| 

يشعر المرء وهو يتحدّث مع خالدات حسين بأنه أمام جبل انصهرت فيه حروب اللجوء الفلسطيني في لبنان، الحياة والشهادة، الصلابة واللين، السلاسة والاختناق. إن المواقف والتحديات التي مرّت بها هذه المرأة، منذ لحظات ولادتها في مخيم تل الزعتر وحتى اليوم، تفوق قدرة الإنسان على تصوّرها، فكيف بمن عاشتها باللحم الحيّ، وترويها بهدوء.
بهدوء، تتحدث هذه المناضلة. وبسرعة فائقة، ينتقل الإصرار والتحدي الموجودين في عينيها إلى دماء المستمعين. بأسلوبها الآسر، تنقل لذّة المغامرة في سبيل الحرية، والأرض.
"ملحق فلسطين" قصد خالدات حسين، وفاز منها بهذا الحوار.


في النكسة، رأيت العلم

• صفي لنا الحياة داخل مخيم تل الزعتر.
ولدت في مخيم تل الزعتر العام 1960، لعائلة فلسطينية نزحت من منطقة صفد في العام 1948 ولم تجد مكاناً يأويها سوى بيت من بيوت المخيم سقفه من التنك. كانت الحياة في المخيم آنذاك بائسة بكل ما في الكلمة من معنى. كانت الطرقات محفّرة، والمجارير تفيض بالمياه الآسنة. وكان ممنوعاً على سكّان المخيم استبدال الواح "الزنكو" بسقف من الباطون. وبسبب ذلك، كانت البيوت تفيض بالمياه في فصل الشتاء، وتتحوّل إلى ما يشبه الأفران في الصيف. ومَن يخالف، كان يتعرّض للاعتقال من عناصر الدرك التي كانت موجودة على أبواب المخيم. وقد تعرّض أبي للاعتقال لخمسة عشر يوماً كونه يحب جمال عبد الناصر ويعتبره منقذ الأمة العربية. أذكر لما أتوا واعتقلوه عند الفجر بتهمة النشاط السياسي السري، وكان يشتغل عاملاً في منطقة المكلس حينها، قبل سفره إلى ليبيا.
أما نحن الأطفال فكانت فسحة التنفس الوحيدة بالنسبة إلينا هي المدرسة، وكانت تابعة لجمعية "الأونروا". وقد أطلق عليها اسم "بيسان" تيمناً باسم مدينة بيسان الفلسطينية. وكانت مدرستنا لا تشبه المخيم بشيء. فكنا، بالإضافة إلى الدراسة، نستمتع باللعب في ملاعبها الخضراء الجميلة، لدرجة أننا كنا نتمنى أن نبقى فيها طوال الوقت وألا نذهب إلى بيوتنا إطلاقاً. في بيوتنا، لا مكان نسرح ونمرح فيه. وأذكر أيضاً في مدرستنا لوحةً معلقة على جدار المدخل للفنان اسماعيل شموط، تمثّل امرأة تحمل برتقالة وتنظر إلى الشمس. فكنت في ساعات اليأس، أتوجّه صوب هذه اللوحة وأنظر إليها طويلاً، فتعود إليّ همّتي من جديد.
وسط هذا الكم الهائل من الأحزان والمآسي، لم نكن نملك سوى الإرادة لنشهرها في وجه الألم. وكان والدي يردد دائماً: "إن قدرنا هو أن نظل نصارع وحيدين حتى نعود إلى فلسطين بعدما تخلى عنا جميع العرب". العام 1967 كان عام النكسة، ومع ذلك، كان ثمة مكان للفرح في داخلي عندما شاهدت علم فلسطين للمرة الأولى في حياتي، وكانت تحمله مجموعة من شبان المخيم، خرجوا في مظاهرة استنكار لعدوان حزيرن العام 1967. في ذلك النهار، لم يكن لي من حديث سوى مشاهدتي للعلم، لدرجة أنني بقيت ساهرةً طوال الليل أنتظر عودة والدي من عمله كي أقصّ عليه خبر مشاهدتي علم فلسطين.

عواطف وصباح

• كيف بدأ وعيك السياسي بالتشكّل؟
بعد العام 1969، بدأ العمل الفلسطيني في لبنان يأخذ منحى علنياً، وبدأت تظهر خلايا وتنظيمات طالبية فلسطينية في المدراس التي كان يدرس فيها طلاب فلسطينيون. وفي العام 1973، شاركت للمرة الأولى في انتخابات "اتحاد الطلبة الفلسطينيين"، وكان لي من العمر ثلاثة عشر عاماً. وفي تلك الفترة أيضاً، بدأت المخيمات الفلسطينية تشهد قيام معسكرات تدريب للأشبال والمقاتلين. فكنا نذهب لحضور حفلات التخريج. كان منظر المقاتلين المتخرّجين وهم يزحفون على الحبال ويقفزون بين النيران يثير فيّ الفرح، ويجعلني أشعر بأن هناك سنوات طويلة من الجهاد تنتظر الشعب الفلسطيني. لم يكن حلمي في ذلك الوقت أن أصبح محامية أو مهندسة، بل أن أكون مقاتلة في صفوف الثورة الفلسطينية مثل جارتينا عواطف وصباح وغيرهن من النساء المقاتلات التي كنّ يشكّلن بالنسبة إلينا نحن الفتيات الصغيرات الرمز والقدوة.

