| 

في العام 2010، تم إنتاج فيلم "الشنّاق" عن قصة شالوم نجار، السجّان الإسرائيلي الذي نفّذ حكم الإعدام شنقاً بالضابط النازي أدولف آيخمان، بعدما اختطف "الموساد" الأخير من الأرجنتين، وحوكم في محاكمة علنية كان لها أن تتحول في ما بعد إلى واحدة من الأحداث المؤسسة في الذاكرة الإسرائيلية الجماعية.
للمرة الأولى في تاريخ السينما الوثائقية المعدّة عن الهولوكوست، تمحور الفيلم حول سجّان الضابط النازي وليس ضحاياه، يهود أوروبا الإشكنازيين. والسجّان، للمفارقة، يهودي من أصولٍ يمنية. ما يلقي الكثير من الضوء على علاقة اليهود الشرقيين بالهولوكوست وذكراها في إسرائيل.
عن هذه الذكرى، نشرت الكاتبة والملحنة جالي عمران مؤخراً عرضاً للفيلم على موقع "هاعوكتس" الإسرائيلي، بعنوان "فقط وقتها عرفت من هو آيخمان"، تناولت فيه أيضاً السينما الوثائقية التي تدور حول الهولوكوست، وعلاقة التدين اليهودي بالصهيونية، خاصة أن نجار، بعدما شنق آيخمان، تاب. والتوبة هي مصطلح عبري يشير إلى "التزام الفرد دينياً"، أيّ اتخاذه لحياته مساراً يهودياً متديناً أرثوذكسياً. إلى ذلك، يضاف التصوّر الشائع عن اليهود الشرقيين بأنهم "بلا أيديولوجيا"، وإنما يتحركون فقط وفقاً لاحتياجاتهم الاقتصادية.
هنا نص الترجمة الكاملة للمقال.


جالي عمران
ترجمة: نائل الطوخي



"لأنني يمني، لم أكن أعرف من هو آيخمان. فقط لاحقاً، عندما حرسته، عرفت من هو آيخمان".
بهذه الكلمات يبدأ شالوم نجار سرد قصته. مهنته جزار، وكان هو من اختير لشنق أدولف آيخمان. في الفيلم الوثائقي "الشناق"، الذي عرض في العام 2010 وأخرجته نتالي براون وآفيجيل شفرفر، يسرد نجار، اليمني المتدين، ذكرياته عن فترة خدمته في سجن الرملة. هذه الكلمات تنصب أمام المشاهدين والمشاهدات لافتة "ممنوع الدخول"، الموقعة باسم السيادة الإشكنازية في كلّ ما يتصل بذكرى الهولوكوست. في ما يشبه سرد حقيقةٍ بديهية، يربط نجار بين كونه يمنياً وبين عدم معرفته بمن هو آيخمان. فليس لليهود الشرقيين صلة بالقصة المأساوية التي اسمها "هولوكوست"، ولا مكان لهم داخل هذه الرواية. هذه ذاكرة جماعية ليس عليهم إلا مشاهدتها من بعيد.
هل هذا صحيح؟ وهل حتى يكون جزءاً من الرواية [الرسمية]، يتوجب على الإنسان في جيلنا أن يرى نفسه كحفيد لجدّ أو جدّة خرجا من أوشفيتز؟
كانت محاكمة آيخمان، التي أقيمت في العام 1961، حدثاً تاريخياً ذا وضعٍ مؤسس، وشكلت نقطة تحول في علاقة المجتمع الإسرائيلي بالهولوكوست وبضحاياه. حلّ نجار الذي تاب في أعقاب عملية الشنق وتحول من سجّان إلى جزّار في موضع "الراوي"، كمن يقيم الأمر [التوراتي] "واحك لابنك"، ما يمنحه حقاً مساوياً في حكي قصته وبأن يكون جزءاً من الثقافة والذاكرة العامتين.
الجلاد، الضحية، والمنقذ.. ونجّار

