| 

نصّ اتفاق أوسلو المُبرم بين إسرائيل و "منظمة التحرير الفلسطينية" في العام 1993، على السماح لصيادي الأسماك في قطاع غزّة بالصيد ضمن مسافة 20 ميلاً بحريّاً، إلا أن الاحتلال لم يلتزم أبداً بالاتفاق. فبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية في العام 2000، قلّصت إسرائيل مسافة الصيد إلى 12 ميلاً، وتوالى بعدها تقليص المسافة تدريجيّاً إلى ثمانية، فستّة، وصولاً إلى ثلاثة أميال فقط مع سيطرة "حركة حماس" على القطاع في العام 2007.
بعد الحرب الإسرائيليّة الثانية على غزّة في أواخر العام 2012، أشار اتفاق التهدئة المُبرم آنذاك إلى توسيع مساحة الصيد إلى ستّة أميال بدلاً من ثلاثة. التزمت السلطات الإسرائيليّة بالاتفاق أسابيع قليلة، ثم عادت وقلّصت المسافة مرّة أخرى. يتكرر ذلك الآن، بعد الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على القطاع، صيف العام الماضي.
في السادس والعشرين من أغسطس/آب الماضي، توصّل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي إلى تفاهمات وضعت حدّاً للحرب الإسرائيلية التي استمرت خمسين يوماً وليلة. قضى الاتفاق حينها بتوسيع المساحة المسموح للصيّادين الفلسطينيين في قطاع غزّة الصيد فيها من ثلاثة أميال بحريّة إلى ستّة، على أن تزيد تلك المسافة تدريجياً لتصل في النهاية إلى 12 ميلاً.
إلا أن معاناة الصيّاد الفلسطيني بقيت كما هي، بل وتراها تتفاقم يوماً تلو الآخر، وغالباً ما يُلاحق الصيّادون ضمن مسافة ثلاثة أميال بحريّة، وأحياناً أقل، بينما تدّعي الماكينة الإعلاميّة الإسرائيليّة أن دولة الاحتلال تسمح للصيّادين في غزّة بممارسة مهنتهم ضمن النطاق المُتفق عليه، أيّ مسافة ستّة أميال بحريّة في عرض بحر غزّة.

