| 

ربما لم يتوقع الأخوان رحباني، وقبلهما السيّدة فيروز، أنّ لقصيدة "خذوني إلى بيسان"، وقعا كبيرا في نفوس مهجري بيسان والفلسطينيين عامةً. وقد سمعت "السفير" من مهجّري بيسان، فدا عتيق وسامي سمعان، رجا عودة، رلى مزاوي، وآخرين، حول مشاعرهم حين ينصتون لأنشودة "خذوني إلى بيسان" بالصوت الفيروزيّ.. وكأنّ الرحابنة وفيروز سكنوا بيسان وهجروا إلى الشتات، آخذين معهم تفاصيل المدينة الجميلة، ببياراتها التي كانت عامرة بالخيرات، بنهرها المتدفق الذي كان مسبحًا للأطفال، ومكان أُنسٍ للكبار والصغار.
يتناسب صوتُ فيروز مع الوصف الرائع لبيسان: "بيارةٌ جميلة وضيعة ظليلة ينام في أفيائها نيسان، ضيعتنا كان اسمها بيسان، أذكر يا بيسان يا ملعب الطفولة أفياءك الخجولة، وكل شيء كان، بابٌ وشبّاكان بيتنا في بيسان، خذوني مع الحساسين إلى الظلال التي تبكي، رفوف من العائدين على حنينٍ لها تحكي". هو الحنين المؤلم الذي لا يزال يسكن أهل المدينة منذ خرجوا من بيوتهم مذعورين إما إلى البلدات القريبة أو إلى درب طويلة لم تنتهِ بعدُ.

رسالة هدى أسطفان عتيق

لحسن حظ الراغبين بالمعرفة، تركت المرحومة هدى اسطفان عتيق رسالةً تفصّل فيها الحياة في بيسان التي أحبوها، فكتبت:
"أنا فتاة عربية فلسطينية ولدت في مدينة بيسان، وعشت فيها حتى التاسعة عشرة من عمري، وبيسان من المدن القديمة جدًا في التاريخ وفيها آثار قديمة وجميلة جدًا، منها المدرج الروماني وكنيسة كنا نزورها لجمال الفسيفساء فيها. يبلغ عدد سكانها ما يقارب ستة آلاف نسمة، معظم سكانها كانوا من المسلمين، المسيحيون أقلية ولكن كان فيها ثلاث كنائس، كنيسة للاتين، وكنيسة للروم الارثوذكس، والكنيسة الانجيلية الاسقفية. كنا نعيش كمواطنين حياة هادئة وسعيدة نحب بعضنا البعض كإخوة واخوات.
بيسان الجميلة، الغنيّة بكثرة مياهها العذبة والجارية في أنهار صغيرة داخل البلدة، تكثر فيها البيارات وأشجار النخيل والبساتين الخضراء وجميع أنواع الفواكه والخضروات، بسبب خصوبة تربتها. فيها ينابيع كثيرة تتدفق من الأرض وبين الصخور (يسمون الأنهار المتدفقة: المشرع). وكنا في معظم أيام الآحاد نذهب إليها ونتمتع بمناظرها الطبيعية الجميلة.
أبي من سكّان نابلس. وفي سنة 1921، تزوج من أمي وأنجب طفلين ولدًا وبنتًا. بعدها، اختار مدينة بيسان ليبدأ فيها صنعته كصائغ ذهب وفضة لأنه اكتشف أنه ليس فيها صائغ غيره. وبعدما قضى فيها بعض الوقت في بيت مستأجر، قرر شراء قطعة أرض ليبني فيها بيتًا يملكه هو وعائلته. واشترى أرضًا تبلغ مساحتها حوالي ثلاثة دونمات، وبنى أول بيت لنا ولعائلته التي أصبحت بعد عدة سنوات مؤلفة من اثني عشر شخصًا، ثلاثة من الذكور وسبع من الاناث. أمي من عائلة سركسيان، ونحن الأشقاء: ميشيل، ونعيم، وسليم، وحنه، وهيلدا، وهدى، وندى، وفدى، ونعمة، وسلمى".

قصّة التهجير:
"نحن انتصرنا لأننا أقوى منكم"