غالباً ما تظهر في الصور والأفلام التي توثق لأحداث الهولوكوست ثلاث وجهات نظر محتملة: نظرة الضحية، نظرة الجلاد، ونظرة المنقذ. ولكن، في هذا الفيلم، تنكشف أمامنا وجهة نظر جديدة، بدت حتى هذا الوقت مهمشة. في مقالها "أبناء حرام بلا شرف"، تتعامل ليات شتاير ليفني مع الاختلافات في السينما الوثائقية قبل محاكمة آيخمان وبعدها. وفق كلامها، كانت الأفلام الوثائقية قبل المحاكمة أفلاماً تقوم على صور خدمت المشروع الصهيوني والرسالة التي تفيد بأن هذا المشروع هو وحده القادر على مساعدة الناجين على النهوض من جديد. بخلاف السينما الروائية التي وجّهتها رواية "الهولوكوست والنهضة"، فقد أتى التركيز في السينما الوثائقية على "النهضة" فحسب. وبعد المحاكمة، تكتب شتاير ليفني، حدَثَ التحوّل الأكبر: فيلم دافيد بارلوف، "بدمك حياتي"، كان أول فيلم يتعامل مع الهولوكوست بشكل مباشر، وتوجه فيه الكاميرا نحو الفظائع والإبادة.
تتعامل شتاير ليفني مع التحول المركزي في صورة الهولوكست في السينما في ثمانينيات القرن العشرين، عندما سُجّل التجديد الأكبر في النظرة التي لا تصدر أحكاماً. وبذلك، فقد تم فقط الإعلاء من شأن صعوبات البقاء وبطولة الناجين من الهولوكوست. السينما الوثائقية الواقعة اساساً تحت تأثير فيلم كلود لنزمان "شوآه"، أصبحت أكثر تركيباً، وعرضت أشخاصاً فرديين ذوي جروح نفسية، يحملون معهم عبء الذكرى الثقيلة وهم يحاولون مواصلة الحياة. الناجي من الهولوكوست هو ذلك الذي ينتصب في مركزه، وليس ذاك الذي كان وقت الـ "هولوكوست"، أو قبل "النهضة".
في فيلم "الشناق"، يحلّ شالوم نجار مطرح الناجي من الهولوكوست، في الواقع. ويتمحور الفيلم حوله، إذ تركّز الكاميرا عليه وعلى قصة حياته، وعلى الذكريات والندوب التي تركتها فيه عملية الشنق. "التعامل" الذي يحظى به نجار من المخرجتين ومن الكاميرا يوازي "التعامل" الذي يحظى به الناجون من الهولوكوست، بينما الفيلم يدور حولهم. تجديد الفيلم يكمن في أن نجّار ليس ناجياً من الهولوكوست، ولكنه يقف في المكان الذي كان حتى الآن محجوزاً للناجين من الهولوكوست. هذه وجهة نظر مختلفة، لا تقع في مركز الوعي السينمائي الخاص بصورة الهولوكوست.

