات "الأرض العذراء"

يشكّل الوادي مزاراً استجمامياً للمواطنين الذين يتوافدون إليه للتمتع بجمال الطبيعة الخلاب. فإذا دخلت وادي قانا، ستجد/ين قلة من المواطنين في رحلات عائلية، وخاصة في أيام الإجازات الأسبوعية. أما بقية الأيام فلا يتواجد في الوادي سوى بضعة مزارعين.
وفي المقابل، سترى/ين يومياً عشرات المستوطنين على الأقل يستقدمون صغارهم في رحلات علمية وتاريخية وترفيهية في آن معاً. وعن ذلك، يفسّر عضو لجنة مزارعي وادي قانا سعيد زيدان: "المستوطنون يعتبرون الوادي منطقة مقدسة ومباركة، ولا أحقية لأحدٍ غيرهم فيها. لذلك، يتوافدون على شكل مجموعات متتالية يومياً، وتصل أعدادهم الذروة في نهاية كل أسبوع. ويأتي طلبة المدارس الإسرائيلية من مستوطنات الضفّة كافة في رحلات علمية وتاريخية، ليشرح لهم أساتذتهم وأولياء أمورهم التاريخ اليهودي المسيّس في أراضي الوادي".
ويوضح زيدان أن "المستوطنين أطلقوا على وادي قانا اسم "الأرض العذراء" كمصطلحٍ مُقتبس من الفكر التوراتي، ويوظفون ماكينة إعلامية لا يستهان بها لتهويده، وينظمون سنوياً في الوادي مسيرة مركزية يحتشد فيها آلاف المستوطنين من مختلف مناطق الضفة الغربية".
ويضرب منسق "اتحاد الشباب الفلسطيني في ديراستيا" ياسر عوض مثالاً آخر عن معنى "ازدواجية في المعايير في عقلية الاحتلال"، فيقول: "في الوقت الذي يمنع الاحتلال فيه الفلسطينيين من تعبيد الطريق الواصل ما بين مدخل وادي قانا ووسطه منذ العام 1967، فإنه يمنح كامل الحرية للمستوطنين بتعبيد شارعٍ جديد بمسافة خيالية يمتد من مستوطنة قرني شمرون وصولاً إلى الوادي".
ويُردف عوض مستنكراً: "الاحتلال يقتلع آلاف أشجار الزيتون بحجة أن زراعتها تغييرٌ في ملامح محميةٍ طبيعيةٍ هو أصلاً ليس له الحق في ملكيتها، لكنه يسمح لنفسه في المقابل بتدمير مئات الدونمات من الأراضي في المنطقة أو المحمية ذاتها بغية توسيع المستوطنات!".
بقلق، يؤكد عوض أن وادي قانا "لا تكفيه مبادراتٌ فردية عدة، وبضع غراس زيتون، وأدوات زراعية شحيحة، فيدٌ واحدة لا تصفق، بل هو بأمس الحاجة لتضافر كل الجهود على الصعيدين الرسمي والشعبي، كي يملأ الفلسطينيون ربوع الوادي تصفيقاً، معلنين فشل المخططات الاستيطانية والمؤامرات الإسرائيلية".
"وادي قانا" هو حلقة خطيرة من حلقات مسلسل أسرلة الأرض الفلسطينية. وهو وجهٌ آخر من وجوه صراع الوجود ما بين الاحتلال والأرض. ورغم كثافة الممارسات الاستيطانية في الوادي، يحاول المزارع الفلسطيني الصمود في أرضه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.