إلياس، الشظية، والمياه

• كانت لك تجربة مريرة خلال حصار مخيم تل الزعتر. أخبرينا عن تلك المرحلة.
في العام 1976، اندلعت الحرب في مخيم تل الزعتر بين المقاومة الفلسطينية ومسلحي الأحزاب في المنطقة الشرقية من بيروت الذين حاصروه من كل الجهات ومنعوا دخول المواد التموينية إليه. ومع اشتداد الضغط على المخيم، سقطت "تلة المير"، وهي تلة استراتيجية كان يتحصن فيها المدافعون عن المخيم، ما وضع المخيم كله تحت خطر السقوط. أمام هذا الحدث، شعر كلّ سكان المخيم بأن مصيرهم بات في خطر داهم، وبأنهم باتوا معرضين لخطر الاقتلاع من بيوتهم. كان ردّ فعلي حينها أنني خرجت من منزلنا رغم إرادة والدتي، واتجهت برفقة عدد من الفتيات إلى أحد المراكز العسكرية، وطلبنا من المسؤول عنه تزويدنا بالسلاح لأننا نريد القتال من اجل استرجاع التلة. لكن المسؤول عن المركز هدّأ من روعنا، وأقنعنا بأن هناك طرائق أخرى للمشاركة في القتال. وطلب المساعدة في تأمين المياه للمقاتلين على المحاور. قبلنا هذه المهمة، وصرنا نذهب في الليل لتعبئة المياه من القسطل الوحيد في المخيم وكان مكسوراً وكانت تطاله نيران المعارك. لم تكن هذه المهمة سهلة، فالمكان كان عرضة للقنص بشكل دائم، وقد قتل عدد من النساء في أثناء قيامهن بهذه المهمة. كنا أنا ووالدتي نتناوب على هذا الدور، كي لا نترك أشقائي الصغار وحدهم في المنزل. وفي إحدى المرات، كان دوري في تعبئة المياه، فذهبت برفقة عدد من الفتيات إلى المهمة. وفي الطريق، بدأ القصف يشتدّ، ومع ذلك أكملنا سيرنا حتى وصلنا إلى المكان المقصود. كان عدد النسوة اللواتي ينتظرن دورهن لتعبئة المياه كبيراً. ولكن، مع سقوط صاروخ "غراد" على بعد أمتار منا، هرب الجميع ولم يبق سواي وفتاتين كانتا قد حضرتا بدورهما لتعبئة المياه، اسماهما صبحية وحياة. بعدما أصبح المكان خالياً، نظرت إلى صبحية وحياة وقلت لهما: "هلق فينا نعبي مياه على رواق". ولم أكد أكمل كلامي حتى انفجر صاروخ بقربنا. وبعد لحظات شعرت بسخونة في رجلي، ومن دون أن أدرك ماذا حدث بالضبط في تلك اللحظات، نظرت إلى صبحية فوجدتها وقد أصابتها هستيريا من الضحك، وقد يكون ذلك بسبب الرعب الذي انتابها جرّاء سقوط الصاروخ. كانت صبحية تضحك وهي تشير بيدها إليّ. عندها نظرت إلى نفسي، فوجدت البنطال الذي كنتُ أرتديه قد صبغته الدماء. فعرفت عندئذ أنني قد أصبت في رجلي. على الرغم من الإصابة، بقيت قادرة على المشي، فاتكأت على رفيقتي، وسرنا باتجاه المستشفى الميداني في المخيم. كانت الصواريخ تلاحقنا في كل مكان. وكان الشخص الوحيد الذي يقوم بالعمليات الجراحية في المستشفى هو ممرض اسمه الياس، بعدما غادر جميع الأطباء من المخيم. لم يستطع إلياس إخراج الشظية من رجلي، لعدم توفر الإمكانات في المستشفى. فطهّر مكان الجرح بالماء والملح، وقال لي إن الشظية مع الوقت "ستخاوي" اللحم. بسبب هذه الإصابة، عشت بإعاقة مؤقتة في رجلي استمرت سنوات عدّة، وتطلّبت عودتي إلى حالتي الطبيعة الخضوع لعمليات جراحية عدة.