الذاتية، والصهيونية

في مقالها "الذاكرة الشرقية والسيادة الصهيونية: أصوات من الهامش في السينما الوثائقية الحالية"، تكتب ميراف آلوش لفرون أن الحركة القومية الإسرائيلية فرقت بين "الأنا" الجمعية وبين "الآخرين"، بواسطة السيطرة السياسية الإثنية على منظومات المعرفة والقوة. هذه السيطرة خلقت كلاً من الذاكرة الجماعية ومنظومات إنساء الذاكرة. وبواسطة ذلك، أزاحت روايات غير ملائمة للأيديولوجيا الصهيونية. في بداية تسعينيات القرن الماضي، جرت خلخلة الهوية القومية الصهيونية، وبدأت مسيرة إدخال الرواية اليهودية – الشرقية إلى التأريخ الصهيوني. كجزءٍ من هذه العملية، بدأ تأسيس الذاكرة الشرقية في السينما الوثائقية الحالية. وفق كلامها، فإن ازدهار "سينما الأقليات" هو تعبيرٌ عن الانشغال الآخذ بالتزايد بسياسة الهويات وبصورة جماعات الأقلية في إسرائيل.
في إطار صراع الهويات هذا، وُلدت روايات سينمائية جديدة، وبينها سينما وثائقية تشتمل على عرض تاريخي تتوسطه الذاكرة الشخصية. ولكن، يصعب على الذاكرة البديلة الانفصال عن حيّز الخطاب الصهيوني، وهي غارقة في سلسلة صور ما بعد - استعمارية، تفضح "السلطة الصهيونية"، وتشرح لنا الظروف المقيدة وغير العادلة التي تعمل فيها الذاكرة الشرقية الناهضة.
بإمكاننا رؤية كيفية عمل فيلم "الشناق" في الإطار الذي تحدّد ملامحه ألوش لفرون: قصة حياة شالوم نجار مغروسة داخل الرواية الصهيونية: فهو ذاك الذي شنق آيخمان. ولكن، مع ذلك، يقف نجار خارج الرواية، فهو يمني. وأكثر من ذلك، نرى في هذا الفيلم كيف أذت الرواية الصهيونية نجار، ما حمله على العودة إلى الدين والابتعاد عن هذه الرواية. التوتر بين هذين الطرفين يتضح من الثيمتين المركزيتين في الفيلم: الأولى، وهي "توبة" نجار. التوبة كتكفير عن الخطأ والتوبة كتبديل للهوية. والثانية، وهي استبعاد اليهود الشرقيين من ذاكرة الهولوكوست وتقديم الشرقيين في الرواية الصهيونية كأنهم معدومي الأيديولوجيا.

"ليكن هذا الطائر مقابلي وبديلي وكفارتي"

مسيرة "الالتزام الديني" بدأها نجار بعد شنق آيخمان. شعر بأزمة، وعانى من الكوابيس والمخاوف. وبعدما تاب، بدأ يشعر بتحسّن ويتعامل مع الصدمة العصبية. في مقاله "التوبة والهويات الدينية الجديدة في إسرائيل في بدايات الألفَيْنيات"، يقول يهودا جودمان إن الجمهور الواسع في الإعلام والبحث العلمي ينظر إلى "التائبين"، كشرقيين أساساً، هجروا هويتهم "العلمانية" أو "التقليدية" وأخذوا على نفسهم هوية حريدية [متدينة أرثوذكسية]. هذا الرأي قائم على افتراض أن الهوية الشخصية والاجتماعية هي نتاج عمليات، وخاضعة للتغيير. ووفق كلامه، فالتوبة تخلق هويات دينية جديدة ليست حريدية بالمفهوم الشائع والمعروف للـ "الحريدية". "الملتزمون" أو "التائبون" يبلورون هوية يهودية – إسرائيلية مركبة من طبقات متناقضة. بواسطة هذا الافتراض الأساسي، يمكننا تمييز المناظير المختلفة المرتبطة بعملية "توبة" نجار.
موضوع "التكفير عن الخطيئة"، يشكل موتيفاً أساسياً في الفيلم. في المشهد الافتتاحي، نرى دجاجاً مقرراً له أن يكون "دجاج الكفارة" في القفص. والزمن هو عشرة أيام التوبة. نرى نجار ينفذ نهج "الكفارة"، وأول جملة يقولها هي: "ليكن هذا الطائر مقابلي وبديلي وكفارتي". في التقاليد اليهودية، فإن رأس السنة، يوم الكيبور، وعشرة أيام التوبة التي بينهما، تخصص للصلاة والاعتراف ونقد الذات، بهدف التوبة وإصلاح الخطيئة عبر الكفارة. موضوع ذلك هو الغفران الإلهي، كما هو مكتوب "لأنه في هذا اليوم، يكفر عنكم ليطهركم... أمام الرب تتطهرون" (لاويين 16:30). يرمز الانشغال بموضوع الكفارة في الفيلم لعملية الالتزام التي مرّ بها نجار في فترة ما بعد الشنق، والتي نبعت من ضرورة "التكفير عن الخطيئة".
عندما يتكلم نجار عن فعل الشنق لا يصفه كخطيئة، على العكس: يحكي كيف أن قائده في سجن الرملة قال له أنه ينفذ حكماً تشريعيا عظيماً في ماهيته وهو محو "ذكر عماليق" [تثنية 25: 19]. ولكن، يبدو أن ذلك كله ليس إلا جزءاً من عملية إقناع الذات المتواصلة التي يقوم بها نجار لنفسه، لأن الأمر يتعلق بحكم تشريعي وليس بخطيئة. لهذا يُسأل لماذا يشعر أن عليه التكفير عن أفعاله، وهو الذي أعدم العدو النازي الذي أرسل ملايين اليهود إلى حتفهم.
أن تعدم من توجب عليك حمايته!