في رسالتها، تطرقت السيدة الراحلة هدى إلى ظروف التهجير من بيسان أيضاً، فكتبت: "في مساء يوم 11 أيار، سُمعت طلقات نار متكررة مفاجئة. وفي صباح 12 أيار، انتشر جيش الهاغاناه في المدينة. وعند الظهر، دخل أحدهم بيتنا ليفتش عن السلاح، واتهم شقيقي ميشيل بإطلاق النار، لكنه بعد التفتيش في البيت لم يجد سلاحًا، فترك البيت. عشنا مع اليهود 15 يومًا، وبدأ النهب والسلب للبيوت الفارغة والدكاكين التي هجرها أصحابها الذين بلغ عددهم في العام 1948، ستة آلاف شخص. وبدأ جيش الهاغاناه يشنّ غارات على البلدة، حتى سقطت قذائف في بيتنا، فتملّكنا الذعر. كثيرون من المدينة هربوا إلى الأردن. وعندما سمعوا أن هناك اطمئنانا، حاول الهاربون العودة إلى بيسان. فانزعج الجيش الإسرائيلي وباشر بإطلاق النار باتجاههم، وسمعنا عن قتلى. استمرت الحال هكذا حتى 26 أيار، حين وصلت دعوة من الحاكم العسكري في عمارة الشرطة، تطالب أهل المدينة، وبينهم والدي، بإخلاء البلدة خلال ساعتين. حينها، قال والدي: "أفضل أن أموت في بيتي". لكنّ الحاكم أصرّ على أن من سيبقى في بيته سيقتل وعائلته، واضطرت العائلة في النهاية إلى حمل المستطاع والتوجه إلى المكان الذي جمّع فيه الجيش المواطنين في مكانٍ واحد، وأحضر باصات "آدم السالم"، وطلب من المسيحيين الذهاب إلى الناصرة، ومن المسلمين الذهاب إلى حيث يقيم الملك عبدالله في الأردن، وهذا ما جرى بالفعل".
تروي فدى عتيق (مواليد 1933)، شقيقة المرحومة هدى، لـ "السفير" أنّ "الحياة في بيسان كانت جميلة جدًا، والعلاقات بين أهالي بيسان تميّزت بالمحبة والألفة بين الجميع، مع شعور بالقناعة والاكتفاء الذاتي، حتى جاء اليوم الذي هُجرنا فيه. طلبت منا الوالدة أن نجمع أشياءنا الضرورية، فاخترت حمل الناظور الذي اقتناه شقيقي ميشيل، وتركت النقود الفلسطينية في الدرج، وما زلتُ حتى اليوم ألوم نفسي لأنني تركتُ نقودي، وأغراضي التي أحببتها".
تكمل: "وحين خرجنا، كانت أمي تحمل طفلاً صغيرًا، ولم نعد إلى بيتنا المحاذي للشارع، والذي تظلله شجيرات وبستان يجمع أنواع الفواكه. تركنا أحواض النعنع والبقدونس ومساكي الملوخية، ووصلنا إلى الناصرة، تحت التهديد، بينما نقل والدي اسطفان (أبو ميشيل) معه العِدة التي كان يستخدمها في مهنته كصائغ للذهب والفضة".
تقول فدى: "والدي كان يخدم في كنيسة الروم، وإحدى شقيقاتي كانت تعزف على (الأورغ)، وأشقائي كانوا يعزفون، كما أنّ والدتي كانت تجيد العزف على العود، ولا يزال أبنائي يعزفون في الكنائس".
عن حلمها الأبدي، تحدثنا: "صدقيني أنّ بيسان في قلبي، وأحلم دائمًا بأنني في بيسان، صحيح أنني أحب البلدات التي سكنا فيها، الناصرة وطرعان، لكنّ لبيسان طعماً آخر من العذوبة والجمال، فيها ولدت وتربيت، وأفرح حين أسمع غناء فيروز لبيسان. وحين نلتقي نحن أهل بيسان، يحتضن بعضنا بعضا، ويقبل الواحد منا الآخر، وكأنّما وُلد لنا شقيقٌ أو شقيقة من بيسان، خاصةً أنّ اللاجئين عاشوا حياة مريرة، وصعوبة مادية بعدما كانوا أسياد وطنهم".
أما الحاضر فتصفه السيدة فدى بأنه يؤلمها: "يؤلمني حين أرى ملامح بيسان وهي خالية من بيوتها العربية. هُدمت البيوت، وتحوّلت الكنائس إلى مخازن، وسُرقت خيرات المكان، وبنيت عمارات جديدة، لكن أبدًا لا يمكن نسيان التفاصيل الصغيرة الباقية في المكان، ولا أنسى الجملة التي سمعها أبي من الحاكم العسكري حين قال له: "نحن انتصرنا لأننا أقوى منكم". أما والدتي فظلّت تنظر بحب إلى مفتاح بيتنا في نيسان، حتى رحيلها عنّا".