سمعت الأنين يخفت، ففهمت
• خلال حرب تل الزعتر، هدم الملجأ فوق رأسك. كيف تم إنقاذك من تحت الردم؟
بعد إصابتي في رجلي، لم أعد قادرة على القيام بمهمتي بتعبئة المياه، فأصبحت ألازم الملجأ الذي كنا قد انتقلنا إليه بعدما أصيب منزلنا بالقصف. كان الملجأ عبارة عن كاراج كبير في أحد الأبنية، يضم عدداً كبيراً من العائلات التي أصيبت منازلها أيضاً. خلال واحدة من محاولات اقتحام المخيم، أصيب المبنى الذي يحوي الملجأ بقذائف عدة مباشرة، أدّت إلى سقوطه على رؤوسنا. في تلك اللحظات، كنت قد أصبحت تحت الردم، ولم أفكر حينها إلا بوالدي. ومرّ في خيالي منظره وهو يتلقى خبر مقتل جميع أفراد عائلته. بعد ذلك، لم أعد أسمع سوى أصوات الأنين التي كانت تصدر من الأشخاص الذين كانوا يجاوروني لحظة وقوع القصف. ولكن هذا الأنين ما لبث أن خفّ ثم انطفأ نهائياً. فأدركت عندئذ أنهم قد ماتوا. استسلمت لمصيري، وبدأت أعدّ اللحظات المتبقية لي في هذه الدنيا. لكن صوت أمي ردّ إليّ الروح، وأعطاني الأمل بالنجاة. فقد سمعتها تقول: "استطعت أن أنقذ جميع أولادي باستثناء ابنتي الجريحة! الله يرحمها". كان ردّ فعلي لما سمعت صوتها أنني رحت أصرخ بأعلى صوتي داعية أمي إلى إنقاذي. في تلك الحظة، امتدت يد لإنقاذي فتمسكت بها، وخرجت من تحت الردم. كانت هذه اليد هي يد جارنا الذي كان يبحث عن زوجته وطفليه. استطاع الرجل إنقاذ زوجته، أما طفلاه فقد قضيا في القصف. فكان من جراء هذه الصدمة أن أصيبت زوجته بحالة عصبية أسميناها حينها الجنون.

لا يجوز أن تكون تجربةٌ كهذه

• في مخيم تل الزعتر أيضاً، قضت والدتك، ومن ثم شقيقك خالد. كيف حدث ذلك؟
بعدما أصيبت رجلي، أخذت والدتي مكاني في تعبئة المياه للمقاتلين وللجرحى. وفي إحدى المرات، وقبل سقوط المخيم بأسبوع، ذهبت كعادتها لتعبئة الماء وأوصتني بشقيقتي الصغرى، وكان لها من العمر تسعة أشهر. بعد خروجها بقليل، كنت عند جارتنا نحضّر طعام الغذاء، وكان عدساً مسلوقاً، لما وصلت صديقتها وأخبرتنا بأن أم خالد أصيبت برصاصة قنص أودت بحياتها. سألتها إذا المقصودة بأم خالد هي أمي، فردّت بالايجاب. وقبل أن أستفيق من ذهولي، شاهدت مجموعة من الرجال يتّجهون صوبنا، يحملون جسم والدتي ملفوفاً بحرام، وقاموا بوضعها أمامنا. كانت والدتي في النزاع الأخير قبل أن تفارق الحياة، نظرت إليّ وحاولت أن تقول شيئاً لكن الموت كان أسرع منها.
وبعد وفاة والدتي، جاء دور شقيقي خالد. كان خالد في الرابعة عشرة من عمره وقد أصيب برصاصة في رجله قبل أسبوع من سقوط مخيم تل الزعتر. ومع سقوط المخيم، دخل المسلحون ومعهم بعض المدنيين الذين كانوا يتردّدون إلى المخيم بحكم عملهم في الإدارات العامة. ومن بين هؤلاء، كان هناك شخص كان اسمه جوزف، كان موظفاً في شركة المياه. حاول جوزف طمأنتنا إلى أن المدنيين لن يمسّهم سوء، وطلب منا التوجه سيراً على الأقدام إلى منطقة السلاف في الدكوانة. امتثلنا للأمر، وكانت الطريق إلى الدكوانة ملأى بجثث المدنيين من سكان المخيم، إذ جرت تصفيتهم من قبل المهاجمين. وكان من بين الذين تعرّفت الى جثثهم "الياس"، الممرّض الذي عالجني. كان جثته ملقاة بالقرب من المستشفى الميداني، وكان يرتدي لباس التمريض الأبيض.
في الطريق إلى الدكوانة، كنت أسير إلى جانب عمي الذي كان يحمل أخي على ظهره. كان خالد عاجزاً لا يقوى على المشي نتيجة الإصابة التي تعرض لها في وقت سابق. وبوصولنا إلى محاذاة منطقة السلاف، ظهرت أمامنا مجموعة المسلحين، فأمر أحدهم خالد بالنزول عن ظهر عمي، وقال له: "اركض وليه". وعندما ركض، أطلق النار عليه من الخلف فسقط مضرجاً بدمائه، وبقي يردد كلمة "يالله" حتى فارق الحياة. وقبل أن أستفيق من ذهولي، كان عمّي قد اختفى من أمام ناظري. وبعد ذلك علمت أنه قد عذّب وأهين ومن ثم صُفّي. لم أشعر بشيء في تلك اللحظات. لم أصرخ، ولم أولول، ولم أنهر، وكـأن عقلي وجسمي قد تخدّرا من هول الصدمة. نظرت إلى جثة أخي، وأكملت طريقي إلى حيث جرى تجمعينا في "المدرسة الفندقية"، تمهيداً لنقلنا إلى بيروت الغربية.