في الميناء، ساعات الفجر الأولى

في صلب معركة الأميال البحريّة هذه، يُصرّ زهاء أربعة آلاف صيّاد فلسطيني في قطاع غزّة على ممارسة مهنتهم في ظل خطورة كبيرة جداً تتربّص لهم في عرض البحر بشكل يومي، وقد تودي بحياتهم. إذ لا سبيل أمامهم سوى ممارسة عملهم، على الرغم من كلّ التحدّيات التي يواجهونها، خاصة أنهم لا يمارسون أيّ أعمالٍ أخرى تسدّ رمق عائلاتهم.
غالباً، يكون البحر هادئاً في ساعات الفجر الأولى، وكذلك هي الحال هنا في ميناء الصيّادين الواقعة غرب مدينة غزّة. الصيّادون لم يعودوا بعد من رحلتهم الليليّة. ومع انسدال خيوط الشمس الذهبيّة، بدأت ملامح مراكب الصيد تلوح في الأفق، مُنذرةً بعودتها إلى الميناء. العودة هنا أشبه بالسباق، فأسرع المراكب في الوصول يحظى بموقعٍ أفضل في سوق السمك المُحاذي لميناء غزّة.
مع اقتراب المراكب من الميناء، محمّلةً بخفايا مُغامرات خاضها الصيّادون مع البحريّة الإسرائيلية كما في كلّ ليلة، يتهافت التجّار لشراء الأسماك من الصيّادين بالجملة، من رصيف الميناء. وعلى الرغم من علمهم بأن الصيد ليس وفيراً نتيجة المُنغّصات الإسرائيليّة، إلا أن "حسبة السمك" تظلّ مُتعطشة للأسماك الطازجة.
صيّادٌ يبدو في العقد الخامس من عمره، أحرقت الشمس بشرته، يعمل هنا برفقة فتى لم يتجاوز السادسة عشر من عمره على نقل ثلاثة صناديق تحتوي على أسماك "السردين" من قاربه المُتهالك إلى رصيف الميناء. بعد رحلة صيد شاقة، سمعناه يُتمتم مُحدّثاً فتاه: "يمكن أن نبيعها بـ100 أو 120 شيكلاً ـ يقصد أسماك السردين ـ ربنا يسهّل". ثنايا جبهة الصيّاد المُكنّى "أبو رامز"، كانت كفيلة بأن تروي عن رحلة عمله التي امتدت منذ الثانية عشر من منتصف الليل حتى السادسة صباحاً، وأتت مُخيّبة للآمال. إذ بالكاد تملأ أسماك السردين الصغيرة التي اصطادها دلوين متوسطي الحجم، تاركةً الرجل في حيرة من أمره: هل سيفي بيع السمك لسدّ ثمن وقود المركب، أم لا؟ بأيّ حال، "المربح أو الخسارة لن يُشكّلا فارقاً كبيراً، اعتدنا أن نخسر أكثر"، يقول لـ "السفير" بعدما أرسل ابنه ليبحث عن أفضل سعر لأسماكه.
بدا أبو رامز مُتعباً جداً، ليس من إرهاق العمل فحسب، بل مما آلت إليه مهنة الصيد في قطاع غزّة. يتكئ الرجل على كومة من شباك الصيد المُتهالكة في غرفة مُخصصة للصيّادين كان الاحتلال قد استهدفها خلال الحرب الأخيرة، ويشعل سيجارته قائلاً: "هناك جملة كان الصيادون يتداولونها في السابق، تفيد بأنه لا يجب على الصيّاد أن يحزن في اليوم الذي لا يُرزق فيه بصيدٍ وفير، سيأتيه اليوم الذي يكون فيه صيده أفضل. لكن اليوم اندثرت هذه الجملة، ولم نعد نقولها. حالنا كما هي، ولا مستقبل لهذه المهنة المتعثرة في غزة".
بطبيعة الحال، لم يسلم ميناء غزّة خلال الحرب من دائرة الاستهداف الإسرائيلية. أمطرت الزوارق الحربيّة المتمركزة في عرض البحر عشرات القذائف على سفن الصيّادين ومراكبهم التي كانت ترسو في المرفأ، ودمّرت عدداً منها بشكل كلّي وجزئي، بالإضافة إلى استهداف غرف الصيادين ومخازنهم في المكان نفسه. فيها، يُخزّن فيها الصيادون أدوات صيدهم ومستلزماتهم الخاصة، ما أدّى إلى تدميرها واشتعال النار فيها، وتكبيد الصيادين خسارة مالية فادحة.
يذكر الصيّاد إحدى رحلات الصيد التي يقول إنه لن ينساها أبداً، حين اعترضت البحريّة الإسرائيليّة طريق مجموعة من الصيّادين كانوا يُمارسون مهنتهم في عرض البحر، قُرابة الثالثة فجراً، وكان هو واحداً منهم. بعدما أطلقت الطرّادات الحربيّة النار تجاه مولّدات المراكب وخرّبتها، أجبرت الصيادين على نزع كافة ملابسهم، والسباحة من مراكبهم صوب بارجة إسرائيليّة على بعد 200 متر منهم، في أجواء باردة جداً. تم اعتقالهم وجرى التحقيق معهم حول عناصر "حماس" الذين يتدربون في البحر ("الضفادع البشريّة")، قبل أن يتم إعادة إطلاق سراح الصيّادين في اليوم التالي.