على مدار الفيلم تنكشف أمامنا المهنة التي كان يقوم بها نجار. قبل الإعدام في مايو / أيار 1962، عُيّن نجار حارساً لآيخمان. على مدار ما يقارب ستة أشهر، كانت له وظيفة واحدة ووحيدة: الحفاظ على حياته، كي لا يحاول أحد اغتياله (لدرجة أنه طولب أيضاً بتذوق أكل آيخمان، ليتأكد أنه ليس مسمماً). كان نجار السجّان الوحيد الذي سُمح له بدخول زنزانة آيخمان، وهو الذي اهتم بجميع احتياجاته، ومنها مثلاً مرافقته إلى الحمّام. يمكن القول إن نجار أيضاً أحبه بشكلٍ ما، كما نفهم من وصفه لسلوك آيخمان المهذب والمؤدب معه. يحكي: "لم أكن أعرف من هو، كنت أفكر، أي قديس هذا، لم يفعل شيئاً، وكان يقول لي: "شكراً جزيلاً"".
منذ فُرض عليه في السجن أن يكون هو شناق آيخمان عبر قرعة أجريت بين السجانين، أصبح عليه إعدام الشخص الذي كان عليه أن يحفظه من أيّ سوء. في هذا السياق، يمكننا التطرق إلى الإهمال الإسرائيلي في كلّ ما يتصل بإعدام آيخمان. الإهمال الناجم عن انعدام الخبرة.
في الدول التي تتواجد فيها عقوبة الإعدام، هناك إجراءات عدة مهمة متصلة بهذه العملية: أولاً، على من يقوم بالإعدام ألا يعرف من يتم إعدامه. أيضاً، هناك أكثر من شخص واحد يضغط على الزر، فلا تتاح معرفة من الذي ضغط على الزر الحقيقي. في هذه الحالة، كان نجار الوحيد الذي نفذ حكم الإعدام. وبالإضافة إلى ذلك كله، فقائد نجار، بعد الشنق، أمر الأخير بإنزال جثة آيخمان من على الحبل. ولأن أحداً في إسرائيل لم تكن لديه الخبرة السابقة في تنفيذ أحكام الإعدام، تراهم لم يعرفوا أن الجسد يتبقى فيه بعض الهواء. وهكذا، عندما أمسك نجار جثة آيخمان، تناثر دمه على جسم نجار. يصف نجار هذا الحادث كصدمةٍ عصبية احتاج وقتاً طويلاً حتى يتعافى منها.
يقع نجار في حالة تنافرٍ معرفيّ: فمن ناحية عقلانية، يفهم أنه كان عليه شنق آيخمان. ولكن، من الناحية النفسية والإنسانية، يشعر كأنه قتل إنساناً، ويصعب عليه جداً تحمّل هذا الشعور. "التوبة"، هي بمثابة طلب العفو والغفران على الخطيئة، التي صحيحٌ أنها لم تكن "خطيئة" بالمعنى الكامل للكلمة. ما زال باقياً في داخله أثرُ من الصدمة العصبية. رافق نجار إحساسٌ قويّ بالمسؤولية عن فعل الشنق. في الفيلم، تبدو "توبته" مرتبطة بالحادث ارتباطاً وثيقاً.

احتاج إلى تبديل هوية..