"الديموقراطية": سياسياً، عسكرياً، نسائياً

• بعد خروجك من تل الزعتر، انتسبت إلى "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين". كيف تطور نضالك في تلك المرحلة؟
بعدما وصلنا بيروت الغربية، جرى توزيعنا على أماكن مخصصة لإيواء المهجرين. في تلك المرحلة، كان عليّ أن أؤدي دور الأب والأم في رعاية أشقائي الصغار. وبعد أسابيع عدة على خروجنا من تل الزعتر، عاد والدي من ليبيا. دخل علينا حيث كنا نقيم في أحد مراكز المهجرين وسألني عن والدتي وشقيقي. عندما أخبرته أنهم قضوا في المجزرة مع شقيقه، أصيب بصدمة نفسية قاسية رافقته حتى آخر أيام حياته. وفي تلك المرحلة أيضاً، انتميت الى "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين". كان الدافع خلف انتمائي هو تأثري بميول والدي اليسارية.
بدأ نشاطي عبر المشاركة في معسكر التعبئة الذي أقامته "الجبهة" لكل النساء المنضويات في صفوفها. بعد ذلك، عيّنت مسؤولة عن خلية نسائية في مخيم صبرا، وكان ذلك في العام 1978. كان عملنا في تلك المرحلة يقوم على تعبئة المرأة الفلسطينية تنفيذاً لقرار من قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية" بتكثيف الندوات السياسية ودورات التدريب على السلاح والإسعافات الأولية للمرأة الفلسطينية، استعداداً للمرحلة للمقبلة والتي كانت تشي بأن إسرائيل ستقوم بعدوان كبير على لبنان. كان إقبال المرأة الفلسطينية على هذه الدورات كبيراً ولافتاً في كل المخيمات الفلسطينية، وخاصة بعد العملية النوعية التي قادتها الشهيدة دلال المغربي داخل فلسطين المحتلة ضد جنود الاحتلال.. وجدنا أن منسوب الاستعداد للاستشهاد في سبيل فلسطين قد ارتفع بشكل كبير بين النساء الفلسطينيات. وفي تلك الفترة أيضاً، تخرجت نساءٌ من معسكرات التدريب قمن بدور عسكري كبير في مقاومة الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982.

نساء من ذهب وفضّة في الاجتياح

• أخبرينا عن مرحلة الاجتياح، ودور المرأة تحديداً فيها.

