| 

منذ زمنٍ ليس ببعيد، كان سكّان غزّة يشعرون بالحرج من التوجّه إلى أسواق "البالة" لشراء الملابس المُستخدمة من هناك، على اعتبار أن هذا السوق هو قبلة الفقراء منهم فحسب، ومقصد الذين لا يقوون على شراء الملابس الجديدة بأسعار باهظة، فيوفّرون مالهم لشراء حاجيّاتهم الأساسيّة. غير أن الظروف في الوقت الراهن تغيّرت وتبدّلت، وأصبح سوق البالة، أو ما يُعرف في غزّة بـ "الرابش"، مقصد المُدقع والمُتنعّم.
التحوّل والاندماج الطبقي في أسواق البالة في القطاع يعود إلى عدّة أسباب، لعلّ أبرزها بديهةً يتعلّق بالظروف الاقتصاديّة التي يُعاني منها كل السكّان، والتي أقل ما يُمكن وصفها بـ "المريرة". إليها، تضاف دوافع داخليّة، كاحتواء تلك الأسواق على ملابس تحمل ماركات عالميّة، تُباع بأسعار منافسة لمثيلاتها التي تتوفر في المحلات التجارية الجديدة.

من أوروبا وإسرائيل إلى غزّة

تصل ملابس "البالة" إلى فلسطين بعدما تعيش عمراً كاملاً يلي عمرها الأول في بيوت الآخرين. تبدأ الرحلة مع الشركات العربيّة والأجنبيّة المتخصصة التي تشتري الملابس التي يبيعها أصحابها الأوروبيون لها بأسعارٍ زهيدة في بلادهم. تجمعها مع ملابس اندثر موديلها يتم شراؤها من المعارض التجاريّة بعد تعثّر نفاد الكميّات بالكامل. لمّا تجتمع شحنات كبيرة الحجم، يتم توريدها للتجّار في مختلف المناطق العربيّة، من بينهم تجّارٌ فلسطينيّون يعملون على استيراد هذه الملابس في الضفّة الغربيّة.
قبل وصول "البالة" إلى الضفّة الغربيّة، يكون التجّار هناك قد جمّعوا كميّات أخرى من الملابس من الإسرائيليين والمحال التجاريّة، علماً بأن جزءاً منها يُجمع بالمجان، إذ يجده عمّال فلسطينيّون في مكبّات النفايات بعدما يستغني عنها الإسرائيليون بغرض التجديد. وبعد تجميع الملابس الأوروبيّة والإسرائيليّة، يورّدها التجار في الضفّة لنظرائهم في قطاع غزّة من خلال معبر "كرم أبو سالم التجاري" في جنوب القطاع، بعد الاتفاق على الوزن والأسعار.
تأتي بضائع "البالة" إلى قطاع غزّة في حاوياتٍ كرتونيّة كبيرة، يتم تجميعها بحيث يتم فرز كلّ طنّ منها على حدة، ويستلمها تُجّار لهم باع طويل في تجارة "البالة" في القطاع. هم أنفسهم الذين سيعملون على بيعها بالجملة في ما بعد للمحال التجاريّة المُختصة ببيع الملابس المُستخدمة.

سوق أفرزته نكبة 48؟

يربط البعض عُمر تجارة ملابس البالة في قطاع غزّة بزمن النكبة الفلسطينيّة في العام 1948، ويستدلون على ذلك بقولهم إنّ اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا إلى قطاع غزّة آنذاك، وسكنوا المُخيّمات، كانوا فقراء جداً، ولا يملكون أي أموال أو ممتلكات، بعدما تركوا منازلهم عنوةً، من دون أن يتمكنوا حتى من أخذ المال لإنقاذ أنفسهم في ظروف الحياة الصعبة. ما استلزم استحداث هذه الأسواق، التي شهدت إقبالاً مُنقطع النظير من اللاجئين.
قبل اندلاع انتفاضة الأقصى في العام 2000، كان العُمّال الفلسطينيّون الغزّيون ما زالوا يستفيدون من السماح لهم بالعمل في الداخل الفلسطيني المحتل، أي إسرائيل. وكانوا آنذاك يجلبون معهم في كل يوم سبت ـ يوم إجازتهم - كميّات من هذه الملابس، يوزّعونها على الأبناء، وأبناء الجيران، وفقراء المُخيّم. آنذاك، أغلب فقراء القطاع كانوا يلبسون هذه الملابس. لكن مع اندلاع الانتفاضة، مُنع العمال من دخول إسرائيل. عندها، بدأت تجارة "البالة" تزدهر من جديد، ولكن من خلال التوريد الرسمي.

لعبة الحظ!