في مقاله "احتياج التائبين والمتدينين حديثاً إلى طقوس الانتقال"، يكتب شلومي دورون عن مفهوم "طقوس الانتقال"، في ارتباطه بالتوبة. وفق كلامه، فأحد معاني هذا المفهوم هو الطقوس التي تُجرى في لحظة أزمة في حياة الإنسان، ويصاحبها، من بين ما يصاحبها، تغير الوضع أو الهوية الشخصية. منظومة الطقوس هذه تساعد على "إعادة تعريف" موقف التائبين في الوضع الجديد، وترافقها طقوس انفصال رمزية عن الماضي والدخول في الوضع الجديد. بعد مرحلة الانفصال تأتي مرحلة "الارتباط" التي يستكمل خلالها الأفراد استقبال هويتهم الجديدة. هذه المرحلة تتميز من بين ما تتميز بالاحتياج لحكي حكايات عن الماضي. هذه العملية تعبر عن ضرورة التحرر من هوية ما وحيازة هوية جديدة.
في عملية "التوبة" التي مرّ بها نجار، بإمكاننا رؤية الحاجة "للتحرر" من هويته السابقة، هويته كـ "شناق"، وأن يأخذ لنفسه هوية جديدة. رغم أن نجار يقدم فعل الشنق كـ "حكم تشريعي"، يبدو أن هذا الفعل ترك فيه إحساساً قوياً ومؤلماً، ما حمله على الاحتياج إلى "تبديل الهوية". اختياره العمل في مهنة الجزارة يؤكد ذلك أكثر وأكثر، علماً أن نجار في إطارها يقيّم نهج "الكفارة". مثلما يكتب دورون، فإن استكمال الهوية الجديدة يتميز بالاحتياج لحكي حكايات عن الماضي. من هذه الناحية، يمكننا أن نرى في الفيلم نوعاً من "إغلاق دائرة" ذاتية بالنسبة إلى نجار، الذي "يستكمل" الآن استقبال هويته الجديدة، عندما أُعطيت له المنصة لحكي قصته والابتعاد عن هويته السابقة كـ "شناق".

الشرقيون كـ "غير منتمين للهولوكوست"

"الشناق" هو فيلم ينشغل بالهولوكوست من زاوية نظر يهودية شرقية. وبذلك، يوسّع رقعة الروايات الموجودة في الذاكرة العامة. تحظى "الهوية الشرقية" بالحضور المركزي في الفيلم: أولاً، كل الشخصيات التي تظهر في الفيلم (باستثناء آيخمان) هم يهود شرقيون: نجار وأبناء عائلته، أصدقاؤه الذين يستمعون لقصصه، الزبائن الذين يزورون محل الجزارة الخاص به (الموجود في السوق السامري في مدينة حولون). كما يشير نجار كثيراً في الفيلم إلى حقيقة أنه يمني، ويتطرق للصلة بين كونه يمنياً وبين الدور الذي أخذه. هناك زاويتان أساسيتان يُقدم من خلالهما هذا الموضوع في الفيلم: الشرقيون وذكرى الهولوكوست، والشرقيون كمعدومي الأيديولوجيا.
تناولت الدراسات البحثية كثيراً مسألة إزاحة أبناء طوائف الشرق من ذكرى الهولوكوست. فكتبت [حنا] يفلونكا في كتابها "دولة إسرائيل ضد أدولف آيخمان"، أنه تم النظر إلى اليهود الشرقيين منذ البداية بوصفهم "غير منتمين" للهولوكوست. هذه النظرة كانت سائدة، حتى داخل المؤسسة. كمثالٍ، تقتبس من كلمات تيدي كولاك: "أعتقد أنه كان هناك دور آخر لا نستطيع تقديره لهذه المحاكمة. بعد كل شيء، كبر في هذا البلد جيل لم يعرف هتلر. يتواجد معنا مئات الآلاف من المهاجرين من بلدان [شرقية] أبعد من أوروبا، لم يعانوا المعاناة التي نسمع عنها"، أو حتى بين اليهود الشرقيين نفسهم. كمثال أيضاً، تورد يفلونكا خطاباً موجّها من نسيم كفيف لقائد أركان الشرطة بعد اعتقال آيخمان، يكتب فيه أنه رغم أنه من طوائف الشرق، فهو مستعد للتطوع لشنق آيخمان لو كان هناك احتياج لهذا.
في كلام نجار، يمكننا أن نرى تعبيراً عما قالته يفلونكا بخصوص نظر الشرقيين إلى أنفسهم باعتبارهم "غير منتمين للهولوكوست". يشرح نجار أنه بسبب كونه يمنياً لم يكن يعرف آيخمان، إلى أن طُلبت منه حراسته. يجد نجار في كونه يمنياً سبباً – من المفترض أن يكون بديهياً لدى المشاهد – لعدم معرفته آيخمان. ويحكي نجار أيضاً أنه لم يُسمح لأحد بحراسة زنزانة آيخمان سوى سجانين شرقيين، خوفاً من رغبة السجانين الإشكنازيين بالفتك به. هنا نرى تعبيراً عن نظرة المؤسسة للهولوكوست كحدث ينتمي للإشكنازيين وحدهم.