الأسماك الصغيرة التي تصل الشاطئ الحزين

اعتاد الصيادون المعتقلون على الخضوع لتحقيقاتٍ وحشية، مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين، محتجزين لأيام. يُطلق سراحهم بعد إجبارهم على دفع غرامة، ويتم التحفظ على القوارب ومحرّكاتها لأشهر. تعاد القوارب بعد دفع غرامة قدرها 1000 شيكل، غير أنه لا يُسمح لهم برفع قضايا قانونية لاسترجاع حقوقهم أو حتى مناقشتها قانونياً.
يصف أبو رامز الذي أمضى قُرابة ثلاثين عاماً في البحر مهنة الصيد في قطاع غزّة بـ "مُخاطرة من أجل لقمة العيش". ويشرح أن الصيّاد الفلسطيني إمّا أن يتعرّض لإطلاق النار، أو الاعتقال، أو مُصادرة المركب وأدوات الصيد، أو القتل المباشر على أيدي الجنود الإسرائيليين الذين يُضيّقون الخناق على الصيّادين يوماً بعد الآخر، ولا يسمحون لهم بالصيد ضمن المسافة المُتفق عليها مؤخراً في اتفاق التهدئة.
وبحسب إحصائيات سابقة، فمنذ العام 2000، استشهد زهاء 12 صياداً فلسطينياً في أثناء ممارسة عملهم نتيجة إطلاق النار عليهم من قبل الزوارق الإسرائيليّة، فيما تعتقل البحريّة الإسرائيلية مئات الصيّادين بين الحين والآخر، فضلاً عن إلحاق الضرر بعشرات المراكب وأدوات الصيادين.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يمتعض منه الصيّادون في غزّة هو عدم السماح لهم بالصيد ضمن نطاق المسافة المنصوص عليها في الاتفاقيّات الأخيرة. ويقولون في أحاديث منفصلة لـ "السفير" إن الزوارق الإسرائيليّة نادراً ما تسمح لهم بالصيد في مسافة ستّة أميال بحريّة. وفي أغلب الأوقات، تتم مطاردتهم عن عمق ثلاثة أميال أو أقل حتى، تبعاً لمزاج الجندي الإسرائيلي.. حتّى أن أصوات الرصاص والمدفعيّة التي تُطلقها الزوارق الإسرائيلية صوب الصيادين تُسمع من داخل قطاع غزّة بوضوح.
أدّى هذا المنع الإسرائيلي إلى انحسار أنواع الأسماك التي يصطادها الغزّيون بمراكبهم الصغيرة، والتي تعرّض أغلبها لإطلاق نار. إذ لا مجال لوصول الأسماك الكبيرة في مسافة ثلاثة أو أربعة أميال، وكلّ ما يعلق بشباك الصيّادين راهناً هو بعض أنواع أسماك السردين، السلاطعين، الحبار، وأسماك أخرى صغيرة تصل الشاطئ الحزين.
بالإضافة إلى ذلك، يعتقد الصيّادون أن الاحتلال الإسرائيلي بعد الحرب الأخيرة نصب شباك ومصائد ضخمة قبالة شواطئ قطاع غزّة لمنع عمليّات تسلل مقاومين من القطاع صوب البلدات الفلسطينيّة المحتلّة، والمُحاذية لساحل قطاع غزّة الشمالي. يجدر التذكير هنا بأن المقاومين خلال الحرب الأخيرة نفذوا عمليّة قاعدة "زكيم" البطوليّة عبر التسلل بحراً من القطاع. ويظن الصيّادون أن هذه القواطع تمنع وصول الأسماك إلى شواطئ القطاع.

400 دولار شهرياً..

يؤكد نقيب الصيّادين في قطاع غزة نزار عيّاش لـ "السفير"، أن قطاع الصيد في غزّة كان يوفّر 4000 طنّ سنوياً قبل الحصار الإسرائيلي الذي بدأ في حزيران العام 2007: "وهذه الكمية كانت تكفي السوق المحلي، ويتم تصدير جزء منها. لكن، الكمية انخفضت بعد الحصار إلى 1500 طن سنوياً، أغلبها من الأسماك الصغيرة؛ وذلك بسبب صغر المسافة المسموح الصيد بها، والتي تُقدر بـ6 أميال بحرية وما دون". ويشير عيّاش إلى أن قرابة 4000 صياد يمتهنون مهنة الصيد في غزة على 1000 مركب، تختلف بالأحجام والأنواع.
ويعتمد الصيّادون في غزّة على مراكب صغيرة الحجم في الصيد، ولا يتمكّنون من الإبحار بسفن كبيرة لأن ميناء غزّة غير مُؤهل لاستيعاب هذه السفن. وتمنع إسرائيل حتّى اللحظة أيّ تطوير أو تأهيل للميناء، ما تُفاوض عليه القيادة الفلسطينية في اتفاق التهدئة الذي لم يُستكمل بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع صيف العام الماضي.
أسعار الأسماك في القطاع شهدت ارتفاعاً ملحوظاً بعد الحرب، إذ بلغ سعر كيلو سمك السردين والبوري مثلاً 25 شيكلاً، أيّ ما يُعادل 6.5 دولار تقريباً، علماً أن الكيلو كان يُباع قبل الحرب بسعر يتراوح ما بين 18 و22 شيكلاً فقط. وهما من أنواع الأسماك التي يتم اصطيادها بكثافة في شواطئ غزّة، ويعزو الصيّادون ارتفاع أسعار الأسماك لسببين، الأول: ندرتها وقلّة الناتج العام بالمجمل من الصيد، والثاني: إغلاق الأنفاق الحدوديّة بين القطاع ومصر، إذ كان بعض التجّار يعملون على استيراد بعض أنواع الأسماك من مصر، ما يخفّض أثمانها في القطاع.
لا تُحقق مهنة الصيد أرباحاً كبيرة للصيّادين، بالكاد تُغطّي تكاليف مهنتهم من وقود ومحروقات يتم استخدامها خلال الصيد. مجموع ربح الصيّاد الفلسطيني شهريّاً لا يتعدّى 1500 شيكل، ما يُعادل 400 دولار أميركي فقط.
على أيّ حال.. سواء كانت مسافة الصيد المسموح بها للصيّادين في غزّة ستّة أو ثلاثة أميال، أو حتّى أقل كما هو الوضع الراهن، فإن القطاع ينهار يوماً تلو الآخر. فممارسة مهنة الصيد بمحاذاة الشاطئ هي أمر بائس، ناهيك عن الخطورة التي يشكلها نظام المجاري في غزّة الذي تم تأسيسه ليخدم 400,000 مواطن. تصبّ هذه المجاري في البحر.
بحسب بعض الإحصائيّات، فإن نسبة الصيد في السنة الماضية تعادل نصف ما كان يصطاده الصيّادون قبل 10 سنوات. وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة، فإن الصيادين هم أفقر فئة في مجتمع غزة، حيث تعتمد نسبة 95 في المئة منهم على الإعانات. وتقول إرشادات مؤسسة "أوكسفام" إنه يتوجب على إسرائيل أن تسمح للصيادين الغزيين بالصيد ضمن مساحة العشرين ميلاً المتاحة لهم، والتوقف عن استخدام القوة المفرطة ضدهم.

