| 

الثاني من نيسان. عقارب الساعة في بيت النائبة الفلسطينية خالدة جرار في رام الله تشير الى الواحدة من فجر الخميس. سماع صوت طرق على الأبواب الخارجية. جنود الاحتلال يحاصرون المنزل الذي لا يبعد أكثر من 200 متر هوائي من مقر المقاطعة (مقرّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والسلطة الفلسطينية). الجنود الصهاينة الذين أحاطوا بالبناية من كلّ الجهات يقتحمون غرف المنزل الذي تقيم فيه هي وزوجها غسان، خلال دقائق.
يروي غسان جرار، زوج القيادية الفلسطينية خالدة لـ "السفير" أن "جنود ومخابرات الاحتلال قاموا بتفتيش المنزل بدقة قبل أن يصادروا أجهزة الحاسوب وجهاز الجوال الخاص بزوجتي، ومن دون أن يتركوا علامات خلفهم لخشيتهم من الصورة الصحافية لاحقا".
يؤكد المحامي محمود حسان الذي يترافع عن النائبة جرار لـ "السفير" أن خالدة "امتنعت عن الكلام وعن الطعام وعن التوقيع على الأوراق أمام المخابرات الإسرائيلية". ونقل حسان عن جرار قولها، من سجن "عوفر" غرب رام الله، "لن أتكلم ولن أوقع على أوراق ولن اتناول الطعام في غرف المخابرات الإسرائيلية". يقول إنه قد تم نقل النائبة جرار من سجن "عوفر" غرب رام الله الى سجن "هشارون" داخل الخط الأخضر في شمال فلسطين المحتلة بعد يومين من الاعتقال.
وأصدرت محكمة الاحتلال الإسرائيلي يوم الأحد الواقع في 5 أبريل / نيسان الجاري أمرًا إداريًا بحقّ الأسيرة النائبة خالدة جرّار يقضي بالسجن لأربعة أشهر.

نوّاب في السجن، "اختياري" أو إجباري

تعدّ النائبة جرار من أبرز المدافعين عن حقوق الاسرى. وهي عضو المكتب السياسي لـ "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني، وتنشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، خاصة حقوق الأسرى الفلسطينيين. وترأست "مؤسسة الضمير لرعاية الأسرى والمعتقلين" سابقاً.
زوجها غسان، الذي يملك متجراً لبيع ألعاب الأطفال في شمال الضفّة الغربية، شرح: "اعتقال النواب الفلسطينيين لم يحرّك أيّ عاصفة حازمة من البرلمانات العربية. إسرائيل تعتقل النواب من دون الالتفات للقانون الدولي، او للاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية". وتابع ساخراً: "هل يعقل ان يتم اعتقال نائب في المجلس التشريعي داخل المربع الأمني الذي تدار فيه أمور السلطة الفلسطينية، وكأن شيئا لم يكن؟".
اعتقال النواب الفلسطينيين ليس جديداً على الاحتلال الإسرائيلي. فقد اعتقلت إسرائيل حتى الآن كلّ نواب "حركة حماس" في الضفّة الغربية البالغ عددهم 47 نائبًا منذ انتخابهم في العام 2006، فيما أبعدت نواب القدس أحمد عطون ومحمد أبو طير ومحمد طوطح عن مدينتهم الى رام الله. وما زالت تعتقل أمين عام "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" أحمد سعدات، والنائب "الفتحاوي" مروان البرغوثي اللذين اعتقلهما الاحتلال في عمليات عسكرية خاصة.
كذلك، ما زالت إسرائيل تطارد النائب الشيخ أحمد الحاج علي البالغ من العمر 74 عاماً، والمختفي عن الأنظار منذ أكثر من عام. ابنته هبة الحاج علي تشرح لـ "لسفير": "والدي يرفض تماماً أن يسلم نفسه لقوات الاحتلال، ومصمم على ذلك بسبب الأوضاع الصعبة التي يعيشها الأسرى في سجون الاحتلال وعدم تقديم العناية الطبية التي يحتاجها الأسرى. فسنّه الكبيرة لا تسمح له بأن يعود مرة أخرى للاعتقال. لقد تم اعتقاله مرات عدة، وقضى سنوات في السجون".
تتابع: "والدي أخبرني بأنه اختار "السجن الإرادي" بنفسه لكنه لن يقبل السجن الإجباري الذي يريده له الاحتلال".
ويشير نادي الأسير الفلسطيني الى أن الاحتلال الإسرائيلي ما زال يعتقل 18 نائبًا جميعهم من الضفّة الغربية.