في المرحلة الاولى من الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، تركّز عملي في مخيم شاتيلا بمساعدة نساء المخيم على تأمين الطعام للمقاتلين والمشاركة في عمليات إسعاف جرحى، كما ظهر من النساء الفلسطينيات في تلك المرحلة مَن شاركت بعمليات القتال على محاور العاصمة. من أبرزهن الرفيقة "أ.م." التي كانت قائدة كتيبة نسائية تسلمت محور عين السلم، وقامت بالتصدي بفعالية لدبابات الاحتلال حين حاولت الدخول الى المنطقة.. في تلك الفترة، تحوّل كلّ بيت في مخيم شاتيلا إلى مطبخ ميداني. ومع اشتداد القصف الإسرائيلي على المخيمات الفلسطينية، طلبت قيادة المقاومة الفلسطينية من النساء مغادرة المخيم، ونقل المطبخ الميداني إلى مكان أكثر أماناً. لكن النساء رفضن المغادرة، وكان جوابهن: لسنا أفضل من المقاتلين الذين يستشهدون على الجبهات. كانت واحدة من تلك النساء الجريئات جداً سيدة مسنّة اسمها "فضة رشيد عودة"، معروفة بأم أحمد، وكانت تطبخ للمقاتلين في منزلها. كانت أم أحمد تنجز عملها في الظروف كافة، ولم تكن تخيفها أصوات القذائف المتساقطة حولها. وعندما يشتدّ القصف، كانت ترفض أن تختبئ أو تنزل الى الملجأ.. وأذكر أني سألتها مرة: ماذا تفعلين في حال هبط عليك مظلي إسرائيلي؟ فأجابت بكل ثقة بالنفس: "أرميه بالزيت المغلي".
في الشهر الثاني على حصار بيروت، طلبت مني قيادة "الجبهة الديموقراطية" توسيع نطاق مهمتي والانتقال من مخيم شاتيلا إلى بيروت الغربية للإشراف على عمليات الإغاثة في ما عُرف في تلك المرحلة بالمنطقة الرابعة، والتي كانت تضم مناطق الوتوات والظريف وصولاً إلى الجامعة الأميركية في بيروت. كانت مهمتي مع فريق عمل من "اتحاد المرأة الفلسطينية" ومجموعة نساء من أحزاب الحركة الوطنية، هي الإشراف على عمليات تخزين وتوضيب الأغذية التي كانت توزع على المهجرين، وزيارة الجرحى في المستشفيات، والمقاتلين على المحاور، والقيام بحملات نظافة في الشوارع. وفي تحدّ واضح للإسرائيليين، وبعدما قصفت طائراتهم ومدفعيتهم بيروت الغربية طوال نهار الرابع من آب بشكل هستيري، استفاق السكان في اليوم التالي على منظر مجموعة من النساء والرجال اللبنانيين والفلسطينيين يقومون بحملة نظافة في شوارع بيروت لإزالة آثار العدوان.

العمل السرّي ليس سهلاً

• بعد خروج "منظمة التحرير الفلسطينية" من بيروت، بدأت مرحلة جديدة من النضال عنوانها حق العمل السياسي العلني للفصائل الفلسطينية. أخبرينا عن تلك المرحلة.

بعدما خرجت "منظمة التحرير" من بيروت، انتقلنا إلى العمل السرّي. وقد جرى اتخاذ هذا القرار بناء على معلومات كانت متوفرة لدى قيادة المقاومة الفلسطينية بأن خروج المنظمة ستعقبه حملات اعتقال وتنكيل بالفلسطينيين والوطنييين اللبنانيين تنفذها أجهزة الأمن اللبنانية. لم يكن الانتقال من العمل العلني إلى العمل السري بالأمر السهل، فهو يتطلب استعدادات خاصة قد لا تكون متوفرة لكثير من الاشخاص. ومن أجل التوضيح، فإن القرار بالعمل السرّي لم يكن يعني اختفاء المنظمات الفلسطينية كلياً تحت الأرض. فأحد جوانب العمل السرّي هو النضال من أجل المحافظة على حق العمل العلني قدر الإمكان، وخاصة للمرأة للفلسطينية. والى جانب هذا الهدف، كان هناك هدف إعادة جميع سكان المخيمات إلى منازلهم علماً أن قسماً كبيراً منهم قد اضطر إلى تركها خلال فترة الحصار الإسرائيلي لبيروت. وهذه المهمة كانت الأصعب في تلك المرحلة. وبعدما تسلمنا القرار، نزلت الى مخيم شاتيلا وكانت معي المناضلة الرفيقة "روضة العلي". وبدأنا نجمع عدداً من الشبان، ورحنا نعمل بأيدينا على إزالة الركام الذي خلّفه القصف الإسرائيلي للمخيم، كما عملنا على فتح الطرقات وإصلاح شبكات المياه والكهرباء. لم يطل الوقت حتى كبرت هذه المبادرة، وأصبحت ككرة الثلج، وامتدت لتشمل باقي المخيمات الفلسطينية. وكانت من نتائجها عودة معظم سكان المخيمات الى منازلهم. وفي خطوة تهدف الى المحافظة على حق العمل السياسي العلني في المخيمات، قمت بإعادة افتتاح مكتب "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" في مخيم شاتيلا، وبقيت أداوم فيه وحدي لفترة من الزمن. ثم بدأت تداوم معي بعض الرفيقات في "الجبهة".
داخل "شاتيلا"، خلال المجزرة..