آخر صانع سفن في غزّة

على الرغم من تدهور الصيد والملاحة البحرية في قطاع غزّة، وعطل عشرات السفن الكبيرة واصطفافها بالقرب من الميناء البحري والعجز عن إعادة تأهيلها، إلا أن حرفة صناعة السفن تُصرّ على البقاء ولو برمق أخير في هذا القطاع الساحلي الصغير. فأغلب صانعي السفن بغزة امتهنوا مهناً جديداً لقلة الإقبال عليهم، وبات الانقراض يُهدد هذه الحرفة النادرة.
الحرفي عبد الله النجار يُعتبر آخر صانع سفن في غزة. يمضي في صناعة السفن وتجهيزها من دون كللٍ أو ملل، ويساعده في هذا العمل الشاق ستة من أبنائه الذين يمتهنون الصيد أيضاً. لقد استطاع تعليمهم شيئاً من فنون صناعة السفن والقوارب الصغيرة.
التقت "السفير" النجار في محل عمله، جنوب قطاع غزّة بالقرب من شاطئ البحر. وبدا سعيداً وهو يعمل على تجهيز قاربٍ متوسط الحجم. ورغم مشقة العمل تحت أشعة الشمس الحارقة، إلا أنه يشعر براحة ومتعة كبيرة في عمله.
وعن بداية امتهانه لهذه الحرفة، يقول الرجل الذي جاوز منتصف الخمسينيات من العمر: "حين كنت في الـ15 من عمري، اضطررت للعمل كي أساعد أسرتي. فعملت في البداية مع الصيادين، ومن ثم انتقلت للعمل مع عمي في صناعة السفن والقوارب البحرية. بعدها، تركت هذه الحرفة وافتتحت منجرة لصناعة غرف النوم والأبواب الخشبية. لكن مع تزاحم العمل في النجارة وصناعة غرف النوم، عدت مرة أخرى إلى حرفتي التي أحبها، صناعة السفن".
ويعمل النجار حالياً على تجهيز قارب جديد يبلغ طوله حوالي 18 متراً، وعرضه خمسة أمتار، وبارتفاع يزيد عن مترين. وقد صنعه من أخشاب شجر "الكينيا" المنتشر بكثرة في أراضي قطاع غزة، ليعمل عليه أبناؤه الستة في صيد الأسماك وإعالة أسرهم.