خالدة: "لن أنفّذ"

كانت النائبة الفلسطينية خالدة جرار قد رفضت تنفيذ الأمر الإسرائيلي الصادر في العشرين من آب/أغسطس الماضي والقاضي بإبعادها من رام الله إلى أريحا. واستمرت بالاعتصام في مقرّ المجلس التشريعي في رام الله بمساندة مؤسسات حقوقية ونواب ونشطاء من الفصائل الفلسطينية كافة. يذكر هنا أن حرب الإبعاد والاعتقال الإداري هذه ابتدأت مع دخول عسكر الصهاينة إلى فلسطين في العام 1948، واستمرت مع مرور السنوات، وبرزت عند المفاصل التاريخية.
وكانت جرار قد شرحت في مقابلة سابقة أجرتها معها "السفير" حول كيفية تبلغها بأمر الإبعاد: "في العشرين من آب/أغسطس، اقتحم جنود إسرائيليون منزلي فجراً، وأبلغوني بأني ممنوعة من الإقامة في رام الله لمدة ستة أشهر، وطلبوا مني الذهاب الى مدينة أريحا والبقاء فيها حتى تاريخ 19 شباط 2015، وأبلغوني بضرورة تنفيذ الأمر خلال 24 ساعة".
وأوضحت جرار حينها أن الجنود سلموها قراراً من المحكمة العسكرية الإسرائيلية يتهمها بأنها "تشكل خطرًا على أمن المنطقة، ولا بدّ من وضعها تحت الرقابة الخاصة". وهو اتهام مفتوح وغير محدّد، ما جعلها تجهل تفاصيل التهمة الموجهة إليها. طالبها الجنود بالتوقيع على القرار، فرفضت. رأت جرار أن القرار "مستفز ومستهتر"، وهو "استمرار للاعتداءات التي يرتكبها الاحتلال بحق النواب وكل الفلسطينيين مهما كانت مواقعهم". وأضافت: "لن أنفذ أمر الإبعاد، ومن حقي البقاء في مكان سكني".
يشار الى أن النائبة جرار تعاني من امراض مزمنة عدة، وهي كانت تتابع العلاج من مرض سرطان الثدي الذي أصيبت به منذ سنوات.

معاركهنّ مستمرة

يشرح رئيس "هيئة شؤون الأسرى والمحررين" عيسى قراقع لـ "السفير" إن "السلطات الإسرائيلية وما يسمى مصلحة سجونها ما زالت تحتجز في سجونها 21 أسيرة، إثنتان منهن قاصرات، وأكثر من نصفهن ما زلن موقوفات، ويقبعن جميعا في سجن هشارون".
يذكّر قراقع بأن الأسيرة لينا الجربوني هي أقدم الأسيرات في سجون الاحتلال، وهي من قرية عرابة البطوف في الجليل. اعتقلت لينا في العام 2002، وتقضي حكماً بالسجن مدته 17 عاماً. أما أصغر الأسيرات فهي ديما سواحرة وتبلغ من العمر 16 عاماً، وهي من القدس. تليها في السنّ هالة أبو سل، عمرها 17 عاماً، وهي ابنة منطقة الخليل.
ولفت قراقع إلى أن الأسيرات الفلسطينيات في سجن "هشارون" يعشن ظروفاً صعبة ومقلقة، وهن محتجزات في أوضاعٍ لا تتوفر فيها أدنى متطلبات الحياة الأدمية. يعاني أغلبهن من أمراض عدة كآلام الظهر والضغط والسكري والروماتزم والالتهابات في المجاري التنفسية، ويعاملن معاملة سيئة من قبل مصلحة سجون الاحتلال في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
على مستوى ردود الفعل البرلمانية العربي والرسمية والتمثيلية الفلسطينية، فقد اكتفى الجميع بإصدار بياناتهم المستنكرة في اليوم الأول من اعتقال النائبة جرار. برزت من بين المواقف الإدانة الشديدة التي أصدرها رئيس البرلمان العربي عضو المجلس الوطني بدولة الامارات أحمد الجروان لـ "هذه الخطوة الإسرائيلية الهمجية"، كما وصفها.