• عايشتِ أيضاً مجزرة صبرا وشاتيلا. شاركي معنا الذكريات.
صباح يوم المجزرة، خرجت من منزلنا في منطقة بئر حسن، واتجهت إلى مكتب "الجبهة الديموقراطية" في مخيم شاتيلا، كالعادة، وكانت برفقتي شقيقتي. لما صرت بالقرب من قصر رياض الصلح، فوجئت بوجود الإسرائيليين في باحة القصر ومحيطه، راحوا ينظرون إلينا ويضحكون ويتمتمون كلمات بالعبرية. شكّل هذا المشهد مفاجأة كاملة بالنسبة إلي، إذ لم تكن لديّ أي فكرة عما حدث في الليلة الماضية. فكّرت في البداية بالعودة إلى منزلنا، ولكن سرعان ما حسمت قراري وأكملت طريقي إلى مخيم شاتيلا برفقة شقيقتي. عندما وصلنا إلى مدخل المخيم لجهة منطقة الرحاب، افترقت شقيقتي عني واتجهت إلى منزل أهل خطيبها القريب من المكان لزيارتهم، فيما أكملت أنا طريقي إلى داخل المخيم. وفي الطريق، التقيت بعدد من الأشخاص الذين نصحوني بالعودة الى المنزل، ولكنني لم آخذ بهذه النصائح، وقمت بفتح المكتب على جري عادتي في كل يوم. وعند حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، بدأنا نسمع أصوات إطلاق النار مصدرها أطراف المخيم. اعتقدت في بداية الأمر أن الإسرائيليين يحاولون إرهاب سكان المخيم بغية دفعهم لمغاردته. وبعد حوالي نصف الساعة، اشتدت أصوات الرصاص. عندها نصحتني صديقة لي كانت معي في المكتب بالعودة الى منزلنا. فامتثلت لنصيحتها. في طريق العودة، لم أجد أحداً في الشوارع. كنت أسير وحدي بينما كانت أصوات رصاص القنص تسمع بوضوح من أطراف المخيم. وعندما وصلت الى خارج المخيم، فكرت بأن أذهب الى اختي كي اصطحبها معي الى المنزل. لكنني فوجئت بشخص يستوقفني ويطلب مني العودة من حيث أتيت بعدما أخبرني بأن فتاة قد قتلت في هذا المكان قبل قليل برصاصة القنص. عدتُ إلى داخل المخيم وتوجهتُ الى منزل صديقة لي. وعند حوالي الساعة الخامسة والنصف، وكنت لا أزال عندها، بدأت أسمع أخبار عن عمليات قتل يرتكبها مسلحون بحق السكان القاطنين على أطراف المخيم، وأن هناك عائلات قد أبيدت بالكامل، ومن بين العائلات التي أبيدت عائلتا الدوخي وسرور. في تلك اللحظات، أدركت أنني قد أصبحت محاصرة داخل المخيم، وكانت الصورة الوحيدة التي مرت في خيالي في تلك اللحظات هي صورة والدتي وشقيقي اللذين قضيا في مخيم تل الزعتر أمام ناظري. في تلك الأثناء، كان هناك شبان من المخيم يتداولون في ما يجب فعله من أجل الدفاع عن السكان، فيما يحاول الاسرائيليون الدخول الى المخيم وارتكاب مجزرة بحق سكانه. فكان أن خطرت لبعضهم فكرة قاموا بتنفيذها على الفور. جمعوا عدداً من قناني الغاز من البيوت واتجهوا بها الى منطقة تقع عند أطراف المخيم تدعى منطقة "الاستديو"، حيث كان يوجد مخزن أسلحة من مخلفات "منظمة التحرير"، وقاموا بتفجيرها هناك. أحدث الانفجار دوياً هائلاً جعل الإسرائيليين يراجعون حساباتهم ويقررون عدم الدخول الى المخيم. فبقيت تحركاتهم والمجازر التي ارتكبوها بمساعدة أعوانهم محصورة بأطراف المخيم. وكانت هذه نتيجة العمل الذي قام به شبان المخيم، فجعلوا منطقة "الاستديو" الأكثر أماناً التي يمكن للمدنيين أن ينفذوا منها إلى خارج المخيم.
بحلول الظلام، خرجت من المخيم مع مَن حاولوا الخروج. وعندما وصلت الى أمام مبنى مستشفى غزة، منعني بعض الشبان من إكمال طريقي بحجة ان الاسرائيليين يحاولون التقدم من هذه النقطة الى داخل المخيم. فدخلت مبنى المستشفى، واختبأت فيه. وفيما أنا هناك، بدأت أشاهد عدداً من الجرحى وهم يتوافدون الى المستشفى، وعرفنا منهم أنهم قد أصيبوا برصاص الاسرائيليين واعوانهم، كما عرفنا أيضاً أن المسلحين قد قتلوا عدداً من الأطباء والممرضين في مستشفى "عكا". كما عرفنا أنهم اقاموا "حفلة" إعدام جماعية لعدد كبير من المدنيين في "نادي الغولف" المجاور للمخيم. بقيت مختبئة في "مستشفى غزة" إلى أن جاء من يخبرنا أن هناك فرصة سانحة للخروج من المخيم. فخرجت مع مَن خرجوا. وبعد حوالي الأسبوع، ومع انتشار الجيش اللبناني في محيط مخيمي صبرا وشاتيلا، عدت إلى شاتيلا. هناك، شاهدت عدداً كبير من الجثث والتي كانت لاتزال ملقاة على الارض وقد تضررت من الشمس، بينها جثث لأطفال صغار. وفي أثناء تجوالي في الساحة التي وقعت فيها المجزرة، وقع نظري على جثة "أبو الدبس" وقد نخرها الرصاص. كان أبو الدبس هذا رجلاً بسيطاً يعاني ضعفاً عقلياً ويعتاش على إعانات سكان المخيم له. لا اعرف كيف اتجه تفكيري في تلك اللحظات الى "فضة رشيد عودة"، السيدة المسنّة التي كانت تطبخ للمقاتلين والتي رفضت الخروج من المخيم في كل الظروف. فاتجهت الى منزلها، وهناك وجدتها مقتولة، وفي المكان ذاته حيث كانت تطبخ للمقاتلين.
نساء عظيمات، وسجون الجيش