هكذا أزيح الشرقيون خارج الذاكرة الجمعية

يحكي نجار أنه عندما حُكم على [مجرم الحرب النازي جون إيفان] دميانيوك بعقوبة الموت شنقاً في 1988، اتصل به مدير السجن وأخبره بأن عليه الاستعداد للمهمة. ولكن نجار رفض أن يفعل ذلك ثانيةً. من وقتها، أي منذ ما يقارب ثلاثين عاماً، لا تزال حاضرة الرؤية التي تزيح الشرقيين من قصة الهولوكوست، ولا تراهم قادرين على استنهاض مشاعر الانتقام بسببه.
أُبعدت الرواية الشرقية عن ذكرى الهولوكوست بشكل عام، وعن ذكرى محاكمة آيخمان بشكل خاص، عندما لم يُمنح يهود البلدان الإسلامية المنصة للإدلاء بشهادتهم في المحاكمة. في مقالها "خمسون عاماً على محاكمة آيخمان. إضاءات عن مسافةٍ بعيدة"، تستحضر يفلونكا الخطاب المرسل إلى جدعون هاوزنر (وكان المدعي الرئيسي نيابةً عن دولة إسرائيل في قضية آيخمان) من "اتحاد الوافدين من تونس في إسرائيل"، الذين أرادوا أن تتضمن الشهادات المقدمة في المحكمة شهادة ممثل من دولتهم التي خضع فيها أبناء طائفتهم للحكم النازي لمدة أشهر، وقد أُرسلوا لمعسكرات تجميع وقُتل بعضهم أيضاً. إلا أنهم هم لم يمنحوا المنصة للشهادة. كان ادعاء [اليهود من أصول تونسية] يوافق على صحّة أن أبعاد الإبادة لم تكن كإبادة يهود أوروبا، وتضيف إليها أنه ينبغي أيضاً ترديد جرائم النازيين في بلدهم والحكم فيها. ومع ذلك كله، لم يجر تضمين شهادة يهود تونس في المحاكمة. وكذلك، غاب عن منصة الشهادات تمثيل يهود بلغاريا، وهم طائفة يهودية تعد سفاردية – شرقية. الشهادة اليونانية التي أدلى بها الناجي اليوناني من الهولوكوست يتسحاك نحاما، كانت الشهادة الوحيدة التي مُنح اليهود الشرقيون فيها مكاناً في المحاكمة. لا بل، وكما تحكي يفلونكا، فقد اضطرت منظمة "المهاجرين من ليبيا في إسرائيل" إلى أن يتوجه أعضاؤها بأنفسهم إلى قسم التحقيق في جرائم النازيين في "المقر الوطني" ليطالبوا بالتحقيق في أعمال النازيين في ليبيا (والتي تم فيها تنفيذ القوانين العنصرية [النازية] المقرّة عام 1938)، ومنها إقامة يهود ليبيا على مدار الـ13 شهراً في معسكر تركيز عانوا فيه وأذلوا وقتلوا. قصد أعضاء المنظمة المقرّ الوطني، لأن أحداً لم يتحقق من ماهية هذا المعسكر.
مَنْعُ أبناء طوائف الشرق من الإدلاء بشهادتهم في محاكمة آيخمان جعلهم ينزاحون إلى خارج الذاكرة الجماعية التي جرى بناؤها وبلورتها على مدار أيام المحاكمة، والتي تشكلت هي أيضاً بوصفها ذاكرة إشكنازية فحسب. يمكننا أن نرى في فيلم "الشناق" مكاناً يتيح الإدلاء بشهادات "شرقية". مُنع الشرقيون من إعلاء صوتهم في محاكمة آيخمان. ولكن الآن، بينما الانشغال بات بذكرى المحاكمة، ترى المنصة تُمنح لنجار ولقصته الشخصية: ما أحسّ به وما فكّر فيه. يتيح فيلم "الشناق" دخول رواية "شرقية" لتشكيل ذكرى محاكمة آيخمان، التي أبعدت عنها الروايات الشرقية.