يا أغاني البحر: الريّس يقول، والصيّادون يردّون

للصياد الفلسطيني نصيب من الموروث الثقافي للأغنية الشعبيّة، فقد شكلت الأغنية بالنسبة إليه رفيقةً في مهنته. لكل مرحلة من مراحل العمل فقرة موسيقية مميزة يرددها الصيادون. وفي أغلب الأحيان، تكون الأغاني عبارة عن مقطوعات يبدأ بها ريّس العمل، ويرد الصيادون عليها بمقطع آخر، محدثين تناغماً موسيقياً منقطع النظير.
ولكي نتعرف على أغاني الصيادين الفلسطينيين، كان لا بد من زيارة أكبر الصيادين سناً، حافظ هذا الموروث الفني. لما زرناه في الميناء، كان الصياد أبو أيمن العامودي (58 عاماً) يهمّ بإعادة ترتيب شباك صيده بعد ساعات قضاها في بحر غزّة. ويُعرف أبو أيمن بين الصيادين بأنه الشخص الأكثر مرحاً وترديداً للأغاني الشعبية القديمة في أثناء الصيد مع زملاء مهنته. فطلبنا منه أن يحدثنا عن هذه الأغاني التي لا يفهمها – غالباً - سوى الصيادين.
يقول أبو أيمن لـ "السفير" إن أولى تلك الأغاني يتم ترديدها في أثناء دفع الصيادين للقارب من اليابسة نحو المياه، بشكل إيقاعي منتظم. وفيها، يقول: "هيه يالله يا ستر الله"، فيردّ الصيادون: "هيه يالله، يا عناية الله". ثم يقول: "هيه يالله يا كرم الله"، ويردّ الصيادون: "هيه يالله، يا رسول الله.. هيه يالله، تعين يا رب".
حين يصل القارب إلى المياه، يفرح الصيادون ويشحذون الهمم لبدء رحلة الصيد. فيقول الريّس: "صلّي على النبي صلّي"، فيرد الصيادون: "هيلا هيلا هيلا"، ثم يقول: "يا رب هوّن هلا هيلي"، فيقول الصيادون "هوّن علينا هلا هيلي". ثم يبتهل الريّس ويقول: "بجاه محمد هلا هيلي"، فيؤكد الصيادون: "محمد نبينا هلا هيلي".
ويُكمل الريّس أبو أيمن حديثه لـ "السفير" بلهجةٍ ممتعة تُجبر الحاضرين على الإصغاء، فيقول: "بعدما نصل بالقارب إلى المياه، ونبدأ الإبحار في عرض البحر، هناك أغنية نرددها للتخفيف عن الصيادين". فيبدأ الريس ويقول: "كل ما يشدو المحامل"، فيردد باقي الصيادين: "للنبي قلبي يهيم". ثم يقول الريس: "لأسعى وأزور النبي"، فيجيبه الصيادون: "وأرمي حمولي عليه".
وتزداد الردّات شيئاً فشيئاً مع زيادة ضربات المجداف داخل المياه للوصول إلى المنطقة المطلوبة. ويبدأ هنا الصيادون بتسلية أنفسهم ببعض الأغاني الفكاهية، فيقول صياد: "والله وان طال زماني، لأشكي لقاضي الغرام". فتردّ بقية الصادين: "لأشكي لقاضي الغرام ". يكمل الصياد: "يا قاضي حب البنات حلال ولا حرام؟". فيتساءل معه الصيادون: "حلال ولا حرام؟". يقول الصياد الأول: "حرام للمتجوز أما العزابي حلال"، فيردد الصيادون: "وإن كان حرام يا قاضي اكتب لي بالحلال".
وفي أغنية أخرى، يبدأ أحد الصياديين بالقول: "ويا بنت قولي لأبوكي، خليه يعطيكي إلي". فيردد الصيادون: "خليه يعطيكي إلي". يكمل الصياد: "وإن ما رضيش أبوكي، أمك بتعطيني". فيؤكد الصيادون: "أمك بتعطيني". يعود الصياد ويقول ساخراً: "وإن ما رضيتش أمك، إبكي ونوحي". فيضحك الصيادون ويهتفون بصوت عالي: "إبكي ونوحي".
وفي أثناء عملية الصيد، يُردّد الصيادون أغنية شهيرة عن الحال لمّا لا يحالفهم الحظ بصيد وافر، فيقولون: "صلّي على النبي صلّي، إن عجبك صلّي، وان ما عجبك صلّي، على النبي العربي صلّي.. صلّي صلّي صلّي".
وفي حال كان البحر هائجاً وخطيراً، يقول الصيادون: "ما قلتلك يا هاني هلا هي.. لا تنزل القيعاني هلا هي.. لا تنزل إلا غزّة هلا هي.. وسوقها التحتاني هلا هي". وفي الوقت ذاته، يؤكد الصيّاد على قوة عزيمته وصبره، فيقول: "وان هبّت الريح قلت لمركبي سيري، وأنا أصبر صبر الخشب تحت المناشيري، ناديت يا طير يا طير بحق السما العالي، تلمّ شملي وتجمعني على الغالي".
وحين يسحب الصيادون الشباك من المياه، يستبشرون بالرزق ويغنون: "يا ربنا هلا هي، ابعث لنا هلا هي.. رزق الهنا هلا هي".
وإذا كان الرزق وفيراً، ترتسم الفرحة على شفاه الصيادين شاكرين الرزّاق الكريم، وتراهم يرددون في رحلة العودة إلى الشاطئ: "صبح الصباح هلا هيلي، واصطحبنا هلا هيلي، في نور محمد هلا هيلي، والله ربحنا هلا هيلي، والله صدنا والله صدنا، وربك والله حقق مقاصدنا، صدنا والله سمك كتير، وربك والله ربّ كبير".