• بعد هذه المجرزة، كان للمرأة الفلسطينية دور أكبر في قيادة الأحداث. كيف تتذكرين تلك المرحلة؟
بعد هذه المجزرة، كلفتني قيادة "الجبهة" و "اتحاد المرأة الفلسطينية"، مع عدد من النساء، بفضح ما جرى من ارتكابات مروّعة بحق المدنيين، أمام وسائل الاعلام. فقمنا أولاً بعملية توثيق لأسماء كلّ الأشخاص الذين قتلوا أو فقدوا خلال هذه المجرزة. وبعد ذلك، دعونا وسائل الإعلام العالمية للقاءات مع ذوي الضحايا الذين تحدثوا عن مشاهداتهم للمجازر. وأود أن أسجّل هنا عظمة النساء الفلسطينيات اللواتي فقدن ذويهن في هذه المجزرة، لجهة التعالي عن الجراح والتعاطي مع المسألة بكل رباطة جأش أمام وسائل الإعلام. وفي تلك الفترة أيضاً، تحولت المرأة الفلسطينية من عنصر مشارك في النضال إلى قائد فعلي لهذا النضال. فأخذت على عاتقها مهمة إدارة كلّ شؤون تلك المرحلة. وتصدرت الواجهة في عمليات الاغاثة واعادة ترميم منازل المخيمات، بالإضافة الى التعاطي مع وسائل الاعلام. كما أدت النساء الفلسطينيات في تلك المرحلة دور المنقذ للشباب الفلسطيني من حملات الاعتقال التي كان يقوم بها الجيش اللبناني. فكنّ يتوزعن في الأسواق القريبة من المخيم، وعندما يشاهدن أي تحركات للجيش اللبناني، كن يقمن بتنبيه الشباب لعدم الخروج من المخيم. وفي حال وقوع أحد الشباب في أيدي المخابرات اللبنانية، كنا نبادر فوراً إلى تنظيم تظاهرات نسائية تطالب بإطلاق سراحه. وأذكر هنا مرة قامت قوة من الجيش اللبناني بمداهمة "سينما الشرق" التي كانت تقع قبالة المخيم، واعتقلت جميع مَن كان داخلها. وعندما علمنا بالأمر، خرجنا في تظاهرة نسائية تطالب بإطلاق سراح المعتقلين، وكان معنا "ام محمد عفيفي"، والدة الاسيرة المحررة كفاح عفيفي. كانت أم محمد عفيفي جريئة جداً في مطالبتها بإطلاق المعتقلين لدرجة أن الجيش اللبناني قام بإطلاق المعتقلين واعتقالها هي. فأصبح لزاماً علينا أن ننظم تظاهرة أخرى تطالب بإطلاق "أم محمد". وقد نجحنا في إطلاق سراحها.
ومن الأمور الهامة التي جرت في تلك المرحلة أيضاً، قيامنا بتنظيم تحركات للمطالبة بحق العمل السياسي الفلسطيني. يومها، عملنا على تعبئة جميع سكان مخيم شاتيلا الذين خرجوا في مظاهرة حاشدة توجهت الى مقبرة الشهداء، حيث ألقى ممثل منظمة التحرير في لبنان شفيق الحوت كلمة أكد فيها على حق الفلسطينيين بالعمل السياسي. وقد حاول الجيش اللبناني تفريق التظاهرة بكل وسائل الترغيب والترهيب، ولكننا استمرينا في تحركاتنا حتى النهاية. بعد هذه التظاهرة، قامت قوة من الجيش اللبناني بمداهمة منزلنا في منطقة بئر حسن بهدف اعتقالي. ولكنهم لم يجدوني. ولكن عدداً من الفتيات تم اعتقالهن وبقين فترة طويلة في سجون الجيش اللبناني.