الطفل السبعيني يروي:
أمي أخذت المخدة وتركتني


دمعةٌ سقطت من عيني سامي سمعان من دون قصدٍ منه، فأصابت صميم القلب. هو في الخامسة والسبعين من عمره، يذكر أنه ترك بيسان وعمره 7 سنوات. وحين سئل عن معنى بيسان بالنسبة إليه، أجاب فوراً ومن دون تردّد: "إنها حياتي! ما أذكره عن حياة الوالد أنه بنى ملجأً تحت الأرض، وكنت أسمع القصف، كنت أنام في حضن شقيقتي، وأذكر كيف خرجنا بالباصات إلى الناصرة. وفي الطريق بدأوا بإطلاق النار علينا، فاضطررنا إلى النزول من الباص ونحنُ نحمل فرشة وسجادة، وبقجة (صرة ملابس)، وصعدنا إلى جبل الناصرة، فاستقبلنا الأهالي، وأسكنونا في كنيسة الروم. أقيم اليوم في شيكونات الرام في الناصرة، وسميتُ حفيدتي بيسان من شدّة حبي لبلدي. فبيسان كانت الأجمل بين المدن، وإن كنتُ أحب الناصرة، لكنّ لبيسان حبا جارفا لا يوقفه أيٌ نهرٍ متدفق". يقول إنه حين يسمع صوت فيروز، تدمع عيناه، "وأقول بأعلى صوتي "الله يسعدك".. تأخذني فيروز إلى ملامح طفيفة من طفولتي، أركض في الأحياء، أسبح في النهر، أدخل إلى البيارات، وأقطف التفاح من دون أن ينهرني أحد".
أما رجا عودة (يعرف بأنه بيسانيّ الأصل والمشاعر) فيقول إنه كان ابنُ ثلاثة أشهر حين هجرت العائلة المكان. ولد في يناير / كانون الثاني 1948، وهو يقيم في الناصرة، لكنه يحب بيسان متأثرًا بالأوصاف التي سمعها عنها. يعرف عنها أنها تحمل مناخًا جميلاً، وأنهارًا عذبة، وخضاراً على مدّ النظر، وبيارات من الخيرات، "وكان الوالد مقاولاً يملك كسّارة وستّ شاحنات. يوم خرج من بيسان، لم يبقَ لديه أي ملكٍ يعتاش منه". يكمل عودة: "بيسان تذكرني بأهلي، بحياة جدي بولص العودة المزارع، مالك الأراضي الشاسعة، والسعادة التي وصفوها لي. كانت العائلة تملك 168 دونمًا مع طابو، واضطر إلى بيع قسم منها بأسعارٍ رخيصة، وسكنا لاجئين في الناصرة. من ذاكرتي التي ملأتها القصص أكثر من الذكريات، رسمتُ ملامح بيتنا في بيسان".
يقول رجا عودة: "أتعرفين أنّني بطل قصة؟ الطفل الذي نسيته والدته! لقد حدثتني زوجة عمّي أنني الطفل المنسيّ، فقد حملت والدتي المخدة بدلاً مني وتركتني في البيت، يوم التهجير. ثم عادت بعد مسافة طويلة، وأخذتني".

"الكبار يموتون، لكن الصغار لا ينسون"

تعتبر رلى نصر مزاوي نفسها مهجّرة كوالدتها التي هجرت من بيسان وهي في الخامسة من عمرها. لا تذكر الوالدة التفاصيل، بحسب رلى، لكنها تعرف أنّ الظروف كانت قاسية، بعدما كانت حياتهم رغيدة قبل النكبة. وتؤكد رلى التي بادرت إلى جمع أهالي بيسان المهجرين في الناصرة، في محاولةٍ منها للتصالح النفسي والذاتي مع الوجع الكبير الذي يفصل أهالي بيسان عن بلدتهم.
تقول رلى: "أحاول كسر حاجز الألم الذي عاش مع أهالي بيسان منذ التهجير عام 1948. وبالأساس، أردتُ مساعدة أمي كي تغلق دائرة الوجع الكبير، من خلال جمعها بأهلها، ونقل بيسان إليها حاليًا، ونقلها إلى بيسان حينَ يتحقق الحلم فعلاً وتغلق دائرة الحزن المفتوحة".
تضيف: "لم تستطع والدتي نسيان بيسان، والذكريات والقصص التي حدثها والداها عنها. وأكثرُ ما أثّر في الوالدة هي لحظة أغلق جدي/والد أمي البيت، ووضع الحجارة حول البيت كي لا يدخلها أحد، على أمل العودة إليه. كما تتألم لذكرى تراودها لما بدأ أهلُ البيت يتحركون باتجاه الباصات". وقد استقر مشهد تدمير سور بيت العائلة في ذاكرة والدة رلى، وما عاد بالإمكان محوه. كذلك، تعودها ذكريات من اللعب مع الرفيقات، ومتعة مشاهدة المشرع – النهر المتدفق، والهدايا الثمينة التي كان والدها يقدمها لابنته، وهي لا تزال نادمةً كونها لم تأخذ معطفها الفرو خوفًا من أن يتسخ حين تصل إلى الناصرة مع عائلتها.
رلى تؤمن بأنّ أبناء وبنات الجيل الثاني والثالث يعون جيدًا مأساة النكبة والتهجير، وأنّ المشاركة الكبيرة في مسيرات العودة السنوية هي دليل على أنّ "الكبار يموتون، لكن الصغار لا ينسون. حتى اللاجئون، وبينهم لاجئو اليرموك، يصرّون على العودة إلى فلسطين".