| 

وسط الطريق المترامية بين عكّا وصفد، وعلى رأس أكمة غضّة، خضراء "وكثيرة الثمر" كما شاء الكنعانيون تسميتها، تتربع قرية "كفر برعم" الفلسطينية المهجّرة. بين أشباه بيوتها المتراصّة، وصهاريجها وأحواضها الصخريّة وفتات معبدها الروماني وأنصاف أعمدته الواقفة، يمشي حلم صاحب المكان؛ الفلسطيني الباقي في وطنه، في فيديو آرت "بغيابك" لمحمد خليل. وتمامًا كحلم في منام المُشاهد، لا يبدأ من نقطة معروفة، وكأنه بدأ مذ كانت الأرض، ممتدٌ كالزمن، وواضح وضوح فكرة اللجوء والنفي عن بدايته - الأرض. تتبدى هذه الفكرة من خلال تصميم استعارة فكرية ومرئية للاجئ، المتصوّف الراقص، الذي يظهر في حلم الباقي في المكان؛ الراقصة.
يبدو اختيار المتصوّفة كاستعارة عن اللاجئ هو الاختيار الذي يتبنى التصوّف كنهج الحياة شبه الوحيد الذي يجعل من الإيمان المطلق بالحلم/ الفكرة مادّة لبناء الواقع. الراقص يدرّب النفس على العودة ويصفي خلقه لها وكأنها الإيمان المطلق الوحيد. ولعلّ هذا الإيمان، بلمحاته وظلاله ومن ثم كماله، هو ما يجتذب الراقصة، في الوطن، في الفضاء الذي اختار "بغيابك" أن تكون الموسيقى أرضه الخصبة الآمنة. الموسيقى، التي كانت نتاجًا لجلسة ارتجالات عفوية جمعت بين موسيقيين فلسطينيين وفرنسيين، تتسع، بجانبها الصوفي، لفكرة تصميم الواقع من مادة الحلم، وتتسع، أيضًا، بجانبها الإيقاعي الحديث، لرحلة هذا التصميم، المرتابة، المتعرجة، المفعمة بالأسئلة، ولكن المُقبلة نحو نقطة ذات مثالية مطلقة، وهي العودة.

حلمٌ ينفر من الواقعية

لفينة، تصطدم واقعية المكان بفانتازيّة الحلم؛ حلم العودة. ولكنه يظلّ يجاريها، ثم ينفر منها، وهكذا دواليك، في خطّ دراميّ ملموس نراه من خلال فعل المطاردة الذي يولّده التوق وألم الفقد. تطارد الباقية الحالمة شبح اللاجئ، الراقص، تمامًا كما يطاردها حلمها بمعاودة اللقاء. وهنا، يتعرّج طريق المطاردة، حين تدنو منه ثم ينأى عنها، مكرّسًا بتطوح مثير بين المَشاهد في الفيديو. إنها الريبة التي تهزّ الأرض التي تتجاور فيها الفيزياء بالميتافيزياء والواقع بالفانتازيا والحالم بحلمه، الذي لا نني نؤمن فيه كحقيقة حتمية. وهذه الريبة في المجاورة توظّف بشكل دقيق في حركة الكاميرا والرؤية التوليفية.
إن لحاق الحالم باللاجئ، والذي يتبيّن على شكل رقصة صوفية متواصلة، يبدو وكأنه الوصول إلى مبتغى الحلم، أي أن شغف السعي نحوه يعادل متعة تحقيقه. وعلى الرغم من وجود الألم الذي يصحب هذا السعي نحو العودة إلى الديار، إلا أن النقطة "المثالية" التي يصبو إليها تجعل من هذا الألم منفذًا للأمل. وهنا، تتضح معالم الفكرة الصوفية التي تقف من وراء هذا العمل، وتتجلى أمامنا فلسفة مولانا الرومي حين قال: "لا تجزع من جرحك وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك". إذاً، من خلال الخط الدرامي الذي يبنيه فيديو "بغيابك"، والذي ترسمه هذه الرقصة الصوفية، محمّلاً بمعانيه المستعارة وريبته وشغفه، يصير المستعار والاستعارة، بتدرّج سلس، كتلة وجودية واحدة، يصبح اللاجئ نسخة شديدة الواقعية عن حلمه، الذي يبدو، وكأنه ضربًا من ضروب الفانتازيا.

بقدرة المكان، اللحم، والدم

"بغيابك" هو مساحة زمنية قصيرة، تجربة مفتوحة على المحاكاة والتقاطع وربما التناص بين الحقول الفنية المتعددة - الفيلم القصير والموسيقى والرقص والشعر -، لتصبّ في شكل ومحتوى يخدمان الثيمة المحورية المعلنة، وهي العودة، فيتشعبان إلى نصوص مضمرة وفرعية تعبر عنها الأدوات الفنية المستخدمة في التصوير والمونتاج والصوت والحركة. وهو تعبيرٌ جُسّد من خلال اللجوء إلى مستويات مختلفة من أنماط المونتاج؛ كالمونتاج الموسيقي، الذي يصحب الإيقاع تارةً ويكسره تارةً أخرى مستعينًا بالموسيقى كمسار هيكلي للحبكة، أو المونتاج الدرامي، الذي يتكئ على نمط تصوير سينمائي لا يلتزم للموسيقى بقدر ما يلتزم للسرد المرئي.
عند نهاية هذا السرد، تتلاشى وطأة الصدام بين فيزيائية المكان وميتافيزيائية الحلم، فيتحول الأخير إلى جزء عضوي من واقعية الأول. يقف إطار المشهد الأخير بثبات مقصود، لاحقًا لريبة الرحلة/ الكاميرا التي سبقته، وملبيًا المعنى المراد من اللحظة التي يتحقق فيها الحلم/ التوازن. فتصبح الرقصة، فجأةً، حقيقية، وتتضح تضاريس الحلم، ويقف اللاجئ، بطزاجة لحمه ودمه، أمام الباقي في وطنه.
ويصبح المكان، قرية كفر برعم، الديار المهجّرة، موجعة الفكرة ولكن غضّة الطبيعة، جاهزًا لتحويل أيّ فكرة ميتافيزيائية إلى فيزياء محققة.


"بغيابك" (2014)؛ عمل مشترك لكل من: محمد خليل - سيناريو وإخراج، يزيد سعدي - فكرة ومبادرة، لورا سمارة حوا - منتجة.
تصميم فنّي: مجدلة خوري، رقص وتصميم حركة: سماء واكيم وأيمن صفية، موسيقى من أعمال: انسياب،
إنتاج موسيقي: يزيد سعدي وباتريك دي أوليفييرا، غناء: سعيد طربيه، كاولا: محمود شلبي، عود: موفق عبد الفتاح، غيتار: يزيد سعدي، قراءة شعرية بالفرنسية: بولين ليديت، تصميم ومونتاج صوت: فراس شحادة، تصميم صورة: نسيم شنبور، وراء الكواليس: حمودي عرابي، مساعد كاميرا ومصور ستيلز: حبيب سمعان،
تصوير ومونتاج: محمد خليل، تنسيق إعلامي: رشا حلوة.