أم محمد على منبر "جامع الإمام علي"

• ماذا عن مرحلة حرب المخيمات؟
في حرب المخيمات التى اندلعت في العام 1985، بقيت في مخيم شاتيلا حوالي ثلاثة أشهر متواصلة أديت خلالها دوراً في تنظيم عمليات الإغاثة للسكان الذين بقوا في المخيم. ومن أجل تعزيز صمودهم ورفع معنوياتهم، أقمنا عدداً من حفلات الأعراس في ساحات المخيم، وعلى أسطح منازله. وبعدما حصلت الهدنة الأولى، طلبت مني قيادة "الجبهة" الخروج من المخيم والانتقال الى دور آخر هو تنظيم تحرّكات واعتصامات تطالب بفك الحصار عن المخيمات. وكانت أبرز تلك التحركات الاعتصام الكبير الذي قمنا به أمام مستديرة حبيب أبي شهلا بالقرب من مخيم مار الياس. أبلغنا بعده رئيس الحكومة رشيد كرامي بأن هناك قراراً جذرياً بحل مسألة المخيمات، وطلب منا إبلاغ القيادات المعنية بهذا الأمر. وسبق ذلك قرار اتخذه "اتحاد المرأة الفلسطيني" بكسر الحصار عن المخيم، والدخول إليه سلمياً حاملين معنا الأدوية والأمصال والخبز لسكانه المحاصرين. وكان من المقرر أن ينضم إلينا في هذه التحركات عدد من المنظمات النسائية اللبنانية، ولكنهم عادوا وفضلوا تأجيل مشاركتهن بعدما وعدوا من قبل المسؤولين اللبنانيين بأن هناك مساعي ستثمر قريباً لإيجاد حلّ لوقف حرب المخيمات. فأكمل "اتحاد المرأة الفلسطينية" التحرّك وحده. وفي يوم جمعة، قمنا بتنظيم تظاهرة حاشدة توجهت صوب مخيم شاتيلا. وبوصولنا بالقرب من جامع "الإمام علي" في الطريق الجديدة، خرجت أم محمد عفيفي من التظاهرة، وقامت بالدخول الى الجامع، واعتلت المئذنة حيث راحت تخطب بالمصلين، وتدعوهم للمساعدة في فك الحصار عن المخيمات. يومها، تراكض الناس الى الجامع لمشاهدة هذا الحدث غير المألوف وإعلان دعمهم لتحركاتنا.

أول مرة في فلسطين: زلازل البراكين

• أخبرينا عن رحلتك إلى رام الله لحضور المؤتمر العام للمرأة الفلسطينية.
عقد المؤتمر العام لـ "اتحاد المرأة الفلسطينية" في رام الله في العام 2009. ذهبنا حينها الى رام الله عن طريق البر. ما زالت هذه المحطة الأبرز في حياتي، بحيث يصعب عليّ وصف الشعور الذي أحسست به وأنا أدخل أرض الوطن للمرة الأولى.. هذا الوطن الذي كان بالنسبة إلينا نحن الذي ولدنا خارجه، كضوء بعيد بذلنا الكثير من الدماء والجروح للوصول إليه وملامسته.
كنا طوال الطريق إلى رام الله نغني وننشد الأناشيد الوطنية. ولكن عندما وصلنا الى "جسر اللمبي"، وشاهدنا جنود الاحتلال، أحسسنا بالصدمة. ومهما قلت، فإنه يبقى من الصعب على المرء أن يصف الشر الذي يجده في عيون هؤلاء المحتلين. عندما دخلنا أرض الوطن، ساد الصمت في الحافلة التي كنا فيها. كانت لحظات من الرهبة شعرنا خلالها بصعوبة العلاقة بين المحتلّ وبين مَن يصارع من أجل استعاده حقه بأرضه وتاريخه وهويته. أما المشهد الأهم في تلك الرحلة فكان لما ترجّلنا من الحافلة، ووطأت قدماي أرض فلسطين للمرة الأولى. كانت لحظات تشبه زلزال البراكين. أقول ذلك لكثرة ما شهقت بالبكاء حينها.
بقينا في رام الله حوالي أسبوع تجوّلنا خلالها في المدينة زاوية زاوية ودسكرة دسكرة، بحيث لم يبقَ مكان في هذه المدينة الجميلة لم نذهب إليه. وحيثما كنا نذهب، كان الناس يستقبلوننا بفرحٍ بالغ، ويخبروننا قصصهم في مقارعة الاحتلال. ولكن، على الرغم من هذه السعادة التي شعرنا بها لوجودنا في رام الله، فإن منظر جدار الفصل العنصري والمستوطنات جعل فرحتنا مخنوقة. فشتان ما بين منظر البيوت الفلسطينية القديمة المبنية من حجر الصوان والمسقوفة بالقرميد، وبين منظر تلك المباني في المستوطنات التي عندما تراها لا يسعك إلا أن تقول: هذه البيوت ليست لهذه الأرض.