كلّ ما تحتاجه هذه الشحنات الكبيرة من الملابس ليتم توزيعها على تُجّار التجزئة في قطاع غزّة هو اتصال هاتفي من المستورد إلى أصحاب المحال التجاريّة - أحياناً رسالة نصيّة قصيرة تُؤدي الغرض . فيتم إعلام الباعة بأن بضائع جديدة وصلت للتو، ليتهافتوا على أماكن التخزين ونقل ما يحتاجون من أطنان "البالة" التي تكون غالباً مُغلقة بأيدٍ أوروبيّة، فلا يتم فتحها إلّا في قطاع غزّة.
يتفاوت سعر الطن الواحد من "البالة" في غزّة ما بين ثلاثة آلاف وستّة آلاف شيكل إسرائيلي (الدولار يُعادل 3.92 شيكل)، كلٌّ بحسب جودته. تجّار التجزئة لا يتفقّدون جودة البضاعة بأنفسهم، إذ تكون محفوظة في كراتين مُغلقة، لكن التجّار الكبار المستوردين يكونون على علم مُسبقاً بالبضائع ذات الجودة العالية من المتوسطة، تبعاً لما دفعوه مُسبقاً لنظرائهم في الضفّة الغربيّة. وبطبيعة الحال، كلما ارتفع السعر، تكون البضاعة أعلى جودة.
عندما يشتري تُجّار التجزئة وأصحاب المحال التجاريّة هذه البضائع، تراهم يُسابقون الزمن لنقلها إلى مخازنهم، ومعرفة محتواها. فعندها، يلعب الحظ لعبته مع الباعة: ربما تكون الكراتين مليئة بملابس جديدة لم تُستخدم من قبل، وربما تكون مختلطة ما بين الجديدة والمُستخدمة. وأحياناً، تكون غالبيّتها أحذية، أو ملابس نسائيّة، فينعكس ذلك على أسعار البيع في ما بعد. لكن، غالباً، جميعها تحمل ماركات عالميّة: نادراً، ما يخسر البائع.

ليست مُجرّد "بالة"

قبل أن يتم عرض ملابس "البالة" في المحال التجاريّة المُخصصة لها في القطاع، يعمل أصحاب هذه المحال على غسلها وكيّها جيّداً، ومن ثم عرضها بطريقة لائقة تجذب الزبائن، لا سيّما أن أغلب زبائن هذه المحال هم من فئة الشباب والنساء. لذلك، يُولي الباعة اهتماماً كبيراً بطريقة عرض الملابس وترتيبها في المحال، حتّى أنه بالكاد يستطيع أحد تمييز متجر يبيع ملابس "بالة" عن سواه، بل إن بعضهم يُنفق مبالغ ماليّة ضخمة لتجهيز ديكورات المحل ورفوفه.
في سوق "فراس" الشعبي الواقع إلى الشرق من مدينة غزّة، افتتح الشاب محمد سمير، الذي ورث المهنة عن والده، محلاً تجاريّاً من هذا النوع، بعدما تعثّر في الحصول على وظيفة حكوميّة. يُؤكّد محمد لـ "السفير" أنّ "أغلب ملابس البالة التي ترد إلى قطاع غزّة هي ماركات عالميّة شهيرة، مثل لاكوست، بولو، ليي، ديدورا، توم كروكر، رالف لوبين، أديداس، ونايك، ولا يستطيع المواطن الغزّي شراءها جديدة من بعض المحال التجاريّة التي توفّرها في غزّة".
تتراوح أسعار ملابس البالة، حسبما يُفيد محمد، ما بين عشرة وعشرين شيكلاً. فمثلاً، لا يتعدّى سعر القميص عشرة شواكل، أما البنطال فلا يزيد سعره عن عشرين شيكلا، علماً بأن سعر الجديد منه يصل إلى خمسة أضعاف ذلك: يصل الحدّ الأدنى لثمن البنطال في غزّة إلى مئة شيكل، بعد مفاصلة طويلة مع البائع.
إلا أن والد محمد، الحاج عليوة حجاج (62 عاماً)، ما زال مُتمسّكاً بمحلّه القديم وسط أزقّة السوق الشعبي، ويقصده هناك سكّان القطاع. يرفض الحاج إجراء أي تعديلات أو تطويرات على المحل العتيق، وتتراوح أسعار ملابس البالة عنده ما بين 2-5 شيكل. وعلى الرغم من أنها أقل جودة من بضاعة ابنه، إلا أنه يشهد إقبالاً منقطع النظير من زبائن اعتادوا الشراء منه.
يقول محمد: "في السابق، كان يأتينا الفقراء وبسطاء الحال فقط. لكن مُؤخراً، بدأت أرى الأغنياء والموظّفين يُقبلون للشراء على استحياء، فالمفهوم تغيّر تماماً". يعزو ذلك إلى "تردّي الأوضاع الاقتصاديّة التي يُعاني منها سكّان غزّة كافة".