"بفضلي، أو بذنبي"..

يظهر موضوع "الهوية الشرقية" في فصل آخر من الفيلم أيضاً، لما يحكي عن إقامة كريات أربع [في الضفة الغربية]. يبدأ هذا الفصل بجزءٍ أرشيفي يتلوه صوت مقدّم الفيلم عن الاستيطان في كريات أربع، ويشرح أن المستوطنة مكونة من مستوطنين جاؤوا لأسباب أيديولوجية، ومن أبناء الطوائف الشرقية الذين جاؤوا لأسباب اقتصادية وتحسين ظروف سكنهم. من هنا، يبدو أن المستوطنين الإشكنازيين تحت قيادة الحاخام لفينجر وصلوا لأسباب أيديولوجية، وهم الصهاينة الحقيقيون. في المقابل، يبدو أن الشرقيين كمن لم يأتوا هنا للأسباب الصهيونية وبدافع "أرض إسرائيل الكاملة"، وإنما لأسباب اقتصادية.
تكتب عن هذا إيلا شوحاط في مقالها "الشرقيون في إسرائيل: الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها اليهود"، أن التأريخ الصهيوني يقدم هجرة الوافدين من البلدان الشرقية كنتيجةٍ لمعاداة السامية التي عانوا منها، مدفوعين بالإخلاص الديني، وليس لأسباب أيديولوجية – صهيونية.
وللمفارقة الكبرى، نكتشف على مدار الفيلم أن نجار نفسه كان من بين مؤسسي كريات أربع. نرى في أحد المشاهد نجار وهو يبني مظلة برفقة ابنه، ويحكي لنا كيف كان هو من فكّر بحلّ للمشكلة التي ولدت لما تعرضت الـ 14 عائلة الأولى التي وصلت "كريات أربع"، لخطر الإخلاء. اقترح نجار، وكان وقتها سجاناً في سجن الخليل، أن يبيت هؤلاء داخل إسطبلات أحصنة الملك حسين. يحكي أن هذه كانت اسطبلات كبيرة وكان من الممكن الإتيان بعمال وتنظيفها وإصلاح الحمامات فيها أيضاً. وهكذا كان. بعدها، جاء الحاخام لفينجر [الإشكنازي] إلى السجن، واقترح على نجار الانضمام إليهم، أي للمستوطنين، لأنه "يستحق ذلك"، بلغة الحاخام. ابن نجار يقول لأبيه في الفيلم: "هل تقول إنه بفضلك قامت كريات أربع؟"، ويجيب نجار: "بفضلي أو بذنبي".
سكن نجار في كريات أربع حتى وقعت حادثة "مذبحة مغارة المكبيلا [مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل] التي قام بها باروخ جولدشتاين في 15 شباط/فبراير 1994 (الموافق لعيد البوريم اليهودي). يحكي نجار في الفيلم أنه كان موجوداً هذا الصباح في مغارة المكبيلا، واعتقد أن مخربين [فلسطينيين] دخلوا المكان، فأغلق الأبواب فوراً. وهكذا، منع نجار في الواقع جولدشتاين من الهروب.
بعد المذبحة وعلى إثرها، غادر نجار كريات أربع. يحكي أنه لم يتمكن من مواصلة السكن هناك. كلماته هذه تقف على النقيض من كلمات مقدم الفيلم، الذي يقدم الشرقيين بوصفهم معدومي الأيديولوجيا. صحيح أن مقدم الفيلم يفسر وصول الشرقيين إلى "كريات أربع" بأسباب اقتصادية وليست أيديولوجية، ولكن مغادرة نجار "كريات أربع" هي فعل أيديولوجي أكثر من أي شيء. وأكثر من هذا، فنجار له أيديولوجيا أقوى من أيديولوجيا الإشكنازيين، هي تلك التي استبطنت فعلاً الرسالة الإنسانية المتضمنة من الهولوكوست، ولم يعد بإمكانه القبول بفعل قتل كهذا. هذه النقطة تبرز أكثر، عندما نسمع مقدم الفيلم يحكي أن احتفالات عيد البوريم تواصلت كما هو معتاد في "كريات أربع".

الوقوع في حبّ نجار، والرواية ضد - عامة

يتمحور فيلم "الشناق" حول قصة حياة شالوم نجار. تقصر المساحة عن الإحاطة بشخصية نجار والقيم التي يمثلها، كما يتم التعبير عنها في الفيلم. ولكن، من المناسب التطرق لها، وإن بشكل موجز. ليس بإمكاننا مشاهدة الفيلم من دون الوقوع في حب نجار: هو شخص لطيف، مضحك، ذكي، وبالأساس طيب القلب. ولكن، الأهم من ذلك، فعلى مدار الفيلم، تنكشف أمامنا رؤيته والقيم التي يمثلها، هي التي تعبّر فعلاً عن الروح الإنسانية العالمية الموجودة في جماليات الكتب المقدسة اليهودية. يمثّل نجار في الفيلم ما هو بمثابة "الضمير القومي": كان حاضراً في أحداث تاريخية ذات دلالة، ولكنه ينظر إليها من الخارج وينتقدها. نجار نفسه ليس رمزاً، وإنما إنسان من لحم ودمّ، حيّ وموجود. نحن لا نرى ملاكاً، أو شخصية خيالية، لكننا نرى إنساناً حقيقياً، يداه أيضاً ملطختان بالدماء (كان شناقاً، ومهنته جزار). ولذلك، فهو يقدم لنا بديلاً اختيارياً متاحاً لنا جميعاً، وهو اختيار الطريق الصحيح والأخلاقي.
يقدم فيلم "الشناق" نوعاً جديداً من الذاكرة الجماعية، التي لا تخضع للرواية الصهيو - إشكنازية الشائعة. لو كانت المؤسسة الصهيونية قد احتكرت لنفسهاً سابقاً الهولوكست وشكل التعبير عنه، فإن هناك قطاعات مختلفة بين السكان اليوم قادرة على عرض الهولوكوست من وجهة نظرها وزاوية رؤيتها. يشكل "الشناق" جزءاً من الاتجاه لإدخال روايات جديدة إلى الذاكرة العامة، الروايات التي كانت حتى هذا الوقت مبعَدة عن السيطرة الإشكنازية على ذكرى الهولوكوست، لأنها لم تكن متوافقة مع الأيديولوجيا الصهيونية.
مع ذلك، فإن الرواية المبنية في فيلم "الشناق" لا يتشاركها جميع اليهود الشرقيين، أو جميع اليهود اليمنيين، وإنما هي رواية ذاتية. نجار هو الإنسان الفرد في القصة، هو الإنسان الفرد الذي شنق آيخمان. هو يحمل على كتفيه، وحده، روح الجماعة، وهو وحده من يتعاطى مع عبء الذاكرة. من هذه الناحية، فصحيح أن الذاكرة الشرقية المقدمة في فيلم "الشناق" تؤسس لرواية بديلة للرواية الصهيونية، ولكن، أكثر من ذلك، هي رواية ذاتية، بل ويمكن القول إنها رواية ضد - عامة. ربما في ذلك تكمن الطاقة الاحتجاجية أو البديلة في الفيلم الذي يتحدى ماهية الذاكرة العامة.
يمكن لفيلم "الشناق" أن يكون نقطة انطلاقٍ لإعادة فحص روايات أخرى في الحيز العام الإسرائيلي ونقدها. هو فيلم يشكّل حجر أساس في تطور صورة الهولوكوست في الذاكرة العامة، ويغرس وتداً ويحقق حقيقة جديدة على الأرض: الهولوكوست لم يعد "ينتمي" إلى يهود أوروبا وحدهم.