لا بأس، الظروف تبدّلت

يتجوّل الموظّف خليل جاد الله بين أروقة محل البالة باحثاً عن ملابس صيفيّة ذات جودة عالية، تكون ماركاتها شهيرة وفي الوقت ذاته أسعارها زهيدة. لم يكن يفعل ذلك من قبل، أمّا اليوم "فلا بأس، أحوال الناس تغيّرت"، يقولها لـ "السفير" والبسمة ترتسم على شفاهه، قبل أن يُضيف: "الملابس هنا ذات جودة ممتازة، وأسعارها رمزيّة، تُضاهي نظيرتها الجديدة في الأسواق العاديّة، والتي غالباً ما تكون صناعة صينيّة".
هذه العوامل وغيرها شجّعت الكثير من الغزّيين على ارتياد أسواق البالة بشكل دوري، إذ وجدوا فيها مُتنفّساً للتخفيف من أعباء الحياة اليوميّة، وتردّي الأوضاع الاقتصاديّة. فالمبلغ الذي قد يدفعه واحدهم لشراء قميصٍ أو بنطال واحد جديد، يمكّنه من اقتناء قُرابة خمسة قمصان أو بناطيل من البالة تحمل ماركات عالميّة، وقد تكون جديدة لم تُستخدم من قبل.
ووفق تقريرٍ أصدره "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني"، وهو مركزٌ حكومي، في فبراير/ شباط الماضي، فإن معدل البطالة والفقر في قطاع غزة الذي "يقطنه نحو 1.9 مليون شخص" بلغ 42,8 في المئة، فيما بلغ عدد العاطلين عن العمل قرابة 194.7 ألف شخص.

الدلّال، والأسواق الشعبيّة

لا يقتصر الحراك التجاري في محال البالة على البيع للمتسوّقين فحسب، بل تجد أطفالاً في عمر الزهور أُجبروا على العمل بطريقة أو بأخرى يأتون لشراء كميّات متواضعة من هذه الملابس، ليس بغرض اقتنائها أو لبسها، لكن لإعادة طرحها في الأسواق المتنقلة، وعلى أرصفة الشوارع. ما يُشكّل مصدر رزق ضيّق لهم، بالكاد يتدبّرون به نفقاتهم الشخصيّة.
كما يتجوّل باعة ملابس البالة أسبوعيّاً في أسواق القطاع، يعرضون بضاعتهم في ما يُعرف عند الغزّيين بـ "الدلّال". رجال وأطفال ونساء يبيعون ويشترون من السوق، وبعضهم يحرصون على الخروج مُبكراً للسوق لانتقاء الملابس الجيّدة لأبنائهم، ولا يجدون حرجاً في ذلك، بل قد تجد إحدى النساء تجهيزاً لابنتها العروس من هذا السوق.
تُعرف هذه التجمّعات ونقاط البيع من كثرة وجود الزبائن حولها، وازدحامها بالمتسوّقين الذين يأتون من كلّ صوبٍ وحدب للبحث عن قطع جيّدة ضمن هذه الملابس، خاصة أن جودة الملابس التي تُعرض في الأسواق الشعبيّة تكون أقل نسبيّاً من تلك التي تُعرض في المحال. إذ يعمل أصحاب المحال على طرح بضاعتهم التي لم تُبع في الأسواق الشعبيّة، وتُباع كل قطعة بشيكل أو اثنين على الأكثر.

المخراز، وجه آخر للسوق

لا تقتصر بضائع البالة التي ترد إلى قطاع غزّة على الملابس فحسب، حيث يعمل تجّار غزّة على جلب العديد من الأجهزة الكهربائيّة كالغسالات والثلاجات، كما الأثاث، وسواها من البضائع التي تُنافس نظيرتها الجديدة في القطاع. وتشهد هذه البضائع المُستوردة من إسرائيل، والمعروفة بـ "المخراز"، إقبالاً مُضاعفاً مقارنة بالبضائع الجديدة في المحال التجاريّة، إذ يعتقد الغزّيون أنها ذات جودة ممتازة، وتخدمهم بشكل أفضل، وتكون أطول عمراً.
وفي الآونة الأخيرة، لم تعد صفحات "فايسبوك" مجرد ساحة للترفيه والتواصل والتعبير عن الأفكار بالنسبة إلى الغزّيين فحسب، بل تعدّت ذلك لتضمّ بين جنابتها أسواقاً تجارية عديدة يُديرها القائمون على تجارة المخراز في غزّة. يعرضون بضاعتهم فيها، ويتفاعلون مع استفسارات المتسوّقين، ليحققوا أرباحاً كبيرة في وقت وجيز من جهة، ويُسهلوا عمليّة عرض البضائع واستقطاب زبائن جدد من جهة أخرى.